في فجر ذلك الصباح الجميل في الرابع عشر من تموز والذي اعتبره أهم يوم في حياتي
استيقظ طفلي البالغ من عمره خمسة أشهر كعادة الأطفال وكنا ننام على سطح الدار
الواقع في مدينة المنصور فحملته إلى الدار لإعطائه رضعة الحليب . وقبيل السادسة
صباحا بدأت أصوات المدافع تسمع بوضوح لقرب الدار من القصر الملكي ، أدركت أن
الثورة قد اندلعت لان الحزب قد ابلغنا في 12 تموز بأن أحداثا خطيرة ستحصل . كدت
أطير من الفرح عندما سمعت بيان إعلان الثورة،
وعلى اثر ذلك التحقت بالجموع الهائلة من أبناء الشعب التي هبت لتأييد الثورة وفي
الأيام التالية التحقت مع زميلاتي في رابطة المرأة العراقية لاستلام بناية
الاتحاد النسائي العراقي الواقع في الوزيرية.
إن أهم انجازات الثورة الأولى كان إعادة العلاقات مع الدول الاشتراكية واسترجاع
قاعدة الحبانية والانسحاب من الاتحاد الهاشمي ومن حلف بغداد وإعلان الدستور
المؤقت وإلغاء اغلب المراسيم السعيدية وإطلاق سراح المعتقلين والمسجونين
السياسيين، وإلغاء قرارات نزع الجنسية عن العراقيين والسماح للمبعدين السياسيين
بالعودة للوطن وإطلاق الحريات العامة والنشاطات الحزبية وإصدار قانون المقاومة
الشعبية وتم إصدار قانون رقم 80 المتعلق بالنفط وكذالك قانون الإصلاح الزراعي.
وفي غمار النشاط العارم مع انطلاق الثورة حصلت تغييرات عديدة في مجال حقوق المرأة
على كافة الأصعدة ، وكان أهم حدث في حياة رابطة المرأة العراقية هو صدور إجازة
عملها فشهدت نموا هائلا في صفوفها بين جميع القوميات والطوائف والأديان ، من
عاملات ومثقفات وفلاحات ، وكان للطبيبات والمحاميات دور كبير في تعزيز عمل
الرابطة بين جماهير النسوة إذ كن يقدمن الخدمات الاجتماعية والصحية المجانية
للنساء، كما تم فتح فروع للرابطة في جميع مدن العراق بل حتى في بعض أريافه.
لقد قفزت عضوية رابطة المرأة العراقية إلى ما قارب 42000 عشية مؤتمرها الثاني بعد
أن كان 20000 في المؤتمر الأول في 8 آذار 1959 . فتحت الرابطة 78 مركزا لمحو
الأمية بلغ عدد المداومات فيها 7500 وتطوع للتدريس في هذه المراكز حوالي 600
رابطية ، كما فتحت الرابطة 111 مشغلا لتعليم الخياطة وبعض المهن ، وأقامت
للمتدربات الأسواق والمعارض كما فتحت المستوصفات في المناطق الشعبية والريفية
التي أدارتها الطبيبات والصيدلانيات والممرضات الرابطيات ، وشكلت فرق التوعية
الريفية للعمل بين الفلاحات كما عقدت العديد من الندوات العامة الأدبية
والقانونية وقامت بإصدار مجلة شهرية باسم " المرأة" تولت رئاسة تحريرها الصحفية
سلوى زكو، وفي عام 1959 أصبحت الدكتورة نزيهة الدليمي رئيسة الرابطة أول وزيرة في
العالم العربي.
من حق رابطة المرأة العراقية أن تفخر بأنها كانت المبادرة إلى دراسة مسودة قانون
الأحوال الشخصية بعد الاستعانة بالمختصين في القانون ورجال الدين ثم قدمت الصيغة
التي أنجزتها إلى الحكومة عبر رئيسة الرابطة فصدر القانون رقم 188 في كانون
اول1959وكانت الغاية من إصداره تحقيق الاستقرار في الحياة العائلية وإنهاء
الارتباك والتناقض في أحكام القضاء الشرعي. وحوى القانون على جوانب ايجابية عديدة
منها على سبيل المثال لا الحصر : تحديد سن الزواج واشتراطها البلوغ والصحة
العقلية وتنظيم حضانة الطفل عند افتراق الأبوين ، وخطا القانون في مجال الإرث
خطوة كبرى إذ ساوى بين الذكر والأنثى وبذلك وحد أحكام الميراث وجعلها منسجمة مع
أحكام انتقال التركة في الأراضي الأميرية التي شرعت منذ الحكم العثماني ولازالت
سارية المفعول. لقد اقر القانون مبدأ وحدانية الزواج بشكل عام بمعنى انه لم ينظر
إلى مسالة تعدد الزوجات على أنها حق للرجال كما هو في بعض القوانين العربية
والإسلامية فاعتبر الزواج بأكثر من زوجة واحدة جريمة يعاقب عليها القانون بالحبس
أو بالغرامة إذا لم يحصل الزوج على موافقة القاضي الذي يشترط أن تكون هناك مصلحة
مشروعة في الزواج بأخرى .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* اقتصادية و ناشطة رائدة في رابطة المرأة العراقية