قبل اسابيع صدر (قانون رواتب موظفي الدولة والقطاع العام) وهو يمثل خطوة مهمة
انتظرتها شرائح واسعة من المجتمع، وانصافا لموظفي القطاع العام الذين عانوا من
التهميش والتمييز خلال الحقبة التي هيمن فيها النظام الدكتاتوري المقبور. ونقرأ
في الاسباب الموجبة للقانون انه جاء "لغرض تدعيم موظفي الدولة والقطاع العام
بمنحهم رواتب ومخصصات مجزية، ولتحقيق مستوى معيشي افضل لهم".
وقوبل صدورالقانون بارتياح عام لأنه شمل معظم، إن لم نقل جميع فئات الموظفين
بالزيادة، وجاء ليعيد لهم قدرة شرائية تآكلت منذ آخر تعديل بسبب التضخم الذي
ارتفع بمعدلات تفوق تلك الزيادات.
ولاشك ان هذه الفئات تمثل شرائح واسعة من المجتمع وتضطلع بالدور الأساس في ادارة
الدولة، وان تحسين احوالها وتأمين العيش الكريم لها يعتبر من العوامل الرئيسة
لتحفيزها على رفع مستوى الاداء ولشدها لعملية بناء الدولة على اسس سليمة
ولتحصينها من الفساد. فضلاً عن إن ذلك يسهم في عملية تحقيق الاستقرار واحلال
الامن .
ومن المتوقع ان يذهب القسم الأعظم من هذه الزيادات نحو الانفاق، والقليل منه نحو
الادخار. وسيكون لذلك تاثير مباشر على تنشيط السوق الداخلية. وإذا لم يستجب العرض
بالمرونة اللازمة فمن المرجح أن تؤدي هذه الزيادة في الطلب الى ارتفاع في اسعار
السلع والخدمات مما يضعف مجدداً القدرة الشرائية ليس لهذه الشريحة وحسب، وإنما
لجميع الدخول، بما في ذلك لغير العاملين في الدولة ممن لم يطرأ تحسن في دخولهم.
وعموما يتسم نظام الاجور والرواتب في العراق بتفاوت كبير، وخصوصاً بين المشمولين
بسلم الرواتب الاعتيادي وبين الذي تسري عليهم انظمة خاصة واصحاب الدرجات الخاصة،
وبالقدر الذي لم تشمل هذه الزيادات اصحاب الدرجات الخاصة، فسيتم تضييق الفجوة
بينهم وبين الدرجات في اعلى السلم، ولكن التفاوتات داخل السلم قد تتسع نتيجة هذه
الزيادات، وخصوصاً في المخصصات لأنها تعتمد نسبا ً تتصاعد مع الدرجة الوظيفية.
ومن مزايا المعايير التي اعتمدت في استحداث المخصصات، التشجيع على تبوأ المسؤولية
والعمل خارج مراكز المحافظات والعاصمة حيث استحدثت مخصصات تتعلق بالمنصب الوظيفي
والموقع الجغرافي. ومع تأكيد اهمية ان يوفر سلم الرواتب والأجور حوافز لتحسين
الأداء وتحمل المسؤولية وتشجيع التوجه نحو الأعمال التي تلزم التواجد في مواقع
خارج مراكز المدن، من الضروري التنبيه الى الميل لايجاد تشكيلات ادارية غير
ضرورية في الهياكل الادارية، وضرورة العمل على تطوير النظم الادارية لمواكبة
التطورات الحاصلة والحاجة لتحسين كفاءة الاداء.
وربط القانون بين الاجر والتضخم، حيث أتاح في الفقرة (ثانيا) من المادة (3) "لمجلس
الوزراء تعديل مبالغ الرواتب المنصوص عليها في جداول الرواتب الملحق بهذا القانون
في ضوء ارتفاع نسبة التضخم لتقليل تاثيرها على المستوى المعيشي العام للموظفين".
ولابد من الانتباه الى ضرورة معالجة مشكلة التضخم التي قد يسهم هذا القانون في
رفع معدلاته، عبر سلسلة من الاجراءات منها؛ وجوب الاهتمام بالبطاقة التموينية
وبمفرداتها وتأمين وصولها لاصحابها، وتحسين تجهيز المشتقات النفطية، وغيرها من
المواد الأساسية التي تدخل في سلة استهلاك المواطنين. كما على الدولة اتخاذ
الاجراءات الفعالة لتشجيع الانتاج الوطني؛ الزراعي والصناعي ومكافحة الاحتكار
ومراقبة اسعار السلع الاساسية والجمع السليم بين السياسة المالية والنقدية للحد
من التضخم .
وكخلاصة نرى ان القانون يشكل خطوة جيدة، ولكن حتى تتحق الاهداف المرجوة من اصداره
لا بد ان ترافق تطبيقه جملة من الاجراءات للحيلولة دون ارتفاع المستوى العام
للاسعار. فهناك قلق مشروع من خطر ابتلاع الزيادة في الرواتب والتي من المرجح ان
تكون مهددة بعدم قدرتها على مواءمة لهيب الاسعار الذي بات يلوح في الافق منذ الان،
فكلما زاد الراتب درجة كلما التهمته اسعار النفط والبنزين والغاز والمواد
الاساسية الاخرى. هذا طبعا من دون اهمال الانعطافات والمسارات المتعرجة للوضع
الامني التي تلهب الاسواق، بين حين واخر، بزيادات غير متوقعة للاسعار. فضلا عما
يشهده بلدنا هذا العام من حالة جفاف، ستترك اثارها على المنتوج الوطني الزراعي
الذي هو اساسا لا يسد حاجة البلد، ولا يساهم الا بنسبة 30 % من احتياجات المواطن
العراقي، في ظل ارتفاع كبير في اسعار المواد الغذائية على الصعيد العالمي .