اطبع هذه الصفحة


 

 

الباحث د. عقيل الناصري: ثورة 14 تموز: مثلت التاريخ الحقيقي للعراق المعاصر(1-2)

 حوار: سعـدون هليــل

 أن في تاريخ العراق المعاصر معلمين بارزين وسما صيرورت تكونه الحديث، وكانا محطتين انتقاليتين مقارنة بما قبلها كل على انفراد. تمثل الأول في تأسيس الدولة العراقية الحديثة في مطلع العشرينيات.. وكان نقلة نوعية في تاريخيتة الاجتصادية/ السياسية مقارنةً بما كان عليه في المرحلة العثمانية. أما المَعْلم الثاني فهو الأكثر أهمية والأجذر نوعية في سياق ليس الحاضر حسب وإنما في المستقبل ايضاً، والمتجسد في التغيير الجذري الذي حدث في 14 تموز 1958، والذي كان بمثابة الثورة الوحيدة في العالم العربي في التاريخ المعاصر حسب قول المؤرخ مكسيم رودنسن. وحول هذا الحدث وتشعباته وبمناسبة ذكراه الخمسين..  حول هذا الموضوع ما يدور حوله كان لنا هذا اللقاء الثري مع الباحث د. عقيل الناصري، المتخصص (حاليا) في هذا الشأن وفي شخصيته المحورية، القائد الوطني الزعيم عبد الكريم قاسم، الذي خطط للتغير وقاده نحو تحقيقه المادي.. الذي لم يستكمل أبعاده وأُجبر على مغادرة مسرح الحياة بفعل صراع التناقضات التي نشأت من جرائه ومما أحدثه من عواقب، داخلية  وخارجية، في البنية الاجتماعية والانماط الاقتصادية وفي تناسب قواها. وبعد الترحيب كان سؤالنا الأول هو:

**  قال السفير الأمريكي السابق في العراق- ويلدمار غالمان، وردد من بعده بعض الكتاب من مشارب سياسية مختلفه: ان ما حدث في العراق في الرابع عشر من تموز كان انقلابا عسكريا نفذته حفنة صغيرة من الضباط وأيده بالتظاهر (بعض من الرعاع جمعهم المحرضون )؟ في الوقت نفسه هناك من يناقض هذا الراي ويعتقد أن ما حدث، الذي اطلقت أنت عليه مفهوم (التغيير الجذري) في حوار سابق معك، كان ثمرة جيل كامل من نضال الطبقات الوسطى والعاملة، وهو نتيجة تراكم الحراك الاجتماعي الشعبي التدريجي والبطيء منذ أواسط الثلاثينيات وما قبلها مرورا بالانقلاب الأول 1936، و بحركة مايس التحررية 1941، ووثبة كانون 1948وانتفاضات الخمسينيات وخاصةً عامي 1952و1956 . كيف يقرأ الباحث د. عقيل الناصري هذا الحدث وكيف يحل التناقض بين هذين الرأيين؟؟؟؟

 - في البدء.. شكراً ل " طريق الشعب"، كمنهج وأداة، كفكرة ورسالة، والتي نظرت دوماً للحدث بموضوعية، كما عودتنا على الاحتفاء به ودراسته وتحليل أهميته من حيث المضمون والماهية، المغزى الاجتصادي والسياسي ومدى الانعطافة التي احدثها في تاريخ العراق المعاصر.. أنه القراءة الواعية لواقع وأهمية هذا التغيير الكبير للنظام السياسي ولتطور بنيته الاجتماعية مما أهله ليكون مدخل العراق للزمن الحديث.. لكون أن الحدث مثل بالفعل صيرورة نقطة التحول الجدية في الحياة الاجتماعية والتي تدل على الإطاحة  بما عفى عليه الزمن وإقامة نظام اجتماعي جديد.. في الكثير من نواحيه، أي أنه ثورة حقيقية بالمفهوم العلمي. هذا من جهة. من جهة ثانية مثل هذا التغيير الجذري، كما أزعم، بداية التاريخ الحقيقي للعراق المعاصر،عندما ننطلق في رؤيتنا الفلسفية من جوهر الفكرة الهيغلية التي ترى أن التاريخ هو عملية تغيير الإنسان لبيئته وإنه حيثما لا يوجد تغيير فليس ثمة تاريخ. وهذا ما ينطبق على ما حدث يوم 14 تموز الذي غَيََّر الواقع الاجتصادي/السياسي الثقافي للمجتمع العراقي ووضعته على دروب الإرتقاء والتطور، وقد مثل البداية الحقيقة لفعل نهضوي في مغزاه؛ حداثوي في فحواه؛ تقدمي في ولوجه للمستقبل.

