الشاعر علي بيعي ، تعرفت عليه في مقهى الشيوعيين ( مقهى أبو سراج ) في الحلة وان كانت كثير من مقاهي الحلة بهذه الصفة ائنذاك ، كنت برفقة الأستاذ كمال أبو علي ( موظف صحي) ، حيث كان الأخير احد نشطاء اتحاد الشباب الديمقراطي .
الشاعر علي بيعي ودوداً لا تفارقه الابتسامة ، دهشت بدماثته وطيبته وهدوءه ، وشخصيته الرقيقة المبتسمة ، وفي عام 1975 كنت في رحلة نظمها اتحاد الشبيبة الديمقراطي ، كان علي بيعي من منظمي الرحلة والتي أضفى عليها جمالا إضافيا ، ألقى شعراً عن شهداء الحزب الشيوعي ، عن محنة أشقاؤنا الشيوعيين في شيلي ، كان ساحراً في إلقائه وفي شدّوه وفي حيويته ، لم أكن اعرف أن الأيام الحلوة تمضي بسرعة ، وتظل ذكرى جميلة ، تُسبب لنا الألم حين نعرف أنها قد تسربت من بين عيوننا مثل حلم عابر لم يبقى سوى شذاه ، هاهي الأيام الحلوة قد تبخرت فعوض اليسار والحضارة والثقافة ، هجمت علينا موجة جديدة من التخلف والجهل ، فلم تكتمل فرحتنا برحيل ، أفاعي الصحراء (الصداميون) ، حتى هاجمتنا همجية المليشيات المأجورة لما وراء الحدود ، وعوض علي بيعي وأمثاله من حملة الوداعة والسلام ، جاءنا حملة بنادق الظلام وفي لباس الظلام لاشك أن وردة علي بيعي ستحترق في صيف العراق الذي زادت الفاشية من قسوته ، وحاول علي بيعي ورفاقه أن يجعلوه لطيفا ، ارادو أن يخففوا من حدته ، بينما كان الفاشيون يشعلون النيران كي يتلذذوا بالشواء البشري كيف لا ، وهم نفايات الصحراء ، كيف لزهرة علي بيعي أن تحتمل كل هذا القدر من القبح والقسوة والنفاق ، لابد لهذه الوردة من الذبول وحتى الموت المبكر ، حين عدت إلى الحلة الفيحاء أصابتني مرارة الإحباط بشكل مبكر، فلم أرى علي بيعي لقد غاب هذا القمر من سماء الحلة ، ومشيت في الشوارع والحارات علني أرى وجهاً يشبه وجهه ، أو علني أرى صورته في وجه احدهم ، لا لم أجده ولم أراه حتى توهماً ، فحتى التوهم لم يكن هيناً ، خاب الرجاء وزادت الاحباطات ، فالفاشية والقوى المساندة في المنطقة أبادت قوى اليسار والثقافة ، خفافيش الظلام تنشطوا وصفقوا أجنحتهم في الظلام التي سببته الفاشية الصدامية ، حقاً لقد شعرت في الغربة ، مدينتي غريبة عليًّ ،ليست هي التي ودعتها .
آه واحزني لم أرى ورود الحلة ، بل رأيت عادات غريبة قد نبتت مثل الشوك البري عندما ينبت في ارض مهجورة ، هجرها أحبتها ، فالندب وشَّم صباحاتنا البائسة عوض الأغاني الفيروزية المفرحة الناشرة للفرح والأمل ، الحدائق الخضراء أصبحت خرائب أو ساحات إسمنتية ، ووردة علي بيعي حلت محلها بنادق الجهلة الذين لبسوا تعديا لباس الدين ، والفنانين والدين منهم براء ، فعلي بيعي هو اقرب منهم إلى كل الرسل والأنبياء الذين ماز رعوا إلا الخلاص للإنسانية المعذبة ، إما هؤلاء فهم أضافوا عذاباً للإنسانية المعذبة ، حقاً لقد تحالفت العتمة والظلام فهما توأمان حقيقيان .
عدت إلى الحلة بعد غياب ربع قرن ، شعرت وكأن عقارب الزمن قد عادت قرونا للوراء ، وجدتُ أن الحضارة والثقافة واليساريين هم الخاسرين الحقيقيين من مرحلة الهمجية الصدامية ، لقد اخذ الجهل والسحر والشعوذة والندب محل الثقافة والعلم والفن ، فانتقلنا من العتمة إلى الظلمة ، في السابق كنا نموت ولايحق لنا أن نهمس بالبكاء ، إما ألان بامكاننا أن نبكي وان نصرخ وان نلطم على الصدور ، هذا ماحصلناه ونحمد الله على كل حال .
حقاً لأمر مؤلم أن تموت الازهار مبكراً ، وتعيش الاشواك طويلاً ، هذه إحدى ملابسات الحياة .
سلام لعلي بيعي يوم ولد ويوم عاش ويوم رحل مبكرا
يا شعبي يا غنوتي
يالبفرح هليت
وطفيت بي التعب
اوجبتني وجيت
انت نبع دنيتي
ومنك ترابي رويت
وانت فخاتي الصبح
وانت حمامة بيت
وانت الابو المنحني
ونعم الابو وربيت
لم يتحقق حلمك ياعلي بيعي لم يهل الفرح بعد ، رغم انه اتي يوما ، رغم ظلم الباغين وفساد المفسدين ، لن يدوم سيف البغي ولكل ليل نهاية ، وفخاتي الصبح ستؤذن لصباح الفرح القادم على أيدي ، أبناء العراق الذين ستُخَّرجهم مدارس العراق ، ويستندوا على حضارته وتاريخه ، ونتاج علماءه وادباءه ، حين يحملوا شعر المتنبي والجواهري والسياب ، وعود زرياب, وكتب أبا حيان التوحيدي وابن رشد.
¨ اشعارعلي بيعي الواردة في مقالتي أخذتها من مقالة للأستاذ فرحان الربيعي في مقالة كتبها عن وردة الحلة علي بيعي ، فشكرا له على تذكره لهذه الوردة الحلاوية.