اطبع هذه الصفحة


 

 

صدمة الرحيل، صدمة العلاقات الثقافية

رشيد هارون

      النداء والأمر والنهي في قصيدة(ديمتري كرامازوف)

لم يكن لقائي(برسمية محيبس زاير) في مربد عام 2007م اللقاء الأول، ولم يكن حديثي معها الحديث الأول. فالشاعرة القروية في المظهر والشكل كانت ترافق(كزار حنتوش) زوجاً فضلاً عن أنهما شاعران يُدعيان في المناسبات الثقافية، ولأن القرى غالباً ما تلقي بظلال هدوئها وطبيعتها الساكنة حد الصمت على أبنائها كانت(رسمية) كذلك، فهي تتبع خطوات(گزار) تجلس على مقربة منه تراقب مشاهد لقاءات الأصدقاء الكثر، فقد كان يمسك بواحدهم من كتفيه يقبله ويبث فيه روح الشعر ويبدي فرحه بما يكتب، يطري على شعرية وموهبة كل من يلتقيه باعداً عن نفسه سمة الشاعر واسماً إياها بنعت السعادة فهو كما يقول اسعد رجل في العالم.

مات(كزار) تخلخل الضغط في الطبيعة القروية، دخلت النفوس في سبات، إلا نفس(رسمية محيبس زاير) ظلت متحركة حائرة على نحو لم أعرفها عليه من قبل تحاول إعادة التوازن وذلك منذ رحيل(كزار) حتى فعاليات مربد البصرة عام 2007م حيث الصدمة الأشد على نفسها، الصدمة التي عمقت حالة الاغتراب في أعماقها... فالمكان تلك الغرفة نفسها التي كانت تجمع(كزار ورسمية)، لقد اختارتها عمداً فالغرفة تعج بالصمت، لا صوت لـ(كزار) ولا دخان سجائر فمنفضة السجائر فارغة ولا ثمة من يطرق باباً، ولا قرار نهائي.

- أي قصائدي أرثي بها الغائب؟ هذه؟ أم هذه...؟

برنامج المربد الذي خلا من فقرة تفرد لـ(كزار)، أو تذكر بألم الرحيل على نحو يطمئن الآخرين للبقاء والتواصل، ويطمئنهم للرحيل، ولذلك كانت الصدمة تضرب(رسمية)، وكانت عيناها تنقل إمارات الصدمة والذهول والاغتراب. خيبة تتعدى أقاصي النفس، خيبة يحق لها أن تختصر ما بقي من عمر، خيبة جديرة أن تستغل الى أبعد مدياتها نزولاً عند واقع العلاقات الثقافية المخيب! بيد أن رد الفعل كان شعرياً من لدن الشاعرة.

لست الوحيد الذي يعرف بأن(كزار) عرف نفسه جيداً-وهو الذي عرف الآخرين- عرف بأنه سوى نفسه لا يقدر على إعالة قطة، فأختط لنفسه نهجاً في العيش وحيداً، ونهجاً في الكتابة متفرداً، بلا أدنى قدر للشك، نهجاً وضع الناس والأمكنة موضع الحب من القلب، وجعل همومهم مكان الهم فيه.

لقد شكل رحيل(كزار حنتوش) الصادم والعلاقات الثقافية التي لم ترتق الى مستوى الم الرحيل الذي آخانا حتى صرنا لا نميز بينه وبين البقاء، أقول لقد شكلت هاتان الصدمتان محاور مشكلات أثيرة في كتابة(رسمية محيبس)، وإذ تنطوي هذه المشكلات على فعل فني شعري في نتاج الشاعرة لا يحتاج الى نعوت كثيرة، فهي تنطوي على ألم نفسي وحسرة قد يشق على الروح الحي توصيفها، ألم يحث الخطى خلف الراحل، وحسرة على واقع يصدم بعضه بعضاً ويمنح الأرواح المغتربة، الأرواح الأشد تحسساً للحظات الاغتراب جوازات سفر مجانية لاغتراب آخر وآخر، أعمق وأعمق.

لقد ساعدت الأساليب التي اعتمدتها الشاعرة من أمر ونهي ونداء على تمكينها من المحافظة على التوازن وعدم الأنجرار الى الانفعال وتشتيت أدائها، ويقينا إن كثيراً من أساليب العربية وصيغها ترد في قصائد الشعراء بمقادير حسب شغف الشاعر بها، وقد يكون موضوع القصيدة باعثا مهما وفاعلا في إستدعائها، وغالباً ما يتم تجاهل الظرف النفسي للشاعر تحت وطأة المسلمات-ورود الأساليب والصيغ في الكتابة، وموضوع القصيدة- الى درجة تشكل تلك المسلمات محاور ضغط وتشتيت للقراءة النقدية، الأمر الذي يصبح مدعاة لمغادرة المشكلات النفسية التي كانت المسوغ الأساس للكتابة، هذا فضلاً عن ان النقد العربي القديم الذي(تربت) عليه وعلى وفق رؤاه الذائقة النقدية الحديثة، غالباً ما كان يتجاهل النفس وما يعتريها من هموم، ودارت محاولاته حول المشكلات دوران المراقب للمشهد من بعيد، ونتيجة لذلك لم يتم متابعة المشكلات النفسية.