 ولو عدنا إلى هذا التغيير الجذري وحللناه  ببعديه الشكلي والجوهري من خلال معايير متداخلة جدليا هي: مضامينه الاجتماعية المتحققة والمخطط لها؛ وقواه الطبقية المنفذة وتطلعاتها؛ وآفق برنامجيته اللاحق وما يتوخاه، لتوصلنا إلى أنه ليس مجرد انقلاب عسكريً فوقيً كما يحلو للبعض أن يطلق عليه.. بل هو ثورة اجتماعية رسمت حدودها الذاتية من معايرها الطبقية ومن التطور العام للعراق بأبعاده النسبية والممكنة. إذ إن عمق التغيير الذي ترتب عليه أدى إلى تحديد بل طرد طبقات اجتماعية من مسرح الحياة ودفع أخرى إلى مركز القرار ولعب الدور الأهم، كما ارتقت المضامين الاجتماعية للسياسة الاجتصادية، الثقافية، الروحية للمجتمع وفتحت آفاق التطور الحقيقي، في أغلب أبعادها، المتلائمة وواقع العراق وتناسباته الطبقية آنذاك وروح العصر وصراعاته.

 منهجياً لابد عند تقيمنا للحدث(التغيير الجذري) أن نضعه في اطاره الزمكاني (الزماني-المكاني). وكلام السفير الامريكي (ذو اللون الرمادي الواحد) هو الأخر علينا وضعه في محله .. إذ كانت مضامين هذا التغيير الجذري في تناقض تناحري مع شكل وجوهر مصالح دولة السيد السفير وتوجهاتها العامة السياسية والاقتصادية والعسكرية. وبالتالي فهو يصفها بهذا الوصف وهو يعرف حق المعرفة أن التأييد الشعبي الذي لاقته الثورة لم يكونوا من الرعاع!!.. بل كانوا يمثلون الكثرة الغالبة من الجماهير الشعبية، ومن مختلف الطبقات الاجتماعية ولعموم مساحة البلد الجغرافية.. هم مثقفوا البلد وقواه العاملة  وشرائحه المتعلمة الذين تمرسوا في النضال المطلبي لهم كقوى اجتماعية مهمشة وللبلد وآفاق تطوره.. ويعلم السفير إن هذا التأييد الشعبي كان بمثابة استفتاء سياسي لمدى قبول الناس به وقد أعطى الشرعية والمشروعية للنظام الجديد. كما كان عاملا حاسما في كبح الافكار الجهنمية التي ارادت ان تطبقها دول حلف بغداد من خلال غزوها للعراق. وأشارت الاخبار آنذاك إلى خروج أكثر من مئة ألف شخص في التظاهرات. وهذا الرقم ذو دلالة أكبر مما يحاول السفير وصفه. ونحن لا ننكر الحقيقة من أن أحدى سنن  كل ثورة هو ظهور أو بالآحرى اندساس رعاع بين الحشود المؤيدة.. كما أن التحريض والتنظيم الواعي هو الآخر أحد سنن الثورة وليس طارئاً عليها.. كما يتسم قول السفير بالنظرة الضيقة لثورة تموز التي يجب أن نضعها في إطارها التاريخي الطبيعي التي هي ثمرة نضال اجيال كاملة متشرب في الأعماق.  

