نصف قرن يمرعلى ثورة 14 تموز الأبية , لكنها لا زالت طرية في ذاكرة الذين عاشوها
وتعايشوا معها . ولم تكن الثورة المباركة بنت يومها , بل كانت نتيجة حتمية
للأوضاع المتردية على كل الأصعدة , السياسية والاقتصادية والإجتماعية , وكذلك
للأوضاع الدولية المحتدمة , والصراع بين قِوى الخير والشر , فمن جانب كان هناك
الإتحاد السوفيتي ودول المعسكر الإشتراكي , وقِوى حركة التحرر الوطني والأحزاب
الوطنية والحركات السياسية , ومن جانب آخر المعسكر الغربي والدول الإستعمارية
وأحلافها العسكرية , وفي المقدمة منها أمريكا وبريطانيا وفرنسا وحلفاءهم من
الأنظمة الرجعية والعميلة والأنظمة الدكتاتورية , وكذلك لإرتباط العراق بالأحلاف
العسكرية كحلف (بغداد) المقبور وإرتباطه بمنطقة الإسترليني , وجعله بؤرة تآمر على
حركات التحرر في العالم , وتآمره على ثورة 23 يوليو المصرية , كما كان لتأميم
النفط في إيـران زمن ( مُصدق ) , وتأميم قناة السويس , والإعتداء الثلاثي على مصر
, من الاُمور التي جعلت الحماس متقِداً عند العناصر الوطنية في الجيش , أما على
الصعيد الإقتصادي , فكانت الجماهير الكادحة تزداد فقراً , والبطالة متفشية ,
والحريات الديمقراطية مسلوبة , الى جانب وجود آلاف السجناء السياسيين يقبعون في
السجون في عموم العراق , كما كان للدور الفعال الذي لعبته جبهة الإتحاد الوطني (
الحزب الشيوعي العراقي , حزب البعث العربي الإشتراكي , حزب الأستقلال , الحزب
الوطني الديمقراطي ) , كان له أثراً بالغاً , لجماهيريتها الواسعة , وأعطائها
الدعم لأي عملية تغيير , وإنقاذ العراق من الحكم الملكي الرجعي الإقطاعي . كل هذا
وغيره دفعت العناصر الواعية في الجيش العراقي الباسل , والمتأثرة والمتشبعة
بألروح الوطنية من أن تُنظم نفسها في حلقات متناثرة , ولم يكن لها في بداية الأمر
شكلاً تنظيمياً كما هو معروف لدى الأحزاب السياسية , وكانت الأتصالات فردية ,
وتقوم على أساس التزكية ألشخصية ومعرفة أحدهم للآخر معرفة جيدة , مع مراعاة
الحيطة والحذر , وهكذا أخذت أعدادهم تزداد يوماً بعد يوم , وإنظم كِبار الضباط
الى ( تنظيم الضباط الأحرار ) , وغطوا وحدات عسكرية كثيرة ومهمة مما سهل عملية
السيطرة السريعة والحاسمة في يوم إنبثاق الثورة المجيدة .
إن ثورة 14 تموز ( طُبِخت ) على نار هادئة كما يقولون , حيث أن بدايات التحول على
قادتها وإنظمامهم الى جانب الشعب بدأت منذ زمن بعيد , وعلى وجه التحديد منذ الحرب
العربية الإسرائيلية عام 1948 , وتبيانهم زيف الأنظمة العربية , وكيف أنهم كانوا
يتاجرون بالقضية الفلسطينية , وأخذت تنمو عندهم روح التضحية والفداء من أجل الشعب
والوطن .
إن الإطمئنان التام من قِبل الحكم الملكي ونوري السعيد بأن ( دار السيِّد مأمونة
) , وأنه لا خطر عليهم من الجيش , راح الزعيم عبد الكريم قاسم وصحبه الأبرار
يتحينون الفرص , وكانت سانحة جداً عندما صدرت الأوامر من القيادة العامة للجيش
بتحريك اللواء العشرين والمرابط في المنصورية في مدينة المقدادية والسفر الى
المفرق في الأردن لإسناد القوات الاردنية أمام التهديدات الإسرائيلية , مروراً
ببغداد , وكان الزعيم عبد الكريم قاسم يقود اللواء التاسع عشر , فوضع خطة مع
العقيد الركن عبد السلام عارف بإعتباره آمر اللواء العشرين الذي سينفذ مهام
الثورة , ورسما خريطة لسير اللواء والنقاط المهمة التي سيسيطر عليها وهي مقر
قيادة الجيش في وزارة الدفاع والسيطرة على مركز إتصالات الهاتف المركزي والسيطرة
على دار الاذاعة إضافة إلى أهداف حيوية أُخرى كالسيطرة على القصر الملكي وقصر
نوري السعيد ومعسكري الرشيد والوشاش , كما تشكلت غرفة عمليات سريه يديرها عبد
الكريم قاسم من مقره في معسكر المنصورية , وفي الليلة المباركة 13 / 14 / 7 /
1958 , تحركت الجحافل وهي تحمل بين ثناياها وجنباتها مصابيح الثورة , وأعلنت قيام
الجمهورية العراقية .
إن التعاطف الكبير من قِبل الجماهير إزاء الثورة كان ( كألسيل العَرِم ) الذي
يجرف كل شئ في سيره , وكان هذا عاملاً قوياً لشل حركة أعداء الثورة في الأيام
الأُولى من قيامها , كما تهيأت الأحزاب الوطنية هي الأُخرى لهذا الحدث العظيم ,
فقد أصدر الحزب الشيوعي العراقي في يوم 12 / 7 / 1958 , تعليماته الى منظماته
الحزبية , يدعوهم فيها الى اليقظة والحذر والإستعداد للأحداث القريبه اللاحقة ,
وكذلك فعلت الأحزاب الأخرى قدر قربها من رجال الثورة .