اطبع هذه الصفحة

 

 

بعض معالم  التحولات في التفكير الاستراتيجي للولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر 2001 

د.صالح ياسر

     في 11 سبتمبر 2007 تحل الذكرى السادسة لأحداث سبتمبر 2001. وبداية لا بد من القول أن هذه الأحداث وتداعياتها شكلت منذ لحظة وقوعها، وما زالت، تشكل  الأحداث الأهم في المشهد السياسي العالمي. ويكمن السبب في أنها أحدثت أثراً بعيداً وعميقاً في العلاقات الدولية الى درجة دفعت بعض المتخصصين بالقضايا الاستراتيجية الى القول بأن معالم " علاقات دولية جديدة " بدأت تتبلور وأن عمقاً جديداً لـما يسمى بـ " النظام الدولي الجديد " بدأت غماره وتداعياته على نحو مفصلي وتاريخي ونوعي. ومن هنا ضرورة فهم هذا الحدث/الزلزال ليس في راهنه وإنما في تداعياته البعيدة المدى واستحقاقاته الاستراتيجية.

    هكذا إذن بدأت " بشائر " حقبة ما بعد الحادي عشر من أيلول 2001 تهطل محملة بالتصور الأمريكي لتنميط العالم. وكل الإجراءات وخطب الساسة الأمريكيين الكبار، بما فيهم الرئيس جورج دبليو بوش، بيّنت أن الولايات المتحدة ماضية في استكمال تصورها الاستراتيجي لهذه المرحلة. وقد كان خطاب " حال الاتحاد " الذي ألقاه الرئيس الأمريكي بوش في بداية العام (2002) قد وضع الإطار العام للوجهة الجديدة بإبقائه الباب مفتوحا على مصراعيه لمواصلة الولايات المتحدة لـ " الحرب على الإرهاب " ، وأضاف الى ذلك نحته لمفهوم " محور الشر " مدشنا جبهة جديدة، بإضافة هذه الدول وقائمة إضافية من " الدول المارقة " والتي تنتج أسلحة الدمار الشامل، الى من ستطولهم اليد الطويلة للولايات المتحدة !     وإذا وضعنا خطاب " حال الاتحاد " هذا في مكانه الطبيعي فانه يمكن القول أن هذا الخطاب ليس ظرفيا، بل يشكل امتدادا طبيعيا لـ " حركة فكرية " كانت تعتمل داخل مراكز صناعة القرار في الولايات المتحدة بهدف صياغة معالم وعناصر الاستراتيجية الجديدة وعنصرها الرئيسي العقيدة العسكرية التي بدأت بالتبلور بعد 11 سبتمبر 2001. وتمثل العقيدة الجديدة تطورا نوعيا بالمقارنة مع تلك التي تبلورت في بداية التسعينات من القرن العشرين اثر انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي وحل حلف وارشو.

المبحث الأول: معالم العقيدة العسكرية الأمريكية الجديدة

    استنادا الى (مايكل ت. كلار)، الاستاذ في جامعة هامشر ومؤلف كتاب Resource Wars: The New Landscape of Global Conflict, Metropolitan Books, 2001  الصادر عام 2001 تقوم الهيكلية الاستراتيجية للدفاع الاميركي على ركائز ثلاث هي:

    اولاً، المركزية الاميركية، أي العقيدة القائلة باستخدام القوات لما فيه اقصى المراعاة للمصالح الوطنية، بما في ذلك ابان العمليات المشتركة مع الحلفاء.

    ثانياً، السيطرة العالمية او القدرة على ايصال قواتها الى أي مكان وفي أي زمان وضمن مطلق الظروف.

     ثالثا واخيراً، التفوق الدائم، بمعنى آخر اللجوء الى العلم والتكنولوجيا والموارد الاقتصادية تأمينا للغلبة الدائمة للقوات المسلحة الاميركية.

    ويمكن ملاحظة أبرز معالم التغيرات في الاستراتيجية الجديدة، التي نعرضها هنا بتكثيف، في المحاور التالية: 

1. الانفراد بالتفوق العسكري المطلق بما يحقق السيطرة الاستراتيجية الكاملة. لاشك أن قراءة متفحصة لجوهر العقيدة العسكرية الجديدة تكشف لنا أنها لا تطول فقط إحداث ما يسمى بـ  "الثورة في المسائل العسكرية" بل توظيف هذه التقنيات الجديدة لتحقيق " تفوق نوعي على الخصم " يتيح ضمان مبدأ " السيطرة الاستراتيجية " بالمطلق. وبالملموس فقد حدّد (رامسفيلد)، وزير الدفاع الأمريكي السابق، في حديث له أمام طلاب جامعة الدفاع الوطني في 31/1/2001، جوهر العقيدة العسكرية الجديدة بأنه يتمثل في:

* امتلاك قوة ردع فوق أربعة مسارح معا؛

* الانتصار على قوّتين تهاجمان الولايات المتحدة، ( أي مسرحين للحرب)؛

* خوض هجوم مضاد قوي؛

* احتلال عاصمة بلد معاد وإقامة نظام جديد فيها. 

