اطبع هذه الصفحة


 

 

ثورة 14 تموز نصير ثابت لنضال الشعب الكردي

الدكتور صادق إطيمش *

إذا ما إنطلقنا من تقييم ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 على إعتبارها حدثاً ثورياً شعبياً قاد إلى التغيير الجذري في البنى العراقية على أصعدتها المختلفة ، فإننا والحالة هذه لا يمكن ان نغفل هذا التغيير على الجانب المتعلق بنضال الشعب الكردي في العراق . لقد دفع التوجه الثوري التحرري الذي أعلنته الثورة منذ ساعاتها ألأولى ومارافق هذا التوجه من إسناد جماهيري عبرت عنه القوى الوطنية التقدمية العراقية بنزول جماهيرها إلى شوارع المدن والقرى والأرياف تأييداً لهذه الثورة ، كل ذلك دفع بالنضال التحرري للشعب الكردي خطوات واسعة نحو ألأمام وهو مفعم بالأمل الكبير ببدء المسيرة نحو تحقيق الأهداف القومية التحررية لهذا الشعب الذي إقترن كفاحه بالكفاح الثوري التحرري لمجموع الشعب العراقي ، فتبلور من خلاله شعار ألأخوة العربية الكردية في العراق الديمقراطي المتحرر من السيطرة ألإستعمارية الإستغلالية التي مارستها قوى المونوبول النفطي العالمي في وطننا لما يقارب ألأربعة عقود من الزمن .

لقد تفاعلت إجراءات التغييرالثوري في عموم العراق لتسير بنفس الوتيرة التي وضعتها الثورة لها والتي لم تخل من كثير من لمسات القوى الوطنية التقدمية التي جعلت من تبنيها لمسيرة الثورة وإسنادها لها هدفاً مركزياً في سياستها العامة . وتمخضت معظم الإجراءات التقدمية التي إتخذتها حكومة الثورة عن إبراز مبدأ الشراكة الوطنية بين القوميتين الرئيسيتين في الوطن العراقي، العربية والكردية ، مع التأكيد المستمر على وحدة الوطن العراقي وشعبه بكافة فصائله ومكوناته.

لم تستطع القوى القومية الشوفينية المتخلفة فكريا من إخفاء عدائها السافر للشعب الكردي الذي أجبرته ملابسات المحاصصات الدولية في القرن الماضي على أن يعيش على أرض كردستان الممزقة التي وضعتها السياسة الدولية تحت ألتسلط ألإداري والتوجه السياسي لما سُمي آنذاك بالحكومات الوطنية التي حلت محل التسلط العثماني ألأهوج . فلم تكن هذه الحكومات أقل تخلفآ وأبعد نظرآ وأكثر تفهمآ من حكم سلاطين آل عثمان فيما يتعلق بموقفها من الشعب الكردي وتطلعه العادل لتحقيق طموحاته القومية والعيش على أراضيه ضمن دولة كردستان التي حالت دون وجودها أساليب السياسة الدولية , فجعلت من الشعب الكردي أكبر شعب على وجه الكرة الأرضية لا دولة له, أراضيه مقطعة ألأوصال بين دول إستحوذت على توجيه سياستها , وبمرور الزمن , قوى تدعي الوطنية زورآ ونفاقآ , إذ إنها لم تتوان يومآ ما عن إضطهاد وقتل وتشريد بنات وأبناء كافة فئات الوطن الذي تنتسب إليه .

لقد كان من أول ألإجراءات التي إتخذتها هذه الحكومات ضد الشعب الكردي القاطن على أراضيها هو ألإنكار القومي والإلغاء الثقافي والتنكر التاريخي لكل ما يتصل بالوجود القومي الكوردي . فاعتبر القوميون الشوفينيون من العرب , ألكرد عربآ لأنهم يسكنون على أراض عربية أو أنهم من أصول عربية , كما أشار إلى ذلك المؤرخ العربي المسعودي وحتى بعض ألكرد أيضآ الذين أرجعوا أصول الشعب ألكردي إلى ربيعة بن نزار بن معاد . وعلى هذا النهج المتنكر للقومية الكردية سار ألأتراك والفرس أيضآ . إذ مسح هؤلاء الشوفينيون جميعآ وبجرة قلم تاريخ وثقافة وتقاليد شعب تمتد جذوره لأعماق ألاف السنين من التاريخ البشري ، وهذا ما تؤكده كافة ألأبحاث العلمية الرصينة على ألأصعدة ألإجتماعية واللغوية والتاريخية

