وُلد والدي الشهيد وصفي
طاهرعام 1918، من عائلة ساهم عدد من رجالها في تأسيس طلائع الجيش العراقي، وفي
اواخر ثلاثينيات القرن الماضي عندما كان في السابعة عشرة من عمره اراد هو ومئات
من اقرانه ان يشاركوا في مقارعة الفاشية الاسبانية اذ كانوا يطمحون لبناء العالم
الحر، الديمقراطي السعيد. تخرج من الكلية العسكرية ببغداد عام 1939 فشارك في
أحداث حركة مايس 1941، وفي الحرب العربية - الإسرائيلية عام 1948، وليعود منها
مشبعاً بالمزيد من الوطنية والاصرار على الاسهام في التغيير الافضل لبلاده، وهكذا
انطلق ليكون احد المؤسسين لتنظيم الضباط الاحرار، هذا التنظيم الذي اخذ على عاتقه
تنفيذ ثورة 14 تموز.
صار الشهيد وصفي طاهر لولب
التنظيم، وهذا بشهادة حتى الذين خالفوه الرأي والموقف، وقد وافق ان يَشغـِـل مهمة
المرافق الاقدم لرئيس الوزراء الملكي، نوري السعيد عام 1953، لأن هذا الموقع
الحساس سيفيد قيادة الضباط الاحرار في تنظيم ثورتهم.
ودعوني اقتبس عن ذكريات
مكتوبة لوالدتي بلقيس عبد الرحمن: (ان قيادات الضباط الاحرار كانت تجتمع في احدى
غرف البيت، والى جوار غرفة اخرى كان يلتقي فيها مسؤولون شيوعيون.وقد كان وصفي
يتنقل بين الغرفتين ليكون حلقة الوصل بين الجهتين اللتين لم تتفقا على عقد اجتماع
مشترك بينهما لأسباب صيانية من جهة، وسياسية من جهة اخرى). وبهذا الشأن تربطني
ذكرى عندما كنت في السادسة من عمري وانا ألعبُ قرب غرفة الضيوف، سمعتُ لأول مرة
كلمة تكررت بين ضيوف والدي. وهي "الاستعمار" وحينها سألت والدتي ماذا يعني
استعمار؟
ودعوني أشير الى وقائع اخرى
وشهادات عيان، ومنها ان محاولة سبقت موعد قيام ثورة 14 تموز بشهرين، ولكنها لم
تنفذ. وقد قام والدي ليلتها بتوديع والدتي وتوصيتها بأن تفتح المذياع عند الساعة
السادسة صباحاً، ولكنه رجع بعد ساعات ليبلغها بتأجيل تنفيذ الحركة. وفي ليلة
الرابع عشر من تموز تكررت هذه الحالة، ولكنه تأخر هذه المرة. والذكرى العالقة في
ذهني انني واخواتي استيقظنا في الصباح الباكر على صوت راديو بغداد وبيان الثورة
الأول، كنت ارى شقيقاتي الأكبر مني يتقافزن فوق سطح البيت ويرددن ثورة... ثورة.
والذكرى التي مازالت عالقة في
ذهني عن أول ساعات الثورة مجيء أم الشهيد زكي بسيم، الذي أعدمه النظام الملكي،
الى دارنا، حيث كانت جارتنا مرتدية فستانا ملونا وكانت فارعة الرأس بعد ان ظلت
فترة طويلة موشحة بالسواد، واصطحبت معها صبيحة هذا اليوم فرقة موسيقية شعبية
ووزعت الحلوى على الناس في الشارع.
وبعد ان تأخر والدي ولم تعرف
والدتي اي أخبار عنه وساورها القلق كنت واحدى شقيقاتي نبكي حيث كنا نراها قلقة،
ولكن مساء ذلك اليوم جاء والدي إلى البيت وكان قميصه ملطخاً بالدم ولكنه طمأننا
انه لم يـُـصَب بأذى ولكنه حاول منع الهجوم على السفارة البريطانية و الاعتداء
على بعض اعضاء السلك الدبلوماسي الذي احتمى بوالدي واحد منهم وكان مصاباً. كان
سيؤدي هذا الهجوم الى ازمة دبلوماسية بل وذريعة للتدخل العسكري، وبقى نصف ساعة
فقط وتوجه ثانية الى وزارة الدفاع حيث تجتمع قيادة الثورة وزعيمها عبد الكريم
قاسم.