    ويعني هذا إضفاء تعديل هام على العقيدة العسكرية التي ظلت سارية المفعول قبل هذا التحول.

وطبيعي أن ما قاله (رامسفيلد) بشأن " امتلاك قوة ردع فوق أربعة مسارح معا " له دلالته في كونه سيحرر الأمريكيين على ما يبدو من الاعتماد على الحلفاء الأوربيين. ولاشك أن كلام (بول وولفويتز)، نائب وزير الدفاع الأمريكي انذاك، كان شديد الصراحة حين قال في مؤتمر ميونيخ الأمني في آذار 2003 بما معناه أن المعارك هي التي ستحدد التحالفات. 

    وقبل ذلك كانت أهداف السياسة الدفاعية الرئيسية قد مرت بثلاث مراحل أساسية، حسب بول ماري دولا غورس ( اللوموند ديبلوماتيك العدد 9/2002 ):

·    قبل السبعينات كانت سياسة الدفاع الأمريكية تضع نصب أعينها الاستعداد لخوض "حربين ونصف "، بحسب المذهب الذي تبناه آنذاك الرئيس الأمريكي الأسبق (ريشارد نيكسون). ففي إطار الحرب الباردة حيث كانت البلدان الاشتراكية تشكل كتلة واحدة، كان من المفترض – بحسب هذه العقيدة - الاستعداد لحرب محتملة ضد الاتحاد السوفيتي وأخرى من الصنف نفسه ضد الصين وثالثة في الوقت نفسه لكن بحجم إقليمي ضد بلدان عدوة لا تقاس قدرتها العسكرية بالقوتين العظميين. ومن هذه النزاعات مثلا الحرب الكورية والفيتنامية أو الحملات العسكرية في لبنان وغواتيمالا .... الخ. وقد دفع النزاع الإيديولوجي بين الاتحاد السوفيتي والصين، والذي توج بقطيعة سياسية – اقتصادية، الرئيس ريتشارد نيكسون الى تبني مبدأ "الحرب ونصف الحرب" الذي يتحسب لمواجهة رئيسية مع الاتحاد السوفيتي أو مع الصين إضافة الى نزاع إقليمي من النوع المذكور آنفا.

·    مباشرة بعد انتهاء " الحرب الباردة "، أصدرت إدارة الرئيس بوش الأب عام 1991 وثيقة بعنوان " نظرة الى القدرة العسكرية الأساسية" تضمنت مبدأ جديدا بات يتوقع حدوث "نزاعين إقليميين كبيرين" والتهيؤ لهما.

·    وحين انتخب بيل كلينتون رئيسا للولايات المتحدة أكدت إدارته التوجه السابق وذلك في تقويمها الشمولي عام 1993، وعام 1997 في وثيقة حول "سياسة الدفاع الرباعية" (أربع سنوات) حيث أطلق على هذه النزاعات اسم "حروب رئيسية في مسرح عمليات". 

    لم يكتف رامسفيلد، في الخطاب المشار إليه أعلاه، بتوسيع احتمالات النزاع من اثنين الى أربعة "رئيسية تدور في مسرح عمليات" بل حاول صياغة تعريف جديد للأخطار التي يتعين على الولايات المتحدة مواجهتها. فجمع في " معسكر الأعداء " نفسه  " المنظمات الإرهابية " ذات "التطلعات الدولية" والدول التي تساندها وخصوصا تلك التي يمكن أن تمدها بأسلحة الدمار الشامل (النووية والبيولوجية والكيميائية) والتي تقوم هذه الدول بتطويرها. فالخطر لا يتحدد فقط بمصدره بل أيضا بطبيعته. ولاشك أن قراءة متفحصة لجوهر هذه العقيدة تكشف لنا أنها لا تطول فقط إحداث ما يسمى بـ  "الثورة في المسائل العسكرية" بل توظيف هذه التقنيات الجديدة لتحقيق " تفوق نوعي على الخصم " يتيح ضمان مبدأ " السيطرة الاستراتيجية ". وطالما شدد واضعو الخطط العسكرية الأمريكية على ان نظريتهم في "السيطرة الاستراتيجية" وجدت استجابة لكل أشكال النزاع. ويجري تطبيقها بحسب طبيعة الخصم وعدده وقوته الصناعية وبنيته التحتية وحجم مدنه ولا سيما نظامه السياسي وما المطلوب القيام به لقلبه أو تحييده. فالنظرية تترك المجال واسعا أمام التجريبية في تطبيقها. وهو ما حدث مثلا عند تنفيذها خلال حروب الخليج والبوسنة ومن بعدها في كوسوفو. 

