** نعود ثانية إلى العلاقة
بين جبهة الاتحاد الوطني والأحزاب المكونة لها، ومن خلال سردك لطبيعة العلاقة مع
حركة الضباط الأحرار.. والسؤال هل كان العسكر على اطلاع على نشاطاتها وأهدافها
وما هي ألية العمل التي تنظم عملهما؟
- في البدء علينا العودة إلى
التمعن في طبيعة دور المؤسسة العسكرية عامةً وفي العراق على وجه الخصوص.. إذ توضح
الوقائع التاريخية لتأسيس الجيش العراقي أن غائيته الأرأسية ، كانت تتمحور في
كونه قوة حماية داخلية.. وحاولت ما أمكن تحجيمه كمياً ونوعياً وهذا ما تم لها
طيلة مرحلة الانتداب، رغم ما شاب هذه الموضوعة من صراع بين هذه القوى وذات
المؤسسة العسكرية ونخبتها القيادية. هذا الصراع كان أحد اسباب دخول الحزبية،
بمفهومها الضيق، والشللية بمفهومها العام، إلى الجيش منذ نهاية العشرينيات وتعمقت
فيها في صراع النخب الحاكمة في الثلاثينيات ومن ثم الانقلاب الأول وما تلاه من
انقلابات متعددة مستترة عددها خمسة لغاية انقلاب (حركة) مايس1941، التي مثلت
الانعطاف السياسي الأول (كما اعتقد) لدى الضباط ودفعتهم إلى الولوج في العمل
السياسي ضد بنية النظام وليس ضد بعض شخوصه كما كان قبيل ذلك. نتيجة ما أصاب
المؤسسة العسكرية من تفكك بسبب التسريح والاحالة على التقاعد والعودة المتجدد
للمستشارين العسكريين البريطانيين إلى مناصبهم وألهم الإعدام قادة الحركة من
العسكريين. وقد تعمق الأمر بصورة حادة في حرب فلسطين الأولى والأداء الضعيف
للقوات العراقية والتواطئ مع الاسرائليين والبريطانيين في هذه الحملة والذي تجلى
في التوقف المستغرب لعمليات الجيش العراقي للفترة من تشرين أول وحتى كانون أول
1948 عندما كان المصريون مشتبكين مع الاسرائليين في معركة حاسمة.. كل هذا جعل
عددا اكبر فأكبر من الضباط يتخلى أكثر فأكثر عن الأوهام بخصوص العائلة الهاشمية
الحاكمة، كما يرصدها بعين الدقة بطاطو.
ومن هنا فليس من المستغرب أن
تتكون أول كتلة ذات بعد غائي للضباط الأحرار في فلسطين كموقع ودلالة. والتي بعد
تفككها، واصل زعماؤها على تشكيل تكتلات للضباط على أسس جديدة من حيث الغاية
والهدف والشكل والتنظيم وكذلك العلاقة مع القوى المدنية وأحزابها العضوية..وكما
قلت سابقا وعت أغلب هذه الأحزاب أهمية المؤسسة العسكرية في عملية الصراع مع
النخبة الحاكمة التي أمعنت في اغلاقها لوسائل التغيير السلمي أمام هذه القوى مما
دفعها إلى الولوج في هذا المسلك.. الذي هو في جوهره يناقض ماهية هذه الأحزاب
وأليات عملها. لقد مدت هذه الاحزاب وخاصةً السرية منها خيوطها إلى الجيش وأخذت
تزرع خلاياها في رحمه وكونت مكاتب خاصة لها ضمن هيكلية تنظيمها. في الوقت نفسه
كان بعض الضباط متعاطفين مع هذا الحزب أو ذاك فكانوا في علاقة غير رسمية أو غير
مباشرة. ومن خلال هذين المسلكين امتدت خيوط العمل المشترك بين جبهة الاتحاد
الوطني وحركة الضباط الأحرار بعد تبلورها بشكل رئيسي في اللجنة العليا التي
ترأسها قاسم.