في قصيدة(ديمتري كرامازوف) للشاعرة(رسمية محيبس زاير) وردت عدد من أساليب الأمر والنهي والنداء، وقد شرعت هذه الأساليب بتحديد الفعل الذاتي والشخصي للقصيدة الأمر الذي يجب متابعته لمتابعة المسار النفسي، المسار الأهم الذي أقام عماد القصيدة!

أن(لا الناهية) علامة مهمة في توجيه الخطاب الى الشاعر موضوع القصيدة، وتأتي أهميتها من الخوض في المشكلة مباشرة، مشكلة القصيدة التي شكلت البداية على هذا النحو:(لا تسأم...) وأساليب النهي والأمر والنداء والخطاب التي لاحقتها الشاعرة حتى النهاية، علامة أخرى على احتواء وتمثل التجربة التي كانت(ديمتري كرامازوف) تحققاً لها، تقول:(لا تسأم الوقوف في محطات الأمل/فالروح الحرة/رهينة جسد/عظيم الألم/ديمتري/أيها المتورط حد الجنون بالحب/عليك أن تشد بصرك الى النجوم/ رافعاً الرأس هكذا/بمشية النقيب الشجاع..) وهكذا من نهي لا(تسأم) الى نداء(.. ديمتري/أيها...) الى أمر(انتظر...) الى نداء آخر(...ديمتري/لا يرتقي الشعر لمستوى الألم) والى أمر(دع كل ذلك.../وأشطب.../تعمد السير وحيداً) ثم الى نداء(أيها المجرم البريء.../أيها المتهور الطائش/النقي..) حتى بنيت القصيدة بناءاً نفسياً بفعل ما أعتمد من أساليب عمدت الشاعرة الى تشييدها هذا البناء على(شكوى) (گزار)، وكأني بها تتماهى مع روحه، وكأني بها تستشعره فتكتب وكأن تبادلاً في الأدوار قد حصل.

لقد نجحت الشاعرة(رسمية محيبس زاير) في استدعاء الأساليب المناسبة التي حافظت على البناء النفسي، وهذا الاستدعاء الذي تطلبته ضرورات نفسية، كان حافزاً لقراءة هذه القصيدة قراءة نفسية، آخذين بالحسبان إن مثل هذه القصائد لا تقيم عمادها الرموز المغلقة، إنما تقيم عمادها نفس كبيرة، كبر الهم، وكبر المشكلة التي تناولتها، ومن هنا يمكنني أن أسجل حالة التوازن وعدم الإنكسار والإنهزام التي غالباً ما تكون نتاج تلك النفس، لذلك كان الجو النفسي محفزاً على الإسترخاء وهذا الاسترخاء سبباً في خلق جملة من الصور الشعرية الأخاذة، التي ترتقي الى مصاف الشعر الإنساني العالمي ومنها:(أيها../ عليك أن تشد بصرك الى النجوم/ رافعاً الرأس هكذا/ بمشية النقيب الشجاع/ ومن فتحة ضيقة في جدار الأماني/ أنتظر الحرية/ إنها تصبو إليك الآن)

وأراني أقف متمعناً لفظة(هكذا) وجملة(بمشية النقيب الشجاع) ولفظة(الآن) فإنها خلاصة التوازن، وأقاصي العطاء الشعري النفسي، لأن(هكذا) صور يتم التعامل معها نفسياً على مستوى التلقي بيسر، بينما قد يصعب التعبير عنها وتفسير كنهها، فمستوى القراءة النقدية قد لا يرتقي الى مستوى نتاج القصيدة، فقد تأخذ القراءة النقدية ويشتت تركيزها، ما في القصيدة من فعل نفسي ضاغط، يحيل الهم النفسي منها الى متعة في التلقي النقدي.

على الرغم من أن قصيدة(ديمتري كرامازوف) كانت نتيجة صدمة نفسية إلا ان الشاعرة نجحت في كتابة قصيدة تنبض بالأمل والحياة والحب، لذلك كانت لفظة الأمل في أول سطر شعري ولذلك أيضاً كانت لفظة الحب في آخر سطر.

لا يتناسى كاتب المقال جهود بعض الصحف والأدباء الذين أسهموا في تخفيف الصدمة عن(رسمية محيبس) بما كتبوا ونشروا، والمقال بعد ذلك ليس تطبيباً لـ(رسمية) وحسب أنه تطبيب لمواجعنا الكثيرة، ولهذا فهو ليس تأنيباً لأحد أو جهة، يمكنني أن أقول أنه محاولة لإعادة ترتيب الفتنا وصداقتنا الثقافية، وقد تحتدم النفس المحبة مع النفس، وصولاً الى أعلى درجات الحب!!