ولم يتوقف (رامسلفيد) عند تحديد مسارح الحرب التي ستنشط فوقها قوة الردع، والتي يتعين امتلاكها في إطار العقيدة العسكرية الجديدة، بل إنه حدّد أهداف تلك القوة بما يلي :

" - حماية الأرض الوطنية والقواعد العسكرية في العالم،

-                          الانتقال الى مسارح عمليات بعيدة،

-                          تدمير معاقل العدو،

-                          ضمان أمن أنظمة المعلومات والاتصال،

-                          تطوير استخدام التكنولوجيا الخاصة بالتنسيق بين القوات،

-                           حماية الفضاء والترسانة الفضائية الأمريكية ".

2. التخلي عن " استراتيجية الردع والاحتواء " التي حكمت السياسة الأمريكية إبان "الحرب الباردة " وتبني استراتيجية " الهجوم الوقائي ". ويعد هذا تحولا مهما في التفكير الاستراتيجي الأمريكي. واستنادا إلى تصريحات مسؤولين أمريكيين كبار فإن المبدأ الاستراتيجي الجديد يبتعد كثيرا عن سياسة الحرب الباردة التي كانت تقوم على الردع والاحتواء ليصبح جزءا من أول استراتيجية للأمن القومي تقوم على فكرة الهجوم الوقائي. واعتبر العديد من المحلّلين هذا التوّجه أكبر تغيير في الاستراتيجية الأمنية - العسكرية منذ حقبة أربعينات القرن العشرين حين أسس الرئيس هاري ترومان وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إي) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (اف بي آي) والبنتاغون. فهذه الاستراتيجية ستبتعد عن مبدأ عمره أكثر من نصف قرن في السياستين الدفاعية والخارجية الأمريكية هو الاحتواء والردع، وتقترب من نظرية (التدخل الدفاعي) و(الهجوم الوقائي).  

وطبيعي أن مثل هذه النقلة النوعية ستجبر المؤسستين العسكرية والاستخبارية الأمريكية على تنفيذ تبدلات واسعة في تركيبتهما وسياساتهما، وذلك على مستويين:

الأول، مستوى المفاهيم, حيث سيتطلب الأمر تغيير العقلية العسكرية الأمريكية التي تعتبر الهجمات المفاجئة عملية (غير مشّرفة) ؛

الثاني، مستوى العتاد، لأن الهجمات الوقائية تحتاج الى أنواع جديدة من الأسلحة لجعل القوات الأمريكية أكثر مرونة في الحركة وأكثر قدرة على " الفتك السريع ". ويمكن لهذا الملاحظة أن تفسر الخطوة التي اتخذها الرئيس الأمريكي بوش بشأن خطة لإعادة نشر القوات الأمريكية الموجودة في الخارج.

3. صياغة تعريف جديد للأخطار التي على الولايات المتحدة مواجهتها. فجمع في " معسكر الأعداء " نفسه " المنظمات الإرهابية " ذات "التطلعات الدولية" والدول التي تساندها وخصوصا تلك التي يمكن أن تمدها بأسلحة الدمار الشامل (النووية والبيولوجية والكيميائية) والتي تقوم هذه الدول بتطويرها. فالخطر لا يتحدد فقط بمصدره بل أيضا بطبيعته. 

    وارتباطا بذلك باتت الولايات المتحدة تدرس احتمال استخدام السلاح النووي ضد دول غير نووية، أو ردا على هجمات بأسلحة كيمياوية وبيولوجية أو عند حدوث " تطورات عسكرية مفاجئة " ذات طبيعة غير محددة. والخلاصة أن المبدأ النووي الأمريكي الجديد لا يستبعد إمكانية لجوء الولايات المتحدة قبل غيرها إلى استخدام السلاح النووي إذا ما نشأ خطر صنع سلاح إبادة جماعية من قبل خصومها. 

4. استكمال بناء أدوات السيطرة العسكرية على مراكز الطاقة في العالم بدأً من الشرق الأوسط وصولا إلى نفط آسيا الوسطى وغازها. وبهذا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية التحكم في السياسة العالمية عبر الهيمنة الاقتصادية، في تفاعلها الوثيق طبعا مع الدوائر الاستراتيجية الأخرى. 