في الوقت نفسه..كان قول السفير صحيحاً عندما افصح من أن الثورة (نفذتها حفنة صغيرة من الضباط). بالفعل وهذا ديدن كل التغييرات الاجتماعية التي ينفذها الجناح العسكري للطبقات الوسطى، وهو ايضا ما يميز الانقلابات العسكرية التي كانت وما تزال ترعاها الولايات المتحدة وغيرها من المراكز الدولية، سواءً فيما سبق، مرحلة عالم القطبيين والحرب الباردة، أو/و في الوقت الحاضر زمن العولمة والقطب الواحد. كما لا يعبر هذا الوصف للسيد السفير عن مضمون وماهية الثورة (أو الانقلاب كما يراه هو).. بل أن الطبيعة الاجتماعية للمهمات التي تأخذ على تبنيها وتحقيقها في آفقها التاريخي هي التي تحدد إن كانت ثورة أم انقلابا. طالما تعني الثورة عملية تحول تاريخية تنتقل السلطة فيها من قوة اجتماعية أو مجموعة قوى قديمة أنتهى دورها التاريخي، لأن تمسكها بالسلطة كأقلية اجتماعية/سياسية، بات يتعارض مع مصالح الأغلبية التي بقيت خارج السلطة بقوة القمع، إلى قوى جديدة تمثل الأغلبية التي تحرم من المشاركة في السلطة ولا تستطيع تحقيق أهدافها أو مصالحها. في حين أن الانقلاب العسكري هو تغيير شكلي فوقي من داخل التركيبة الاجتماعية والطبقية...وعادة تتسم مثل هذه التغييرات (الانقلابات) بالظاهرة البونابرتية    .

 نعم هنالك ترابط جدلي وعلاقة عضوية بين الحراك الاجتماعي (أو إن شئت الانتفاضة الشعبية)، وبين التغيير الجذري الذي حدث في 14 تموز.. كان دور هذا الحراك المعبر عن تطلعات طبقات وفئات اجتماعية واسعة جدا من حيث الكم، ولها موقعها المتميز من حيث الاهمية والدور في عملية الانتاج الاجتماعي. ولقد دخلت الفئة الحاكمة وقاعدتها الاجتماية الضيقة في تناقض تناحري واضح مع هذه الجمهرة العريضة التي أُغلق في وجهها سبل تداول السلطة سلمياً وحُرمت من المساهمة في إدارة السلطة  مما أوقع الأولى في أزمة بنيوية انعكست بعض أوجهها في التغيير المستمر والسريع لقواها التنفيذية (الوزارة)، وفي قمعها (العنفي واللاعنفي) للحركات الاجتماعية الاصلاحية والرديكالية، وفي سوء تقديرها للتغيرات البنيوية في التركيبة الاجتماعية وخاصةً تنامي أهمية الطبقة الوسطى المهمشة والطبقة العمال والاجراء في المدينة والريف....!

 وتأسيسا على ذلك فاني أقرأ أن هذه الانتفاضات ضمن سياق التحولات الاجتماعية في حركتها وليس سكونيتها، في مدى تعبيرها عن ذاتها وفي قدرتها التعبيرعن الضرورة الاجتماعية التي كمنت في الواقع المادي بإرتباطه مع البنى الفوقية التي لم يعد الجزء الأكبر منها متلائما مع هذا الواقع الصلد. أما قيام الجناح العسكري للطبقات الوسطى بعملية التنفيذ فكان تعبيرا عن عدم قدرة الجماهير الشعبية وقواها السياسية في فرض إرادتها على السلطة الحاكمة، نتيجة ضعف بنيويتها  ودرجة العنف الذي لجأت إليه النخبة الحاكمة، مما عطل عملية التفاعل بين القوى الاجتماعية العضوية والحية.. وهذا ما عبر عنه عبد الكريم قاسم، كقائد أرأس للثورة عندما قال: إننا رجال الجيش جميعاً كنا نشعر أن الظلم والاستعباد والاستغلال وكبت الحريات وصل إلى منتهاه. ولم تكن عند الشعب القوة الكافية التي تذود عنه هذا الظلم ولو كنا نعتقد أن بإستطاعة الشعب أن يزيل هذا الكابوس من الظلم  لما تدخلنا تدخلاً مسلحاً لكننا عرفنا أن الشعب أعزل مغلوب على أمره ولذلك ركبنا  هذا المركب وإضطررنا إلى التدخل حتى نصون حقوق الشعب.

