اطبع هذه الصفحة


 

 

من التنور..ذلك الرجل.. تلك الليلة*..

 ابراهيم الحريري

كان كمال عمر نظمي يتهيأ للدخول الى الفراش عندما انتبه الى جرس الباب الخارجي يقرع قرعاً خفيفاً. لم يكن، خصوصاً في ذلك الوقت المتأخر، يتوقع أحداً.

وضع كمال عمر الروب دي شامبر وكان في البيجاما، واتجه الى الباب وعندما فتحه، كان في مواجهته، ذلك الرجل الناحل الأقرب الى الطول، وقد بدأ الشيب يخط شعره الأسود الكث يعتلي وجهاً ناحلاً، رقيق القسمات يميزه فم يفصح بالكاد عن نصف ابتسامة، تبين من خلالها سن او سنان ذهبيتان، يعلوهما شارب خفيف رفيع وعينان صغيرتان لامعتان، ذكيتان. يهمي منهما، كما البرق، ذلك الشرر المتوقد، يكشف توقد روحه وتوترها..

دعاه كمال، وكان قد اعتاد على زيارته المفاجئة، الى الدخول، الا ان الرجل وهو يتجاوز العتبة سأله:

هل في سيارتك ما يكفي من البنزين؟

كان كمال لحسن الحظ قد ملأ ذلك اليوم خزان السيارة، فردّ بالإيجاب:

- "إذن" قال الرجل، وقد ازدادت عيناه اتقاداً "غيّر ملابسك ولنقم بجولة في بغداد".

وعندما جلس كمال، بعد ان غيّر ملابسه، ودسّ بينها مسدساً، كان اعتاد حمله في المهمات الخطرة، خاصة عندما يكون الى جانبه رجل على مثل هذا القدر من الخطورة، طلب منه الرجل التوجه الى وزارة الدفاع.

وعندما حاذياها، كان ثمة جلبة عند الباب، جنود ومراتب يفدون، وآخرون يغادرون، لم يستطع الرجل ان يخفي قلقه.

طلب من كمال التوجه الى الحي الذي يقيم به نوري السعيد في كرادة مريم. لعل كمال لم يستطع ان يخفي وجيب قلبه، في بيت نوري السعيد؟ وفي هذا الوقت المتأخر، وبجانبه ذلك الرجل، تلك الشحنة المتفجرة؟

لم يجزع كمال على نفسه فقط، بل وبالأساس، على مرافقه. الا انه توجّه بالسيارة الى كرادة مريم. اقترب بها من منزل نوري السعيد، كانت انوار المنزل مطفأة او تكاد، عدا مصباحاً او اثنين فوق الباب الخارجية التي يجلس عندها شرطي يغالب النعاس.

كل شيء إذن هادئ، اعتيادي، وليس ثمة ما يبعث على القلق. عطفا على بوابة معسكر الرشيد حتى طلب الرجل، وقد اطمأن من كمال العودة.

- الى اين؟ الى البيت؟ قال كمال متلهفاً

- لا.. الى وزارة الدفاع ثانية. رد. طلب الرجل من كمال الترجل امام محل لبيع "الحريرة" اعتاد ان يبقى حتى ساعة متأخرة. قال له ان يستفسر عن سبب الجلبة امام باب الوزارة التي لاحظها لدى مرورهما ببابها اول مرة.

ترجل كمال، طالباً كاسة حريرة، وهو يتذوق متمهلاً مبدياً للبائع اعجابه بحسن الصنعة، دس السؤال. وفهم من البائع، انها الجلبة التي ترافق تبديل فرق الحراسة الساعة الثانية عشرة ليلاً.

ازدرد كمال كاسته وهرع الى الرجل ليطمئنه.

في طريق العودة الى البيت التفت اليه الرجل قال كأنه يزف خبراً عادياً:

"غداً الثورة"!!

كاد قلب كمال ان يتوقف مع انه كان يتوقع احداثاً جساماً، شارك هو شخصياًَ في الاعداد لها، الا انه لم يكن يتوقع ان يتم الامر بهذه السرعة.

ولما تمالك كمال نفسه سأل الرجل ما إذا كان يمكنه ان يخبر أخاه بديع، وكان هو اعتاد السهر قارئاً مستمعاً الى الموسيقى الكلاسيكية، بالامر.

تردد الرجل ثم اجاب: لا بأس شرط ان لا يغادر بديع المنزل.

دخلا وقبل ان يتوجه الرجل الى السرير طلب ايقاظه لدى سماع الخبر من الاذاعة ثم نام.

اما بديع، وقد اخبره اخوه بالامر، فظل في حركة عصبية دائبة بين السطح وبين الصالة حتى لم يجد كمال بداً من ان يطلب منه الهدوء وانتظار الاذاعة، ولعل كمال ظل مستيقظاً..

حوالي الساعة السادسة صبيحة 14 تموز بدأ الراديو يذيع أناشيد وطنية حماسية... فأيقظ كمال ضيفه.

وضع ملابسه، ولما أذيع البيان الاول للثورة، طلب الرجل من كمال ان يقوده الى اقرب مكتب للبريد. وكان مكتب بريد الاعظمية.

ترجلا معا. سلم الرحل موظف البريد نص برقية. ارتجفت اصابع الموظف وهو يتناول النص ويقرأ... انتهره الرجل: ما بك؟ ألا تسمع ما يجري؟

افتح الراديو!

فتح الرجل الراديو الذي كان يضج بالأناشيد وبيان الثورة الأول. ومع ذلك فقد أراد وهو لا يكتم فرحه ان يتأكد:

سيدي! ماكو توقيع.

وقّع الرجل. وكانت البرقية تقول:

"بغداد مجلس السيادة للجمهورية العراقية

رئيس مجلس الوزراء عبد الكريم قاسم

نهنئكم من صميم قلوبنا على خطواتكم المباركة التي وضعت نهاية حاسمة لعهد طويل من المآسي والمحن التي قاسى منها شعبنا المجاهد النبيل على يد الاستعمار وأعوان الاستعمار.

اننا نعبّر عن تفاؤلنا بأن هذه الخطوة الحاسمة ستكون فاتحة عهد جديد، عهد حرية وتطور عراقنا الحبيب، وتبوؤ شعبنا البطل مركزه في الموكب الظافر، موكب العروبة المتحررة الناهضة المحبة للسلام، وموكب الانسانية العاملة من اجل تحررها والى الابد من نير الاضطهاد والاستعمار.

وان شعبنا العراقي بعربه وأكراده، سيسجل لكم بفخر جرأتكم وتفانيكم من اجل تحقيق أهدافه الوطنية الكبرى، وهو يحمي ويصون بدمائه الغالية جمهوريتنا الوطنية الفتية. وانه لعلى ثقة كبرى من قدرته على القيام بهذا الواجب المقدس ومن مساندة القوى التحررية العربية في جميع ديارها وعلى رأسها الجمهورية العربية المتحدة، ومن قوى الحرية والسلام في جميع انحاء العالم وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي".

وان اللجنة المركزية لحزبنا الشيوعي العراقي تضع قوى الحزب الى جانب مؤازرتكم وللدفاع عن جمهوريتنا البطلة.


سلام عادل

سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي

14 تموز 1958

------------------

اعتمدت هذه الخاطرة على رواية الرفيق مهدي الموسوي (ابو صلاح) وهو اخو الشهيد ابو ايمان. وكان قد رواها له الراحل كمال عمر نظمي لدى التقائهما معاً في سجن نقرة السلمان التي احتجزتهما والآلاف فيه وفي غيره سلطات انقلاب 8 شباط الدموي. أ.ح