بمعنى آخر كان الضباط
المسيسين على إطلاع بنشاط الأحزاب العراقية وهذه الأخيرة كانت على دراية بنشاط
الضباط.. وانت كما تعرف أن الفعل السياسي في الجيش العراقي قد سبق أقرانه من
الجيوش العربية ومساهمتهم في الفعل السياسي يمتد إلى بدايات تكون الدولة
العراقية. وهذا مستنبط من عوامل عديدة . أما ألية العمل المشترك فقد كانت في
الحقيقة بسيطة ذات طابع تشاوري وليس كما عكسها رجب عبد المجيد في الذاكرة
التاريخية. ورأي مستنتج من طبيعة منظومة القيم التي تتحكم في ميدان العمل العسكري
والمدني.. ومن سيكولوجية الضابط وعيش الثكنة والإلتزام والطاعة والتنفيذ الإجباري
ومن كونهم أخصائيين للعنف. وبالتالي ستصطدم إدارة كل فريق بالأخر في الحياة
العامة. فلا العسكر يوافقون على قيادة المدنيين لهم ومشاركتهم قراراتهم كما توضح
ذلك تجربة الضباط الأحرار في العراق .. وليس للمدنيين الطاقة على استيعاب النظم
العسكرية في الحياة المدنية ذات الطبيعة اللبرالية.
** ونحن بلغنا المطاف الأخير
من حوارنا في هذا اليوم، الذي نتمنى أن يستمر لاحقاً، بعد خمسين عاما من التوترات
العاصفة التي ألمت بالوطن والمنطقة.. وتداعيات الجمهورية الثانية وما رافقها من
أنتهاكات لحقوق الإنسان وخراب روحي ونفسي بل وحتى في البنى الاقتصادية و النسيج
الاجتماعي.. فكيف ينظر الدكتور الناصري إلى هذه الثورة وما هي أهميتها في التاريخ
العراقي بصورة عامة وكيف تقيم ما قيل بحقها؟
- قبل الإجابة على سؤالك،
هناك قول لاحد الفلاسفة الروس مضمونه أن النفي .. مهما كان ذكياً لا يكفي لوحده
في مواجهة العقائد الجامدة ... فقولك (لا تُصدق) يعاني من نفس الجمود العقائدي،
وفي الحقيقة من نفس الخطأ، الذي يعاني منه قولك (صَدقَ). من ذلك أن القول للاجابة
أو النفي لا يكفي للإيجابة على سؤالك المكثف والذي يحمل في طياته ظواهر متداخلة
ويعبر عن أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية وسيكولوجية مر بها المجتمع العراقي..
دعنا نحلل ذلك ما أمكن. وأشير إلى أنه برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة ذات صيغة
اتهامية مبالغة أكثر من كونها نقدية للثورة.. ومن تيارات ومشارب سياسية متباينة
لا بل حتى متناقضة في رؤيتها، بما فيها من أناس كانوا قريبين للثورة إلى الأمس
القريب، حيث يحملونها عواقب هذا الدمار وذاك الخراب الذي سببه (أغلب) حكام
الجمهورية الثانية وخاصةً الأخير منهم، ومن أولئك الذين ناهضوا الثورة ونظام
حكمها. وينطلقون في نقدهم لثورة 14 تموز من فرضية لم تستكمل ذاتها, كما اعتقد على
الأقل, تتمحور في نقطتين رأسيتين:
- الأولى: أن الثورة أجهضت
حالة احتمالية لمشروع ديمقراطي لبرالي وتوجها إصلاحياً.
- الثانية: تتمركز في كون
الثورة قد ادخلت المجتمع, في اطيافه الاجتماعية المتعددة, في صراعات دموية عنفية..
بالإضافة إلى جملة من الاعتراضات الأخرى الأقل أهمية.
إن هذه الرؤيا اللا منطقية
واللا عقلانية لا يمكن القبول بها على علاتها عند عملية تقييم ثورة 14 تموز. أنها
نظرة جزئية لا تنظر إلى الظاهرة بشموليتها بل بجزئيتها من جهة، ولا تنظر إلى
الحياة في ديناميكيتها وحركتها بل في سكونيتها وجمودها من جهة ثانية. كما أنها
طوباوية لأنها لا تربطها بزمنيتها وتاريخيتها كما أنها أخيراً غير مقترنة
بالمنطقية العلمية. وعند العودة إلى بعض منتقدي الثورة من ذوي التوجه الوطني
والديمقراطي(اللبرالي واليساري) فأنهم ينتقدونها في الحيز الرمادي الواقع بين
اللوم والأسف الذي لا يخلو من إعجاب ضمني أيضاَ.
