اطبع هذه الصفحة


 

 

14 تموز... الثورة المظلومة

سعود الناصري *

تحل في الرابع عشر من الشهر الجاري الذكرى الثامنة والثلاثون لثورة 14 تموز الكبرى. التي وضعت حداً للحكم الملكي الخاضع للسيطرة الأجنبية. وأقامت الجهورية العراقية بعد نضال بطولي قدّم فيه العراقيون بكل قومياتهم وعلى اختلاف عقائدهم الدينية واتجاهاتهم السياسية وانتماءاتهم العسكرية تضحيات لا تحصى في ظل معاناة مريرة في السجون والمعتقلات وأقبية التعذيب بل والإعدامات. في سبيل بزوغ فجر ذلك اليوم في تاريخ العراق الحديث.

لا أود الآن الخوض في تفاصيل الحدث وخلفياته وما أعقبه من نكسات وفواجع، لكنني أجد نفسي ملزماً كعراقي، في التصدي، قدر المستطاع، للطروحات و"التنظيرات" الجديدة الهادفة إلى تحميل الثورة مسؤولية كل المآسي والكوارث التي حلّت بشعب العراق.

ومما يحز في النفس أن يتقدم صفوف هؤلاء "المنظرين!" أناس شهدوا أحداثها ومنجزاتها وعاشوا أفراحها ودافعوا عنها حتى الأمس القريب.

وإذا بهم يتنكرون لها في لمح البصر، ويطعنون بها بشكل يدعو إلى التأمل.

إن موقفهم "الجديد" المتمثل في "التخلي" ليس فقط عن اتجاه سياسي – فكري معين (ولا اعتراض على ذلك وإنما عن النهج العلمي في التحليل والاستقصاء.. يثير من التساؤلات المشروعة عن مدى موضوعية الاتهامات الموجهة إلى ثورة تموز. ومدى تحول "المهاجمين" إلى "سفسطائيين" بكل معنى الكلمة.. لا هم لهم سوى البرهنة على الحجج التي تبدو شكلاً صحيحة ولكنها باطلة مضموناً.

لقد نسى هؤلاء أو تناسوا ابسط قوانين تطور المجتمعات البشرية. والضرورات الحتمية للثورات السياسية بعيداً عن الرغبات والأماني الشخصية، وإلا لكانت البشرية تحيا اليوم عهود الرق والإقطاع الخ. وإنني لأتساءل: هل إنهم يجهلون حقاً التفسير العلمي لقيام الثورات. أم إنهم "تخلوا" حتى عن ابسط هذه المفاهيم التي آمنوا بها ودافعوا عنها!! ايها "المنظرون" الجدد، هل تختلفون مع المقالة العلمية القائلة (إن الثورات السياسية لا تقوم بناء على توصيات مسبقة، وإنما هي حصيلة تطور طبيعي للمجتمع، ولا يمكن قيام الثورة بدون توفر "الحالة الثورية".. إذ ترفض الجماهير المحكومة العيش وفقاً لإدارة الأنظمة القديمة. وان انتقال هذه الحالة الثورية إلى ثورة يتوقف على العامل الذاتي.

حيث يطرأ نهوض عارم على فعاليات الجماهير الاجتماعية السياسية. إن الضرورة التاريخية للثورات تعود إلى تعذر الإطاحة بالطبيعة السائدة وتغيير النظام الاقتصادي – الاجتماعي والحقوقي السياسي بالسبل الأخرى.

فهل شذت ثورة 14 تموز عن هذه المقولة العلمية؟

لقد قيل الكثير عن هذه الثورة بين متحمس ومعادلها. ولكن تعالوا نحتكم إلى رأي مؤرخ مرموق لا اعتقد إن أحداً يشك في حياديته وموضوعيته:

يقول الأستاذ حنا بطاطو في كتابه الثالث عن العراق والموسوم "الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار".

".. لا يمكن أن ننظر إلى الوراء.. يجب ألا يقتصر حقل الرؤية عندنا على ما سبق أحداث 14 تموز (يوليو) بل أن يشمل أيضاً ما تلاها.

والواقع إن إلقاء نظرة سريعة على الآثار اللاحقة يكفي لجعلنا نعرف إننا أمام ثورة أصيلة ولم يكن لظاهرة سياسية سطحية أن تطلق كل تلك المشاعر بهذا العنف، أو لتثير المخاوف أو الآمال بهذه الجدية التي غزت سنتي 1958 – 1959 والواقع 14 تموز (يوليو) أتى معه بأكثر من مجرد تغيير في الحكم فهو لم يدّمر الملكية أو يضعف كل الموقع الغربي في المشرق العربي بطريقة جذرية وحسب بل إن مستقبل طبقات بأسرها ومصيرها تأثر بعمق.

وقد دمرت إلى حد كبير السلطة الاجتماعية لأكبر المشايخ ملاكي الأراضي ولكبار ملاكي المدن، وتعزز نوعياً موقع العمال المدنيين والشرائح الوسطى والوسطى الدنيا في المجتمع، وتغير كذلك نمط حياة الفلاحين نتيجة لانتقال الملكية من ناحية ولإلغاء أنظمة النزاعات القبلية وإدخال الريف في صلب القانون الوطني من ناحية أخرى. وصحيح إن الثورة لم تتجذر بالعمق بما يكفي، ولكن هذا يميل إلى تمييز كل الثورات التي تلعب فيها عناصر الطبقة الوسطى دوراً تقريريا، وصحيح كذلك أن التيه ميز مسار الثورة وإنها كانت لها تعاقبات صعود وهبوط، ولكن هذا ناجم عن عدم انسجام الطبقة الوسطى، وعن الانشقاقات في صفوفها وصفوف سلك الضباط، الذي هو ذراعها المسلحة والشرعية القائدة فيها". وأخيراً.. كل ما استطيع قوله لا يتعدى مجرد نداء إلى كل من يحاول الطعن بمآثر الشعب العراقي – المتمثلة في ثورته المجيد. قائلاً:

أيها "الملكيون الجدد".. رفقاً بأفكاركم و"قناعاتكم" السابقة! وآمل ألا تكونوا ملكيين أكثر من الملك ولا تظلموا ثورة الشعب.

* المقالة منقولة عن مجلة رسالة العراق،

كتبها الفقيد عام 1996