كنت أحد الضباط الشباب في
الجيش العراقي الذي نال شرف المساهمة في ثورة 14 تموز المجيدة، فقبيل الثورة
انتدبت الى مدرسة المخابرة في معسكر الوشاش للتدريب قادماً من كتيبة مخابرة
الفرقة الأولى في الديوانية، التي كنت منتسباً اليها فتحررت قليلاً من الرقابة
(حيث كنت مراقباً وترفيعي متوقف بقرار من الأستخبارات العسكرية لنشاطي السياسي).
وفي يوم 13 تموز جاءني الملازم أحمد خلف، وهو ضابط مخابرة من أهالي الشامية،
واخبرني بأن اللواء التاسع عشر والعشرين سيتحركان الليلة من جلولاء الى الأردن
مروراً ببغداد ومن المحتمل أن يحتلا العاصمة!
وقد تأكدت من صحة الخبر
مباشرة لأني كنت قد أعلمت كعضو في الحزب الشيوعي العراقي، بقرب حدوث تطورات هامة
في البلاد. فذهبت بعد الدوام الى البيت في منطقة الدوريين والتقيت بأخي الشهيد
ستار خضير وأبلغته. ولأننا لا نملك في مسدسنا العسكري سوى 5 إطلاقات، أخذت مسدس
عمي وعدت الى معسكر الوشاش. في المعسكر كنت ضابط الخفر، فأستدعيت عددا ممن أثق
بهم من ضباط الصف وطلبت منهم إحضار 20 جهاز لا سلكي مع بطارياتها وضبطها على موجة
واحدة للتأكد من كفاءتها بحجة الحاجة لها للتدريب في اليوم التالي! لاحظت نشاطاً
غير معتاد في كتيبة الهاشمي للدروع وفي مدرسة الأسلحة الخفيفة، ففرحت وأشتد قلقي
وترقبي!
وبقيت ساهراً حتى الصباح حتى
أنطلق صوت الراديو بالبيان الأول، فأيقظت الجنود وطلبت من عريف الخفر أن ينفخ بوق
النهوض، فتجمع الجنود وضباط الصف في الساحة، والقيت بهم كلمة شرحت لهم فيها ما
حدث واهدافه في تحرير البلاد من الاستعمار والإقطاع، ودعوتهم لدعم الثورة، وحين
هتفت بحياة الجمهورية، ردد الجميع الهتاف معي، ففتحت المخازن ووزعت البنادق
الأنكليزية على الجميع وطلبت منهم التحرك مع الجماهير لدعم الثورة!
جاءني النقيب نعمة الدليمي من
كتيبة الدروع، وذهبت معه الى الأذاعة والتقينا هناك بالعقيد عبد السلام عارف
وعرضت عليه اجهزة اللاسلكي فشكرني وطلب منا الذهاب الى قصر الرحاب للمساهمة في
أخماد المقاومة هناك. فقطعنا الطريق بصعوبة بين الاف الناس التي خرجت لدعم الثورة
وصيانة الجمهورية، ثم رأيت الدبابات قادمة من معسكر الرشيد وبقيادة الرائد
الشيوعي إبراهيم الموسوي الذي أغتالته عصابات العفالقة في 8 شباط الأسود، فصعدت
الى دبابته وتحركنا الى قصر الرحاب الذي سرعان ما سقط، وأستكملت الثورة أنتصارها!
وكانت قد وصلت امدادات العتاد من أبي غريب ووزعناها على الوحدات المختلفة.
في الساعة التاسعة صباحاً،
عدت الى الأذاعة فسمعت الأمر بالألتحاق بوحدتي، فقررت التنفيذ فوراً والسفر الى
الديوانية. في الطريق ورغم حرارة الجو، كانت الجماهير المستبشرة بغد من الحرية
والعدالة، تقيم مهرجانات للفرح في وئام ومحبة ندرمثيلهما، وكان الحزب الشيوعي
العراقي ومنظماته في طليعة تلك المهرجانات وفي قيادة كفاحها دفاعاً عن الثورة
والجمهورية الفتية. كانت أياماً كشفت جوهر العراقيين واصالتهم، فمجدا للثورة
ولتلك الأيام الخالدة.