    من المفيد التذكير هنا بأن هذه الأفكار ليست في مجملها جديدة. فهناك إدارات أخرى سعت إلى تفضيل هذه الركيزة الاستراتيجية أو تلك. لكن الشيء المهم هنا هو انه لم  يصل التفكير الاستراتيجي قبل ذلك إلى بلورة هذه الركائز بهذا القدر من التماسك والوضوح والحماسة، إلى درجة يمكن معها القول أننا نشهد انقلابا في التفكير الاستراتيجي في الولايات المتحدة الأمريكية. لقد أكد مسار الأحداث خلال السنوات الأخيرة بما لا يدع الشك إن القضية برمتها تدور حول بلورة رؤية استراتيجية " اكثر فعالية "،  وخلق الآليات الكفيلة  بضمان تحقيق الهيمنة على العالم  وإعادة إنتاجها في أحسن الظروف وأفضل الشروط. وقبل ما يقارب القرن والنصف قال الاستراتيجي الألماني الكبير (كلاوزفيتز) في مسعاه لصياغة تعريف دقيق للاستراتيجية بأن " الأهداف السياسية هي النهاية، والحرب هي الوسيلة ".

تنويعات تطبيقية: نظرية الفوضى البناءة

في التنويعات التطبيقية لتلك الاستراتيجية توالدت مفاهيم عديدة، حيث واصل الجناح الأمريكي المحافظ المسيطر على مجريات السياسة الأمريكية جهوده لتطبيق نظريتي "التفكيك النظيف"
و"الفوضى البناءة" بهدف إعادة رسم الخارطة الجغرافية والسياسية على الصعيد الإقليمي مبتدأ  بمنطقة الشرق الأوسط لتكون بمثابة
نموذج يطبق فيما بعد على المناطق الأخرى. وهي نظريات وضعتها وروجت لها مراكز أبحاث ودراسات أمريكية في مقدمتها معهد واشنطن.
ومن اجل فهم افضل لهذه القضية ينبغي العودة الى ما حدث  في عام 1996 حيث وضعت في الولايات المتحدة ورقة سياسية بعنوان "
الاختراق النظيف "، صاغتها لجنة برئاسة ديك تشيني الذي عاد فيما بعد ليشغل منصب نائب الرئيس الأمريكي في عهد الرئيس جورج دبليو بوش.  

    إن إشاعة هذا المصطلح (الفوضى البناءة) على نطاق واسع يؤكد أن المرحلة الثانية من الاستراتيجية الكونية للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة تحولت إلى خطة تم الشروع في تنفيذها بالفعل على أرض الواقع. وإذا كانت المرحلة الأولى من هذه الاستراتيجية جرت تحت شعار "الحرب على الإرهاب" واستهدفت إسقاط نظامي طالبان في أفغانستان والبعث في العراق، فإن المرحلة التالية من هذه الاستراتيجية تجري تحت شعار "الحرب على الاستبداد ونشر الديمقراطية" وتستهدف إسقاط " أنظمة الاستبداد "، وإدخال إصلاحات سياسية بعيدة المدى في العالم العربي. الفرق الوحيد بين المرحلتين أن الأولى تطلبت استخداماً مكثفاً للقوة العسكرية واحتلالاً فعلياً للدول المستهدفة، أما الثانية فستعتمد على الوسائل غير العسكرية في المقام الأول، ولكن من دون استبعاد كلي للقوة العسكرية التي قد يتم اللجوء إليها لتوجيه ضربات ضد أهداف محددة ومحدودة إذا لزم الأمر. ويلاحظ هنا أن هذه المرحلة شهدت بروز مفاهيم جديدة مثل مفهوم " الشرق الأوسط الجديد " أو " الشرق الأوسط الكبير ".   

ما الذي تعنيه " الفوضى البناءة "؟

دون الدخول في تفاصيل لا يتسع المكان لها هنا، يمكن القول أن مفردات هذه النظرية يمكن إجمالها في ما يلي:

-     ينطلق منظرو الاستراتيجية الأمريكية، في بناء مفهوم "الفوضى البناءة، " من فكرة قوامها أن الوضع الحالي " ليس مستقراً" وإن الفوضى التي تفرزها عملية التحول الديمقراطي في البداية هي من نوع " الفوضى الخلاقة " التي ربما تنتج في النهاية - حسب الزعم الأمريكي والذي تحدثت عنه اكثر من مرة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليسا رايس- وضعاً أفضل مما تعيشه المنطقة حالياً.

