في الحرب الباردة , ذلك الإصطلاح الذي اُطلق على العلاقات الجديدة التي نشأت
بين المنتصرين في الحرب العالمية الثانية بعد إندحار ألمانيا النازية وكسر
شوكتها وتطلعاتها التوسعية , والتي إستمرت حتى أنهيار الإتحاد السوفيتي
والمعسكر الإشتراكي الذي كان يُمثل حجر الزاوية الصلدة ضد التوجهات الإمبريالية
وتدخلها بمصائر الشعوب .
إن العلاقة كانت في تلك الفترة مشوبة بألتوتر وإنعدام الثقة بين الكتلتين , وفي
بعض الأحيان وصلت الحالة إلى حافة الخطر بقيام حرب عالمية ثالثة كما حدث في
أزمة ( الصواريخ الكوبية)
وفي الصراع الذي كان دائراً بين الكتلتين , كان هناك صراع من نوع آخر , فهو الى
جانب صراع التسلح الذي سعى فيه الطرفان على تنمية قدراتهما العسكرية والتقنيِّة
وغزو الفضاء , كان هناك صراعاً آخر على مراكز النفوذ , وإيجاد موطيء قدم هنا
وهناك من العالم على حساب بعض الدول وإستقلالها وسيادتها , كما حدث في كوريا
وفيتنام وأفغانستان .
وفي هذا الخضم من الصراعات , كانت قد توجهت الكتلتان إلى تشكيل الأحلاف
العسكرية , وإنبثق عن ذلك :
1 – حلف شمال الأطلسي , أو حلف الناتو – ويضم هذا الحلف الذي وُقِع في واشنطن
فـــي 4 / نيسان / 1949 , على 14 دولة اُوربية هي – الولايات المتحدة ,
كندا , بلجيكا ,الدانمارك , فرنسا , ألمانيا , آيسلندا , اليونان , إيطاليا ,
اللوكسمبورغ , هولندا , البرتغال ,النرويج , المملكة المتحدة , مع العلم أن
قسماً من هذه الدول إنضم إلى الحلف بتواريخ مختلفة . كما إنضمت لاحقاً كل من
بلغاريا ,إستونيا , لاتفيا , لتوانيا , رومانيا , سلوفاكيا , سلوفينيا , أعضاء
جدد إلى الحلف .
2 – حلف وارسو – أو ( معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة ) وهي منظمة عسكرية
لدول اُوربا الوسطى والشرقية , وتأسست في أيار عام 1955 , لمواجهة التهديدات من
أعضاء الحلف الأطلسي ( الناتو ) , وكانت تشمل إلى جانب الإتحاد السوفيتي كل من
, بلغاريا , رومانيا , بولنده , المجر , ألمانيا الشرقية – إنضمت في عام 1956
, وإنسحبت في اُكتوبر 1990 , وكذلك ألبانيا التي إنسحبت من الحلف عام 1968 .
وبعد الإنتكاسة التي حدثت للإتحاد السوفيتي وباقي المعسكر الإشتراكي , إنفرط
عقد ( حلف وارسو ) , وإستمر ( الحلف الأطلسي ) بنشاطه بعد أن إنضمت إليه دول
اُخرى , وإستفرد الحلف بمقدرات السياسة الدولية بعد أن أصبح قُطباً وحيد الجانب
.
وحين قراءتنا للتأريخ نجد أن الكثير من الإنقلابات التي حدثت خلال المئة سنة
الأخيرة هناك بصمات واضحة لـ ( أمريكا ) عليها وتدخلها المباشر وغير المباشر
فيها , فقامت بإسقاط أكثر من 14 دولة في الأقل , إبتداءً من الحكم الملكي في
هاواي عام 1893 , وإستخدام القوة في 12 بلداً , منها العراق , أفغانستان ,
الفليبين , بنما , جنوب فيتنام , تشيلي وغيرها .
وفي كوبا عام 1898 , أرسلت الولايات المتحدة قواتها الى هناك لمساعدة المنتفضين
على إسقاط حكم المستعمرة الإسبانية , ولكن أمريكا نكثت عهدها للسماح لكوبا
بألإستقلال وحولتها الى محمية أمريكية , كما خلعت زعيم نيكاراغوا المرتقب (
خوزيه زانتو زيلي ) في عام 1909 , مسببة لبلاده فترة طويلة من القمع والتمرد ,
وأسقطت رئيس غواتيمالا اليساري
( جاكوبو اربنز ) , فارضة نظاماً عسكرياً فيها تسبب بثلاثين عام من الحرب
الأهلية ألتي أودت بحياة مئآت الآلاف من البشر .
وفي عام 1953 دفع الرئيس الأمريكي ( ايزنهاور ) وكالة الإستخبارات الأمريكية
الى تدبير الإنقلاب على رئيس الوزراء الإيراني ( محمد مصدق ) , وتنصيب ( محمد
رضا بهلوي ) رئيساً على عرش الطاووس , وأدت سياسته القمعية بعد 25 سنة الى نشوب
ثورة إسلامية .
وفي العراق يوم 8 / شباط / 1963 , الإنقلاب الفاشي الأسود , جاء الإنقلابيون
بقطار أمريكي
وأطاحوا بثورة 14 تموز الوطنية , وإغتالوا قائدها الشهيد عبد الكريم قاسم وصحبه
الأبرار وقتلوا قادة الثورة الأوفياء , والآلاف المؤلفة من أبناء الشعب العراقي
الغيارى على مصلحة شعبهم ووطنهم , وفي مقدمتهم قادة الحزب الشيوعي العراقي ,
وكوادره وأصدقائه , الى جانب القوى الوطنية الأخرى , وأغرقوا البلاد بألدم
والدموع والمآسي .
لقد دعمت المخايرات الأمريكية رجال العهد الجديد , وهذا ما أكدته مجريات
الأُمور , وأكده كذلك قادتهم في مناسبات عديدة وأشاروا إليه في كتاباتهم
ومذكراتهم ومجالسهم الخاصة التي يعرفها القاصي والداني , ومن هذه الأسماء ( علي
صالح السعدي ) الذي كان مسؤولاً عن الحرس القومي سيء الصيت , والذي أشار إلى
أكثر من مرة ( أنهم جاءوا بقطار أمريكي ) .
إن هذا الدعم الذي إستمر وبأشكال مختلفة , إزداد وبضراوة أكبر حين أعلن العراق
حربه الضروس على إيران لإسباب وحجج واهية , والتي دامت ثمان سنوات عِجاف , راح
ضحيتها مئات الآلاف من كلا الجانبين , ومخلفة دماراً هائلاً للبنى التحتية
للبلدين .
والحديث عن التدخل الأمريكي في كل بقاع العالم , وتنظيم الإنقلابات لم يكن
تجنياً عليهم , ولكن واقع الحال هو الذي يتكلم , وما أحتلالهم للعراق بذرائع
شتى إلا برهاناً ساطعاً على ذلك , وأن ما حدث ويحدث للعراق ولشعبه من ويلات
ومصائب ومآسي إلى جانب التركة الثقيلة لنظام ( صدام حسين ) , هي بلا شك الحرب
التي إعتبروها الحل الوحيد لإسقاط النظام والتي وقفت كل القوى الخيرة في
العالم لإيقافها , لكن الغطرسة والعنجهية الأمريكية حالت دون ذلك لغرض في ( نفس
يعقوب ) .