وفي العراق الملكي تعرض الشعب الكردي وحركته القومية إلى القتل والإبادة الجماعية التي لم يكن يبررها أي منطق أو تؤيدها أية حجة من الحجج التي كان يتمشدق به أعداء هذا الشعب الذين برهنوا على أنهم أعداء الشعب العراقي برمته أيضآ . لقد إستبشر الشعب العراقي وقواه السياسية التقدمية خيراً بثورة الرابع عشر من تموز، وقد إنعكست ملامح هذه البشائر على الشعب الكردي برجوع المناضلين ألكرد من المنافي خارج الوطن وتعميم إصلاحات البنى العامة على سائر مناطق كردستان إسوة بمناطق العراق ألأخرى . إلا ان القوى العربية والكردية الرجعية الحاقدة على ثورة تموز وعلى إنجازاتها الثورية ، عملت بكل ما تستطيعه من جهد على التصدي لمثل هذه المنجزات ومحاولة عرقلتها ، متشبثة بتلك الأساليب والحجج التي تتعاطاها القوى المعادية لحركات التحرر الوطني والقومي في كل مكان ، حتى إستطاعات من جر حكومة ثورة تموز إلى حرب خاضها الجيش العراقي ضد المواطنين العراقيين من الشعب الكردي

لقد بدأت هذه الحرب في عهد الزعيم الوطني الطيب الذكر عبد الكريم قاسم عندما بدأت قيادة ثورة الرابع عشر من تموز بتقديم التنازل تلو التنازل لقوى الردة التي وقفت بوجه ثورة تموز منذ أيامها ألأولى . وبعد مرور ثلاث سنوات على ثورة الجيش والشعب التي قلبت الموازين المحلية والإقليمية والعالمية لصالح حركة التحرر الوطني والقومي لشعوب المنطقة , أثمرت تنازلات قائد الثورة الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم لصالح قوى الردة والظلام عن نفاذ هذه القوى إلى أجهزة الدولة الحساسة بعد أن أُبعدت عنها القوى الموالية للثورة والعاملة على تحقيق أهدافها الوطنية التحررية . لقد خلق هذا الإصطفاف الجديد داخل الحكم الوطني ، التكتلات السياسية والعسكرية التي دأبت منذ البداية على العمل على كسر شوكة الثورة الوطنية والوقوف بوجه إنتشال الوطن من مآسي التخلف والقهر والإضطهاد . فكان نجاح قوى أعداء الثورة الذي بدأت به بخلق الجفوة بين الثورة وحلفائها على الساحة العراقية عموماً وبينها وبين الشعب الكردي بشكل خاص. لقد أدى ذلك كله إلى الهجوم العسكري على كردستان حيث تكبد الشعب العراقي آلآف الضحايا من بناته وأبنائه . ولم تكن القوى الرجعية العربية التي إخترقت ثورة تموز السبب الوحيد لهذه الحرب في فترة الحكم الوطني آنذاك , بل هناك القوى الرجعية داخل الحركة القومية الكردية نفسها التي لم ترق لها الإنجازات الوطنية التي حققتها الثورة أو أنها لم تصب في مجرى تصوراتها فعملت على التأليب عليها بكل الوسائل المتاحة لها آنذاك بما فيها الوسائل العسكرية.

لقد وقف الشعب العراقي برمته ضد هذه الحرب وعبر من خلال المظاهرات التي خرجت من زاخو إلى الفاو تصدح بالشعار الذي تَردَدَ صداه في كل أرجاء الوطن مطالبآ بالسلم في كردستان ومن خلال المذكرات والإحتجاجات التي إمتلأت بها الصحف الوطنية الديمقراطية والتي حملت عشرات ألآلاف من تواقيع العمال والفلاحين والكسبة والمثقفين والطلبة التي تندد بالأعمال العسكرية ضد الشعب الكردي وتطالب بإيقافها فورآ . وبما ان الحزب الشيوعي العراقي كان يشكل رأس الرمح في هذه الحملة آنذاك ، فقد تلقى هذا الحزب بكل أعضائه وأصدقائه ومناصريه حملات شتى من الملاحقات والإعتقالت والإقصاء ، هذه الحملات التي مهدت الطريق بعدئذ لقوى الردة على ثورة تموز بأن تطيح بهذه الثورة .

ــــــــــــــــــــــ

* كاتب واستاذ جامعي