لقد مثلت الثورة منطلق مستقبل
العراق الحقيقي والصحيح، مما أكسبها طابعها الموضوعي، الذي سيتخذ أشكالاً جديدة
[ربما] لا تمت بصلة لتلك التي كانت عليها قبل الثورة، طالما من الناحية العلمية
إن خطوط العلاقات بين الماضي والمستقبل، لا يحدده خط التواصل الإرتقائي للزمن،
وإنما يكتمل شكله الحقيقي ومضمونه الأساسي بالانقطاعات الزمنية التي تعبر عنها
الارتدادات في صيرورة الظاهرة ذاتها، حيث تتمظهر التناقضات بصورة أكثر تعقيداً
وتأخذ سماتها من طبيعة القوة الاجتماعية المسيطرة وظرفها المادي. وهذا ما تمخض
عنه الارتداد الذي تم منذ التغيب القسري للتجربة التموزية/القاسمية النيرة في
شباط 1963 . كما لابد من القول إن الولادة الجديدة (14 تموز) كانت عملية معقدة
ومتناقضة تمت في ظل تشبث القديم، بكل أبعاده كقوى اجتماعية وانماط فكرية وأساليب
عمل، بمواقعه ووجوده الاجتماعي ويتقاتل من أجل العودة إلى مواقع السلطة.. وعليه
فأن اية مراجعة موضوعية للمرحلة الملكية ستصطدم, بالضرورة, بالمتطلبات الأرأسية
لتطور الصيرورات اللبرالية التي بدأت بالظهور منذ تشكيل الدولة العراقية
المعاصرة, ناهيك عن تلك الأبعاد الفكرية المتحررة والمضامين التقدمية والمساواتية
الاجتماعية, وعن البطئ الشديد في بناء المقومات المادية للمشاريع اللبرالية سواءً
على صعيد: مؤسسات الدولة وتزامنها مع ايقاع العصر والحاجة؛ التنظيم العام للمجتمع
ونسق التأثيرات المتبادلة؛ القوانين المنظمة للمجتمع وأليات تطورها اللاحق؛
مؤسسات السوق وترابطها؛ مؤسسات المجتمع المدني وآلية فعاليتها
وحتى نفهم هذه الاتهامات
علينا العودة إلى البنية الاجتماعية- الثقافية وإلى مكوناتها، كما قال
السيسيولوجي القدير فالح عبد الجبار، أي إلى سداتها ولحمتها والمتمثلة في الأديان
والمذاهب ، القوميات والاثنيات، الطبقات والجماعات، والقيم والايديولوجيات والتي
هي جميعها في حال من النشوء والارتقاء، التنوع والتعدد، الانشطار والتصادم.ستؤول
هذه السمات مآلاً عنفياً في شروط شتى. وممكن تتبعها من خلال ثلاثة علائق مترابطة:
علاقة الفرد بالجماعة، والجماعة بالدولة، والدولة بالدولة. ومن خلالها نستطيع أن
نتتبع منابع الدمار والعنف ضمن تاريخيتهما.
كانت ثورة 14 تموز/يوليو 1958
تدشيناً لثورة عظيمة" كما قال الباحث إليعازر بعيري، ثرية، كما أقول، لما احتوته
من جوانب سياسية واجتماعية متزامنة الثورات الكبرى في التاريخ، إذ غالباً ما تحدث
الثورة السياسية ومن ثم تعقبها الاجتماعية. كما أنها سرعت بوتائر سريعة من
صيرورات الارتقاء وغيرت بعمق من الاتجاهات الفكرية/الاجتماعية والفلسفية/
السياسية لدرجة أصبح معها الكم المختلف، كيفاً جديداً.