  ** إذا انطلقنا من نهاية جوابك الذي فهمت منه أن الانتفاضات الشعبية مكملة لما قام به الجناح العسكري للطبقة الوسطى ،حسب تعبيرك، فالسؤال ماهو دور الاحزاب الوطنية المتمثلة بجبهة الاتحاد الوطني وتعاونها مع حركة الضباط الأحرار، من جهة. ومن جهة ثانية ما دور الحزب الشيوعي في الثورة .. خاصةً وأنت تقول بصيغة تأكيدية، كما جاء في كتابك، من ماهيات السيرة لعبد الكريم قاسم-الكتاب الأول ، أن الحزب الشيوعي قد أنفرد في إصدار بيان مؤرخ في 12 تموز 1958 لكوادره حول الثورة؟ مقارنة بأحزاب جبهة الاتحاد الوطني؟ من أين هذه المعرفة بموعد الثورة إذا كان الكثير من اعضاء اللجنة العليا للضباط الأحرار لا يعرفون بموعد الثورة؟ كما تقول مذكراتهم .  

 - دعنا نفكك سؤالك المركب إلى أجزائه ونبسط أبعاده ليسهل فهم هذه العملية المعقدة والمركبة، وأقول أنه يتركب من ثلاثة أسئلة عضوية مترابطة.. ولنبتدئ بالفقرة الأولى منه والمتمثلة بالعلاقة بين جبهة الاتحاد الوطني والهيئة العليا للضباط الأحرار؟

في البدء علينا الإقرار بأن جبهة الاتحاد الوطني قد شكلت تغييرا نوعيا آنذاك في الوضع السياسي وأنها استقطبت القوى الحية من المجتمع العراقي أكثر من أي فترة مضت حتى باتت تشكل تهديدا حقيقيا لبنية النظام ونخبته السياسية.. وكان من ضمنها تلك العلاقة التي نسجتها مع حركة الضباط الأحرار.

 ومن خلال دراستي لحركة الضباط الأحرار، ضمن التاريخ السياسي للعراق المعاصر، والتي أخذت تتشكل بصيغ جمعية، في الشكل والمضمون، منذ الحرب الفلسطينية الأولى عام 1948، وليس فرادية مبعثرة كما كانت قبيل هذا التاريخ.. فقد نسجت منذ بدء إنطلاقها علاقة شبه مباشرة مع الأحزاب السياسية المعارضة، السرية منها والعلنية، أو غير مباشرة من خلال بعض الضباط المنتمين إليها.. وتمتنت العلاقة وتعاضدت بعد الخمسينيات عندما أخذت الحركة بالتبلور في شكل تنظيمي في البدء، متعدد التكوينات. فمنذ مطلع الخمسينيات أخذت كتلة المنصورية(كتلة قاسم) تبحث عن الانصار وتلمل ذاتها التنظيمية ومن ثم تتبلور في هيكلية محددة بالغة السرية من جهة وتعتمد على كارازمية قائدها بدرجة أساسية، والمستنبط من منظومة القيم العسكرية ذاتها.  

في الوقت نفسه ومنذ عام 1952 بدأت كتلتان تتبلوران تنظيميا رغم إن شكلهما واحد وهي كتلة رفعت الحاج سري- رجب عبد المجيد. وكان عدم الارتياح الذاتي عاملاً مهما في عدم تبلورها في هيكلية واحدة .. لكن الاهداف العامة المنطلقة من الرؤية القومية/ الاسلامية كان يقرب بين هذين الشكليين.. ومع هذا بقى سري يعمل في كثير من الاحيان بعيداً عن كتلة رجب رغم تداخلهما، بل أن رفعت تعاون حتى مع الكتلة ذات المنحى اليساري (اتحاد الجنود وضباط الصف والضباط) ذات النزعة الرديكالية في محاولة 11 مايس 1958 مع الضابطين اليساريين عبد الوهاب الشواف ووصفي طاهر.

 كما بدأت الكتلة الوسطية (الضباط ذوي الرتب المتوسطة والصغيرة) تقيم هيكلها التنظيمي وترتبط بعلاقة فكرية مع طرفي كتلة سري-رجب ومن ثم باللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار(ذوي الرتب العليا) التي إلتأمت في  آواخر عام 1956 وبلورت هيكلها التنظيمي في مطلع العام التالي. منذ لك الوقت تكونت العلاقات التنظيمية وكانت بعض هذه الكتل تحت إشراف احزاب سياسية بصورة مباشرة كما هو الحال مع كتلة اتحاد الجنود سواءً جناح المراتب أو جناح الضباط. وبعضها الآخر كان ذات علاقة فردية (إن جاز التعبير) كما هو الحال مع بعض الضباط المحوريين مع حزب الاستقلال، أو بعض الضباط الاحرار المرتبطين فكريابالوطني الديمقراطي بشكل فردي أو ليس بعلاقة تنظيمية بل بعلاقة فكرية أو روحية أو علاقة صداقية مع اقطاب المعارضة. والحالة ذاتها تنطبق على حزب البعث ذو التنظيم العسكري البسيط مع بعض الضباط الصغار وطلبة كليتي العسكرية والطيران  

