اطبع هذه الصفحة

 

 

أبو عامل .. علماً في الصمود الشيوعي

 ثمينة ناجي يوسف

 قدم الشيوعيون العراقيون، خلال مسيرة حزبهم النضالية الشاقة، مثلاً أعلى في الصمود والتمسك بالمبادئ، مستلهمين موقف مؤسس حزبهم، الرفيق الخالد فهد وهو يواجه الجلادين بشموخ وتحدي وتفاؤل في حتمية انتصار قضية الشيوعية.

 الشيوعية أقوى من الموت .. وأعلى من أعواد المشانق !

وكان أبو عامل علماً شيوعياً في الصمود والإيمان العميق بمصداقية مقولة فهد الخالدة.

أروي للشيوعيين، وخاصةً الشباب منهم، واحداً من مواقف أبي عامل البطولية.

نهاية سبعينيات القرن الماضي، أرادت السلطة الدكتاتورية البائدة، توجيه ضربة إلى الحركة الوطنية بدءاً برأس رمحها، الحزب الشيوعي العراقي. لم يكن أمام السلطة أي مبرر مبدأي أو حتى أخلاقي يقنع الشعب بضرورة مثل  هذه الخطوة الغادرة.   

 ولهذا أرادوا افتعال " مؤامرة شيوعية " وهمية، فاعتقلوا أبا عامل ورفاقاً من العسكريين العاملين معه سابقاً في التنظيم العسكري بقيادته.

كان الجلادون على ثقة تامة بقدرتهم على انتزاع اعتراف من " أبو عامل " ورفاقه بالمؤامرة المزعومة باستخدام وسائل التعذيب البشعة، التي برعوا وتفننوا فيها منذ استيلائهم على السلطة في انقلابهم المشئوم في 8 شباط عام 1963، وحصلوا بسببها لقباً مخزياً " جلادو الشعب ".

بالرغم من جميع أساليب التعذيب، صمد " أبو عامل " وسخر من أسلوبهم غير المسئول في معالجة القضايا الوطنية التي تتعلق بمصير الشعب مؤكداً على سياسة الحزب المبدئية، نافياً وجود أية نية لدى الحزب الشيوعي في التآمر واللجوء إلى سياسة الانقلابات.

لم ييأس الجلادون إلا بعد استنفاذ كل ما في جعبتهم من أساليب وحشية ولا أخلاقيه.

 أروي إحدى هذه الأساليب، التي وضعت حداً لثقتهم في التغلب على الإرادة الشيوعية لأبي عامل.

في أحد الأيام أعيد أبو عامل إلى الزنزانة محطم الجسم منهكاً من التعذيب والتجويع المتواصل وحالما أراد النوم سمع صراخاً نسائياً بصوت ابنته الشابة لينا يستنجد

( بابا ..  بابا ساعدني إنهم يخلعون ملابسي ). هب أبو عامل، بصورة تلقائية، قاصداً التوجه نحو الباب، لكنه سرعان ما استدرك وعاد إلى وضعه مستلقياً متجاهلاً الصراخ المتكرر. كان على خشية من أن يفهم الجلادون حركته العفوية بأنها بادرة ضعف، فاستكان ولم يأبه للصراخ، الذي تكرر أياماً عديدة دون جدوى رغم سخطه وغليانه الداخلي.

وفي محاولة أخيرة نادوا، بصوت مرتفع، على أسماء رفاقه واسمه لسوقهم إلى الإعدام. نهض أبو عامل واقفاً محاولاً ارتداء ما تبقى من ملابسه وحذاءه الذي استعصى عليه بسبب تورم قدميه. قال له السجان " اذهب للمشنقة دون حذاء" رفض أبو عامل مصراً على موقفه. فما كان من حارس السجن إلا أن صرح له مندهشاً ومعجباً " إنك بحق رجل .. والله سويتها بيهم ! " لقد أعجب بصلابتك حتى سجانوك، كانوا يراقبونك ليل نهار من خلال جهاز تلفازي وضع سراً في زنزانتك!    

 عندها أصاب اليأس جلاديه واضطروا على إطلاق سراحه دون تحقيق هدفهم الخسيس. كان لمواقفه الصلبة الدور الرئيسي في يأس الجلادين حسبما أعلمه حارس زنزانته عند إطلاق سراحه.

نظر في مرآة علقت في مدخل داره فشاهد رجلاً لا يكاد يعرف ملامحه فقد أعتقل ووزنه 95 كغم وغدا بوزن 65 كغم!

استقبل من أفراد العائلة وتراكضت البنات فسأل عمن أعتقل منهن. كان الجواب

لم يعتقل أحد !!  تنفس الصعداء، كانت خدعة وفشلت! أحس مرة أخرى بحلاوة الانتصار

كان ذلك غيض من فيض لمواقف الشيوعي الشامخ أبداً " أبو عامل ".