سأحاول هنا الوقوف بتكثيف على
عدة مفاصل تصادمية تعكس الأزمة البنيوية للمرحلة الملكية، التي حاولت ثورة تموز
أستكمال ما أمكنها ضمن عمرها القصير(1666) يوماً. وهي في الوقت نفسه مناقشة
لمضمون الفرضية المذكور أعلاه بشقيها. يمكننا التأكيد على أن ثورة 14 تموز, كانت
حبلى بكم كبير من الصيرورات والأفكار والأهداف المنصبة على الإنسان كقيمة مطلقة
لذاته، ولم تظهر عبثا بل على وفق الضرورات التاريخية وسنن التطور وآلياته, التي
باتت من الصعب تلاشيها بحكم عدم خضوعها للصدفة حسب, طالما كانت ضمن التاريخ الذي
في احد جوانبه ليس سوى عملية الخلق الذاتي للإنسان, عبر تطور عمله وإنتاجه: وإن
مجمل ما يدعي بالتاريخ العالمي ليس إلا عملية خلق الإنسان بواسطة العمل وعملية
إنبثاق الطبيعة للإنسان, إن الإنسان يملك, اليوم, برهانا بينّا وغير قابل للدحض
عن عملية خلقه الذاتي, عن أصل ذاته. لذا لا يمكن الكشف عن مضامين 14 تموزالحقيقية
إلا بمعرفة درجة ترابطها وتجانسها مع ضرورات العلاقات الاجتماعية والأوضاع
التاريخية الملموسة التي ظهرت فيها ليس بصورة مجردة, بل لابد من الأخذ بالحسبان,
الوقائع الملموسة والمصادفات المفاجئة ودورها وأدوار القادة وممارساتهم وتغيرات
الزمن وتأثيراته على مسار تحقيق ذات الثورة, كعبرة للامس المنصرم وللحاضر المأزوم
والقادم المأمول وكدلالة لتوحيد القوى الاجتماعية التي تعبر الثورة عن مصالحها من
أجل: الخلاص من كابوس القهر المزمن والتخلف الدائم والاضطهاد العنفي وتعزيز
الهوية الوطنية بإطارها الفيدرالي وبكل تلاوينها والحد من هوة اللا مساواة
الاجتصادية والجغرافية الجاثمة على واقع تكويننا الاجتماسياسي ولإلغاء حكم
الأقلية (بغض النظر عن مسمياتها) و (دكتاتورية) الأكثرية والنظرات الضيقة التي لا
تعبر عن وحدة واقع التكوينات الاجتماعية، ومن الاستقلال السياسي والاقتصادي
وإنهاء الاحتلال الحالي وتبعاته, ومن أجل:
1- الانسان والجماعة وحقوقهما
الطبيعية والمكتسبة, الاجتصادية والسياسية والثقافية بالتوافق مع روح العصر
ومستقبله والعراق وتطوره؛
2- البناء الاقتصادي/المادي
وتطويرهما وفق على سنن التطور وقوانينها وحراكها وبالاستناد إلى ثروات البلد
الطبيعية والبشرية وتحقيق ما أمكن من إنهاء التبعية الاقتصادية للمراكز
الراسمالية بما يخدم مصلحة العراق؛
3- البناء الاجتماعي وتحقيق،
ما أمكن، من فكرة المساواة وعدالة التوزيع للثروة المادية والحد من فعالية قانون
التطور غير المتكافئ على المستويين الاجتماعي والجغرافي؛
4- البناء السياسي المنطلق من
واقعية العراق وتعددية تركيبته الاجتماعية/الاثنية، ومن جدلية أربع عناصر
مترابطة: النظام الجمهوري؛ الاستقلال السياسي؛ الوحدة الوطنية العراقية؛
والإنتماء للأمة العربية، بغية تعميق التداول السلمي للسلطة ضمن الفكرية؛
5- البناء الفوقي المنبثق من
جدلية علاقات الإنتاج السائدة وتلك المتبقية من الزمن المنصرم وهذه الحاملة بأجنة
المستقبل المستهدف، التي تتعلق بالمكونات الفكرية والثقافية واللغوية، وماله من
صلة بالعلاقات الأسرية المتحضرة، واحترام كينونة المرأة وحقوقها الطبيعية
والاجتماعية، منطلقين في ذلك من أرأس ماهيات قانون الأحوال المدنية التي شرعته
الثورة وعجزت كل حكومات العراق من الإتيان بما يماثله أو حتى ما يقاربه؛
6- وغيرها من المهام الأرأسية،
وما يتفرع منها ويستنبط عنها، والتي اضطلعت الثورة في إرساء قواعدها المادية
وقطعت أشواطا في إرسائها، رغم عمرها الزمني القصير، التي كانت مرساة على قاعدة
المعاناة الاجتماعية والسياسية والثقافية لعراق النصف الأول من القرن المنصرم،
مما أبعدتها, بقدر الإمكان, عن العوم في فضاء الاغتراب و الاستلاب الإنساني بكل
أشكال تحققه. وكانت مسألة إجتثاث الفقر وتحقيق اساسيات الحياة المادية والروحية
والمساواة بين الجنسينن تمثل أحد أبرز معالم ثورة تموز.