ندرك من هذا العرض المكثف أن حركة الضباط الأحرار قد تأثرت ليس ببرامج القوى السياسية المعارضة حسب، بل كانت لديها علاقة حزبية مباشرة أو غير مباشرة مع هذا الطرف أو ذاك. علماً أن أهداف حركة الضباط الأحرار وكتله المختلفة قد صيغت بعضها من قبل الحزب الشيوعي، والبعض الأخر من قبل حزب الاستقلال أو من خلال العلاقة بين ممثل اللجنة العليا (رجب عبد المجيد) مع ممثلي جبهة الاتحاد الوطني. حيث كان هنالك تشاور في الأمور غير العسكرية بصورة عامة.

 أما بصدد الفقرة الثانية الخاص بدور الحزب الشيوعي العراقي في ثورة 14 تموز.. فعند قراءة وتحليل نشاط الحزب في هذا المجال يمكننا ان نقرأ المسألة من خلال مجالين هما: المجال التنظيمي؛ ومجال التعاون المشترك. فبالنسبة للأول فأقول بصورة مكثفة بأن الحزب الشيوعي بدأ منذ اواسط الثلاثينيات في بث خطوطه التنظيمية في رحم المؤسسة العسكرية.. وقد تركزت بصورة عامة آنذاك في أسفل هرم المؤسسة العسكرية، المراتب (ضباط الصف والجنود) أكثر مما بين الضباط.. وهو ما كشفت عنه الموسوعة التي أصدرتها التحقيقات الجنائية( مديرية الأمن العامة) حيث توضح مدى انتشار تنظيمات الحزب في قاعدة المؤسسة العسكرية وفي تمهيدهم لتربة التغيير المنتظر من خلال التكتل الغائي لاحقا.

 ولدت هذه العملية، لاحقاً، ظاهرة نادرة في الحراك السياسي في المؤسسة العسكرية تمثل في أن تلعب هذه المراتب دورا مهما خاصة في الجمهورية الأولى(تموز 58 -شباط1963) إذ أحبطت الكثير من المحاولات الانقلابية بل قادت انتفاضة جديرة بالاهتمام والدراسة في الجمهورية الثانية(شباط63- نيسان2003) وهي انتفاضة حسن سريع في تموز 1963، والتي قادتها مراتب تنتمي لبعض اجنحة الحزب.  