كان وصفي طاهر مكلفاً باعتقال
نوري السعيد، وعند وصوله مع الضباط المرافقين له الى بيت نوري السعيد لم يجدوه
ووجدوا جواز سفره قرب سماعة الهاتف، فقد استطاع الهرب فجر يوم الثورة، وبعد مقتله
في منطقة البتاويين، ذهب وصفي طاهر الى موقع الحدث ووجده قد فارق الحياة فأوعز
بنقله ودفنه في مقبرة باب المعظم، ومن دون ان يطلق عليه أية رصاصة وليس كما زعمت
مصادر مختلفة، وبعد ذلك قام بعض المواطنين باخراج الجثمان، وسحله، والتمثيل بجثته
في ظل هياج شعبي لم تكن هناك سيطرة عليه، وقد اغضب ذلك الأمر عبد الكريم قاسم
ووصفي طاهر وعدداً آخر من قيادات الثورة، مثلما أغضبهم اطلاق الرصاص على العائلة
المالكة، وتصفيتها في قصر الرحاب، فقد كان الاتفاق بين قيادة الضباط الأحرار ان
يتم تسفيرهم الى خارج العراق.
وهكذا تستمر الاحداث، ويبقى
الشهيد وصفي طاهر ملازماً لصديقه الشخصي، الزعيم عبد الكريم قاسم، مساعداً أول له
ومستشارا سياسيا وليس مرافقا كما يعتقد الكثيرون، ومسؤولاً عن ادارة المقر
الرئيسي لقيادة الثورة، ولنحو عامين، ليبدأ بعدها العد التنازلي لمسيرة البلاد
عموماً، فقد بدأت الدسائس تفعل فعلها من جانب المناوئين، والانتهازيين.
في هذه الكلمات القليلة أجد
ان هناك حاجة للتوثيق الأكثر دقة، وان بكلمات سريعة، خاصة وإن تزييف التاريخ قائم
على قدم وساق، أقول بذلك الاتجاه:
- ان وصفي طاهر كان برغم كل
حزمه تجاه المتشددين، مقتنعاً كل الاقتناع بضرورة ان تسلم امور البلاد، بعد نجاح
الثورة الى قيادات مدنية منتخبة.
- وانه حذر، وحذر زعيم
الثورة، واعترض، وحاول بأشكال وطرق متعددة لدفعه الى عدم التفرد، والى الانتباه
لشتى المؤامرات – والمتآمرين – على حرف الثورة، والاجهاز عليها، ولكن الزعيم كانت
له اجتهادات وتصورات أخرى...
- لقد كان منطلق وصفي طاهر في
تحذيراته ومواقفه أعلاه، معرفته بما سيجري للبلاد، إذا ما نجح الانقلابيون
والمتآمرون في نحر الثورة التموزية، وقد حصل ما حصل بالفعل حين أغرق الوطن بالدم.
* * *
وأخيراً هذه السطور عن بعض
شخصية وصفي طاهر، ولعلها تؤشر لما أهدف إليه:
كان وصفي طاهر ذا شخصية نافذة
ومتميزة بين عائلته، وأصدقائه ومعارفه، وقد غلب الشأن الوطني والعام دائماً عنده
أمام الذاتي والخاص، وقد كان برغم جديته، ومبدئيته، انساناً متواضعاً في حياته
العائلية والشخصية، مثقفاً من طراز استثنائي، يحب الموسيقى العالمية، وشغوفاً
بالمطالعة،وقراءة الشـعر، وكانت لديه مكتبة عامرة. كما تجدر الاشـارة الى ان ثمة
تميزاً فريداً في صداقاته وارتباطـاته الاجتماعية لعل من مؤشـراته، العـلاقات
الوطيـدة التي ربطتـه مع الجواهري، وزكي خيري ورفعت الحاج سري وثابت حبيب العاني
ومحمود صبري وشخصيات بارزة أخرى، من مختلف الاتجاهات.