هذه المهام تنطبق على ما
رسمته الثورة لذاتها من أجل تغيير العلاقات الاقتصادية الأرأسية السائدة آنذاك
ومن ثم بالتعاقب العلاقات الاجتماعية مما أتاح لها ولوج صيرورة الارتقاء للزمن
القادم، وذلك بما هيأته من ظروف ملائمة للتطور من خلال هدمها ما استطاعت، من أسس
المجتمع القديم وعلاقاته الاجنماعية-الاقتصادية وتفكك طبقاته وفئاته كمحاولة
لإخراجها من التأثيرعلى القرارات المركزية للدولة بأقل ما يمكن من العنف، وإن
استخدمته بصورة مؤقتة حسب الظرف الحسي فكان لأجل إيقاف العنف ذاته. كان هذا
الطريق محفوفا بالمخاطر وهو الذي أقرته الثورة من أول يوم ولم تنته منه ووجدت
نفسها مغمورة فيه اضطراراً بفعل محاولات القوى المتضررة منها ومن مسيرتها
اللاحقة، الداخلية والخارجية. وكذلك من ردود الافعال ومما تمخض عنه صراع القوى
الاجتماعية والسياسية الاقرب الى ماهيات الثورة وأعني بهما هنا التيارين القومي
واليساري.
كما أرست الثورة اللبنات
المادية الأساسية لتطوير المجتمع المدني (هو عملية اجتماعية واقتصادية وثقافية
مركبة)، إذ تسارعت خطاه ومدياته بمسافات زمنية كبيرة بعد الثورة، لغاية الارتداد
الكبير في شباط 1963 . لقد وعت قيادة الثورة شروط ذلك الظرف وتاريخيته، وكذلك
إفضاءاته المستقبلية.. وحتى تلك الاهداف غير المنجزة، التي تنتمي إلى ذلك الزمن
المحدد والمرتهن بالقوى الاجتماعية المعنية التي سادت آنذاك وعقليتها السياسية
ورؤياها. ينتمي ما تحقق من أهداف إلى الزمن المستقبلي المفتوح والقوى الجديدة في
تكوينها وإدراكها وفي أساليب عملها والواقع الجديد المتغير الذي تمخض عنها..
كأهداف وليس إرتدادات إسترجاعية للزمن ومتطلباته .في الوقت نفسه تستوجب الضرورة
الإشارة إلى السمات الثقافية والتعليمية التي رافقت التغيير الكبير، سواءً في
جانبه الكمي وانتشاره في مختلف مناطق العراق الجغرافية وبالأخص في مناطق الأرياف
النائية، أو في جانبه النوعي الذي شمل مختلف مستوياته التعليمية ومديات
اختماراتها وانفتاحها على الكثير من الفلسفات والأراء الفكرية المتعددة عبر (دمقرطة
الثقافة) التي حررت ارتقت بما كان قائماً، من مختلف أشكال التعبير الحديثة
ومضامينها وأبعادها الجمالية في الثقافة السياسية والأدبية وفي التصورات الشعبية
وغيرها من المجالات، حتى أنها أنضجت اسلوباً تعبيريا جديدا إقتبس مضامينه من ذات
الهدف المرتجى. كما أنزلت ضربة قوية بالقيم الاجتماعية للعلاقات ما قبل
الرأسمالية. وبالمحصلة العامة، مهدت لسيادة الوعي المديني على الوعي الريفي
وقيمه. بمعنى آخر شرعت الثورة الأبواب للحداثة الثقافية وما يرتبط بها من نهضة
شاملة وما يستنبط منها من مهام انعكست جدليا في الانعطافات الاجتماعية التي شهدها
المجتمع العراقي بصورة جذرية. إن سعي الثورة لاستيعاب الحداثة والانفتاح عليها،
كممارسة عملية مستهدفة وعتلة للاندماج العضوي في ماهية العصر، أدى إلى تفتح
المواهب والكفاءات الفردية بصورة ملحوظة، حتى أصبحت المواهب قوة اجتماعية بفضل ما
وفرته الثورة من شروط مادية ومعنوية لتطورها الذاتي ونضجها الاجتماعي ورسمت
مجالات إعادة إنتاج ذاتها ومساهمتها في الانتاج الاجتماعي. هذا التحول أصاب وبهذا
الكم الكبير، على الأخص، الفئات الوسطى والانتلجنسيا (المدنية والعسكرية) وما
دونها من فئات، لأول مرة في تاريخ العراق الحديث، بحيث أهلها لأداء أدوار لم تكن
ظروف المرحلة الملكية تسمح لها بأدائها وقد مثلت هذه الجوانب أحد المضامين
التاريخية للثورة.