في الوقت نفسه لم يمنع هذا الظرف الحزب الشيوعي من بلورت تنظيمه الخاص بين الضباط حيث كان في الاربعينيات تنظيما صغيراً، وأخذً منذ مطلع الخمسينيات يتطور مما حدى به إلى تكوين كتلته العسكرية الخاصة والتي دخلت في علاقات تعاون مع الكتل الأخرى. وقد اتضح أهمية العمل في حركة الضباط الأحرار، في العقل المركزي للحزب في تلك الفترة بالذات وهذا ما رايناه في أول دراسة للحزب عن الجيش، كما يشير إليها حنا بطاطو في سفره الجميل، ولكن لم نستطع العثور عليها. كان هذا الشكل التنظيمي للحزب في المؤسسة العسكرية قد تبلور في نسقين من الهيكلية، الأول مع المراتب والثاني مع الضباط. كانت هذه الكتلة تحت أشراف قيادة الحزب وبالأخص سكرتيره العام. ولقد نشطت بصورة ملحوظة منذ أن بدأ الحزب يلملم ذاته ويوحد نفسه منذ عام 1955 . كما دخلت هذه الكتلة باتفاق جنتلمان مع بقية الكتل، تمحور حول مساندة بعضها البعض عندما تحاول أحدهما اسقاط النظام.. كما فاتحت هذه الكتلة كتلة المنصورية (كتلة قاسم) في عقد اتفاق تنظيمي أو بالأحرى تنسيقي، لكن رديكالية برنامجها وصبغتها اليسارية الحادة ( وأسمها يعبر عن ذلك)، حال دون توحيد التنظيمين وتم اكتفاء بالتنسيق. لكن هذا التنسيق سار بأبعاد شبه توحيدية في بعض المواقع العسكرية وهذا ما اشار إليه حسين سلطان عندما كان أحد قيادي منظمة الفرات الأوسط والذي اشار إلى أن جميع الخطوط العسكرية لنا في الجيش قد أتحدت في بداية عام 1958مع تنظيم عبد الكريم قاسم، كما ورد نص ذلك في كتاب سيرة مناضل.. وكذلك ما أشار إليه في عبارة مستعجلة الضابط الشيوعي حامد مصطفى مقصود في كتابه، بإشارة عابرة عندما طلب منه قاسم أن يرتبط به مباشرة بعد فشل محاولة 11 مايس 1958 . وهذا الموقف مستنبط من موقف الزعيم قاسم من الحزب والتحاور معه ومن ثم تكليفه بمفاتحة كل من الاتحاد السوفيتي السابق والصين الشعبية لمناصرة الثورة وحمايتها من التدخل الخارجي عند حدوثها.. وقد قام الحزب بهذه المهمة بشخص كل من عضو مكتبه السياسي آذاك عامر عبد الله في البدء ومن ثم بمعية سكرتيره العام سلام عادل. وقد تكللت المهمة بالنجاح وتمخض عنها وعداً بالمساعدة الضرورية الذي تحقق ماديا منذ الساعات الأولى ليوم 14 تموز وما قام به الاتحاد السوفيتي السابق ومنظومة الكتلة الاشتراكية السابقة من جهد عسكري (مناورات بالذخيرة الحية) ذو صيغة تحذيرية لتركيا وبقية دول حلف بغداد بل وحتى للولايات المتحدة لمنعها من التدخل في الشأن العراقي. هذا الموقف مثل العامل الأراس الثاني في نجاح الثورة. ثم كانت هناك مساهمة من قبل بعض الضباط المحسوبين على ملاك الحزب أو القريبين منه فكريا، في إداء ما دعت إليه الضرورة يوم 14 تموز كالسيطرة على بعض المعسكرات والمساهمة في دعم الثورة كما في معسكر الوشاش، وكبح بعض المحاولات المناهضة للثورة كما في الناصرية والمسيب.

 لقد تجلت مساهمة الحزب أيضا باللقاءات التشاورية غير المباشرة بين كتلة المنصورية برئاسة قاسم والحزب الشيوعي، من خلال ترجمة الاهداف العامة والخطوات الأرأسية للسلطة القادمة ومكوناتها ومساهمتهم من عدمها، وكذلك في الاجراء السياسي وحل المعضلات التي ممكن أن تظهر. لقد كان الوسيط في هذه العملية وغيرها الراحل رشيد مطلك، والذي اطلق عليه عامر عبد الله أسم رسول الثورة وكان كذلك بحق. كما اشترك وصفي طاهر في بعض الأحيان. لقد تركزت العلاقة بين الحزب وعبد الكريم قاسم على وجه التحديد بكل من: سلام عادل وعامر عبدالله عضوي المكتب السياسي وكذلك القيادي السابق كمال عمر نظمي. هذا الثلاثي الحزبي هو المسؤول عن علاقة الحزب بحركة الضباط الأحرار أو على وجه الدقة بكتلة المنصورية وبالذات قاسم دون غيره. أما المشرف المباشر على كتلة اتحاد الجنود فقد كان الملازم السابق عطشان الايزيرجاوي لغاية الثورة. كما أن قاسم سبق وأن أقام علاقة غير مباشرة أو بالأحرى غير رسمية وغير منتظمة مع بعض الضباط المحسوبين على هذا التوجه من أمثال اسماعيل علي ووصفي طاهر وسليم الفخري وطه الشيخ أحمد وسعيد مطر وغيرهم.

 لم تقتصر علاقة قاسم هذه على الحزب الشيوعي فقط بل كانت مع الوطني الديمقراطي أيضا. حيث كلف كل من محمد حديد وحسين جميل بعد موافقة الجادرجي رئيس الحزب في  إيفادهما كل على انفراد، إلى جمال عبد الناصر عندما كان في قممه النضالية ويطلب منه المساندة عند نشوب الثورة.. وهذا ما تم وكان السبب الثالث الأراس في استقرار نجاح الثورة.. وسببها الأرأس الرابع هو القضاء على ثلاثي الحكم آنذاك والمتمثل بكل من الملك وولي العهد ونوري السعيد.

 ومن الجدير بالذكر أن عدم تبليغ بعض الضباط الشيوعيين من خلال الهرم الحزبي بموعد الثورة يعود إلى أنه تم يوم 12 تموز إلقاء القبض على أحد مسؤولي التنظيم العسكري للضابط  وهو الضابط السابق فاضل البياتي والذي كان من المفروض تبيلغهم بالموعد ومساهمتهم في العملية. إن صمود هذا الضابط في التعذيب حال دون كشف سر موعد الثورة. وهذه مصادفة لم يلق الضوء عليها بما فيه الكفاية.

 أما بصدد الشق الثالث من السؤال والمتمحور حول معرفة الحزب بموعد الثورة وإصدار بيانه المؤرخ في 12 تموز أقول:  تعود الصلة بين قاسم وبعض الضباط الشيوعيين إلى منتصف الاربعينيات وخاصةً أولئك الذين كانوا مع داود الصائغ بعد انشقاقه عن الحزب.. وقد فسر بعض الكتاب( ومنهم بطاطو) هذه العلاقة كما لو أنها علاقة تنظيمية، واعتقد أن هذا الرأي غير دقيق. وأستمرت هذه العلاقة ليس بصيغتها المهنية فحسب بل ضمن العمل المشترك من أجل أنضاج فكرة التكتل الغائي للضباط الأحرار التي بدأت بالتبلور منذ مطلع الخمسينيات كما قلت سابقاً. وتعمق هذا الاتجاه بين قاسم وبعض قيادي وشخوص حركة اليسار الديمقراطي في الجيش طيلة السنوات العشر السابقة للثورة.. سواء أكانت بصفاتهم الحزبية أو توجهاتهم العامة. وبعد نجاح الوساطة التي كلف قاسم بها الحزب الشيوعي مع الاتحاد السوفيتي السابق، توطدت العلاقة أكثر فأكثر.. وبعد أن حزم قاسم أمره وقرر تنفيذ الثورة بواسطة اللواءين العشرين (كمنفذ رئيسي) والتاسع عشر (المساند الرئيسي)، يوم 10 تموز على وجه التحديد .. لآنه في يومي الثامن والتاسع من ذات الشهر عاد إلى بغداد كل من ولي العهد من تركيا ونوري السعيد من لندن. هذه العودة ضمنت وجود ثلاثي الحكم في العاصمة عند تنفيذ الثورة.. ولقد سبق للجنة العليا للحركة أن أجلت أكثر من محاولة لاسقاط النظام نتيجة تغيب أحدهم عن بغداد.. بغية ان لا تتكرر ما حدث في حركة مايس التحررية عام 1941 .

 من هذا المنطلق سافر قاسم وعارف إلى بغداد، في العطلة الاسبوعية الأخيرة (الخميس10/7) السابقة ليوم الثورة، واتخذا قرار تنفيذ فعل التغيير في ذلك اليوم بالتحديد، وليس قبل هذا التاريخ مطلقاً وذلك لتوافق (الصدفة التاريخية) مع حركة اللواء العشرين .