و نشدد هنا أنه لا يكفي حقل
الرؤية إلى الوراء لأجل الحكم على ثورة 14 تموز، بل يجب أن تشمل ما تلا تموز من
تغييرات في بنيوية السلطة والتركيبة الاجتصادية. كما اقترن كل هذا، بتغيير سلم
أولويات الأنماط الاقتصادية التي كانت سائدة وتطويرها نوعياً لاحقا، وكمحصلة لذلك
تغييرت أسس المجتمع الطبقية، وذلك عندما طردت من مسرح الحياة الاقتصادية/
السياسية بقايا الارستقراطية القديمة وطبقة (الإقطاع) ومنظومة قيمها وضوابطها
ونسق عملها وذلك عندما غيرت علاقات الملكية الحقوقية للأراضي الزراعية وما ترتب
عنها من إلغاء لعلاقات الانتاج شبه الاقطاعية وإلغاء النظم القانونية للمناطق
الريفية ودمجها في التشريع الوطني الموحد، بغية إنشاء المقومات المادية للهوية
الوطنية العراقية ووحدته ولترسي مقومات للمجتمع الجديد، وتعول في ذلك على ما
تنتجه الدولة من ثروات، طالما كانت الدولة بصورة عامة، وعلى الأخص في المشرق
العربي، ومنها العراقية منذ نشأتها بمثابة عتلة التغيير التي "تدفع حركة
التطورالمفروضة عالميا".
بمعنى آخر, كانت الثورة شرطا
للتطور وتسارعه مثلما هي نتيجة له ولضروراته. وبقدر تغييرها لواقع المجتمع تغيرت
هي بذاتها, طوعاٌ أو قسراٌ، بوعي قيادتها أو بدونه, بفعل أواليات (ميكانزمات)
التطور ذاته وواقع الصراع والحراك الاجتماعيين. يضاف إلى ذلك ما أرسته الثورة من
قيم ومفاهيم اجتماعية ذات ابعاد إنسانية عبرت عن مدى شفافيتها كوسيلة استشراف
للمستقبل المرجو بلوغه من خلال ترجمة ذاتها من ليل الإمكانية إلى نهار التحقق,
عبر تطوير مجمل القوى والقابليات الاجتماعيتين والطاقات الفردية من خلال مساهمتها
العضوية والفاعلة وليس من خلال التنظير المجرد أو التأمل والتلقي، طالما إن انتاج
هذه الأخيرة, هو في البدء من خلال التلاقح المباشر مع الفعالية الملموسة ومع
علاقات البشر المادية التي هي لغة الحياة الواقعية. فالمفاهيم والتصورات
والعلاقات الذهنية تظهر هنا كنتاج مباشر لسلوكهم المادي.
الثورة ابعاد امواجها، موسعة
من فرص التعليم الذي اصبح مجانياً لكل مراحله، وإمكانيات التمتع بثمار الثقافة
إلى جانب ما أوجدته أو التعددية السياسية ببعدها الفيدرالي, وتمتع كل المكونات
الاجتماعية والاثنية بحقوقها ومساهمتها النسبية في القرار المركزي للسلطة , ومن
أجل إنهاء التبعية وقاعدته في آن واحد. في وقت كان يوجد هنالك فاصلاً زمنياً
كبيراً بين هذين الجانبين في العديد من