**  عفوا دكتور عقيل .. ما دور هذه الصدفة وكيف تفسر تأثيرها على سيروة التنفيذ للثورة؟ والمعذرة على المقاطعة.

 - لعبت الصدفة والضرورة (كمقولة فلسفية) دورها التاريخي في تنفيذ الثورة ونجاحها، لأن عدم عودة أيُ من الثنائي (ولي العهد- عبد الإله، ورئيس وزراء الاتحاد الهاشمي- السعيد) إلى بغداد، سوف يؤدي (بالضرورة) إلى إلغاء فعل التغيير المزمع القيام به عند مرور اللواء العشرين ببغداد. فإذا كان فعل عودتهما، صدفة بالنسبة للضباط الأحرار ولكتلة المنصورية على وجه التحديد بإعتبارها القوة المنفذة، طالماً أن الصدفة كمقولة تمتد جذورها لا إلى جواهر الظواهر، وإنما في تأثير الظواهر الأخرى على الظاهرة المعنية وقد تحدث أو لا تحدث.. التي هنا هي فعل التغيير الغائي المرتقب والمنبثق من واقع الأزمة البنيوية للنظام . وبذات القدر كانت عودة الثنائي ضرورة لهما لأجل ضبط ما أمكن من توازن الأزمة البنيوية التي كانت تعصف بهم وتوجيهها وتحديد مسارات اختناقاتها وبالتالي تفادي انفجارها أو على اٌلأقل السيطرة عليها. لأن عدم وجود أحد الثلاثة الكبار في بغداد سيؤدي (ربما) إلى عملية انفلات الأزمة من عقالها، وهذا ما كان يعيه بدرجة ملموسة، على الأقل، الوصي والسعيد والسياسيون الواعون. في الوقت نفسه وعى الضباط الأحرار أن ثورتهم تتوقف على تواجد الثلاثي في بغداد وإن عودة الثنائي لهو ضرورة لا بد منها بالنسبة لهم. ولهذا السبب فسر الضباط هذه الصدفة بالحظ الذي لعب دورا كبيراً في نجاح الحركة ومن كون [ أن الله كان معهم]، وهو ما أحس به الجميع.  

 وعند العودة للسؤال الرئيسي نقول واصل قاسم بوعي سياسي موضوعي صلته بجبهة الاتحاد الوطني من منطلق ضرورة التعاون والتنسيق والحاجة النفعية المتبادلة لكلا الطرفين ، من خلال الأحزاب السياسية العضوية والفعالة و المؤثرة في الواقع السياسي والمتناغمة مع رؤيته الفكرية ومنطلقها الوطني آنذاك، بالأخص الشيوعي والوطني الديمقراطي، إذ أوفد لهما مبعوثه وكاتم سره (قبيل الثورة) رشيد مطلك. في الوقت نفسه تم إبلاغ جبهة الاتحاد الوطني، كما قيل،عن طريق الحزب الشيوعي عبر كادره المتقدم كمال عمر نظمي.. ومحتمل جداً عن طريق كامل الجادرجي ذاته بعد إبلاغه. لكن هل الإبلاغ  للجبهة جاء برغبة من قاسم؟ أم أن كمال وعزيز الشيخ طرحا الموضوع على الأحزاب المؤتلفة في الجبهة باعتبارها ممثلا للحزب للشيوعي فيها، باعتبار أن ذلك من ضرورات العمل السياسي المشترك؟ أم أن الجادرجي رغب بالاستشارة من زعماء الجبهة وبالأخص حزب الاستقلال التي تربطه به علاقة منذ تآلفهم في حزب المؤتمر الوطني. علماً أن الجبهة الوطنية لم تلعب الدور القيادي لحركة الضباط الأحرار.. ولا هؤلاء سمحوا للجبهة في المشاركة في فعل التغيير وقيادتهم له. ولذا كانت قوى الجبهة كل على انفراد تاثيرها الخاص عليهم.

 وعلى ضوء ذلك قام الحزب وبوعي لمضمون الحدث على إصدار تعليماته إلى الكوادر المتقدمة حسب، في بيانه المؤرخ في 12 تموز الذي تضمن في البدء المطاليب العامة من وجهة نظر الحزب بصدد الاحلاف العسكرية واطلاق الحريات الديمقراطية وحماية الثروة الوطنية والتوحيد مع ج.ع.م. على اساس فيدرالي المتوافق مع القرار الذي ثبتته جبهة الاتحاد الوطني في نيسان 1958 . كما وركز  بيان الحزب على " (1) ضرورة تجنب ابراز شعارات مبهمة أو متطرفة  أو تلك التي تمجد هذا الزعيم أو ذاك من قادة الحركة الوطنية أو العربية على حساب طمس شعاراتنا الأساسية، والتقليل من شأن نضال الجماهير الشعبية والجبهة الوطنية. (2) ضرورة إبداء اليقظة السياسية العالية تجاه مختلف المناورات والمؤامرات وتجاه نشاط عملاء الاستعمار والعمل بحزم وبأمانة تامة لسياسة الحزب، واعتبار أن واجبنا الأساسي في كل الظروف هو تعبئة أوسع الجماهير الشعبية ولفها حول الشعارات الصائبة في اللحظة المعينة، وحول الشعارات الكبرى لحركتنا الوطنية الديمقراطية.