-     تفكيك الوضع القائم في بلد ما ولو أدى ذلك إلى حدوث فوضى مؤقتة تمهيدا لإعادة تركيب هذا البلد على أسس جديدة ملائمة أكثر لمصالح أمريكا ومخططاتها في المنطقة.

-     حلحلة الأمور ونقلها من مرحلة الجمود إلى مرحلة المرونة والهلامية والحركة لكي يمكن التدخل وتشكيل الأمور وتطبيق السيناريوهات الجاهزة.

-     وبالملموس، تهدف "الفوضى البناءة" الى إعادة رسم الخريطة الجغرافية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط لتكون بمثابة نموذج يطبق فيما بعد على المناطق الأخرى. هكذا، إذن، يمكن القول أن تفكيك المنطقة هو خطوة أساسية في مخطط المحافظين الجدد في أمريكا لإعادة بناء المنطقة ورسم خريطة جديدة لها تتطابق مع مصالح الولايات المتحدة ودورها الجديد على الصعيد العالمي.

 

    ومن وجهة نظر تاريخية لا بد من التذكير بأن أول من قام بصياغة مفهوم " الفوضى البناءة " هو مايكل ليدن‏,‏ العضو البارز في معهد " أمريكان إنتربرايز "‏, المعروف بكونه " قلعة " المحافظين الجدد في واشنطن‏,‏ والمؤسسة الهامة في بناء وصياغة مشروعات الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش السياسية في الشرق الأوسط‏,‏ وهو أيضا المنبر الذي اعتاد الرئيس أن يختاره كثيرا ليعلن فيه مشروعاته السياسية الكبري في المنطقة‏.‏

ومايكل ليدن هذا هو أحد اصحاب النفوذ في دائرة المحافظين الجدد‏,‏ وأحد أبرز الذين يعهد إليهم المركز بوضع التصورات وكذلك الخطط التفصيلية‏,‏ التي تبني عليها أحيانا السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط عامة‏,‏ والدول العربية خاصة. واذا كان اسم ليدن قد ارتبط بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 بنظرية " التدمير البناء "‏,‏ فإنه قد عرف أيضا بأنه تولي في عام‏2003,‏ قيادة مجموعة عمل من خبراء معهد " امريكان انتربرايز "‏,‏  والتي قامت بإعداد " مشروع التغيير الكامل في الشرق الأوسط "‏,‏ والذي كان من المقرر ان ينفذ خلال عشر سنوات‏,‏ ويشمل اجراء " اصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية " شاملة في كل دول المنطقة‏.‏ واضافة لذلك فإن مايكل ليدن هو القائل بان " التدمير البناء هو صفتنا المركزية ‏..‏ وأن الوقت قد حان لكي نصدر الثورة الاجتماعية "‏.‏

وتعود الخلفية النظرية لاستراتيجية " اللااستقرار البناء " إلى محاولة ترتيب أفكار ومعتقدات المحافظين الجدد وآبائهم الفكريين، وعلى رأسهم "ليو شتراوس"، المدافع عن الفلسفة الكلاسيكية ومنطلقاتها الأخلاقية، والداعي إلى الدفاع عن مصالحها بالقوة، مع أفكار أخرى لعل أهمها مقولة " فجوة الاستقرار " عند صمويل هنتنجتون صاحب نظرية " صدام الحضارات " في معالجته للتنمية السياسية. فهذه الفجوة، حسب هنتنجتون، تولد إحباطا ونقمة في أوساط المجتمع مما يعمل على زعزعة الاستقرار السياسي. فالإحباط الاجتماعي يولد المزيد من اللااستقرار إذ ما انعدمت الحرية الاجتماعية والاقتصادية، وافتقدت مؤسسات النظام القدرة والقابلية على التكييف الإيجابي، لأن الإحباط ومشاعر الاحتقان التي تزيد هذه الفجوة يتمخض عنها مطالب ليست سهلة للوهلة الأولى، وأحياناً غير متوقعة، تفرض على مؤسسات النظام التكيف من خلال توسيع المشاركة السياسية واستيعاب هذه المطالب، أما إذا كانت هذه المؤسسات محكومة بالنظرة الاحادية، فإنه سيكون من الصعب الاستجابة لهذه المطالب إلا بالمزيد من الفوضى، التي ستعمل في نهاية الأمر على استبدال قواعد اللعبة واللاعبين.    بكلمات أخرى، كان هنتنجتون يريد أن يصل الى أن التحديث السياسي، او باللغة السائدة اليوم الإصلاح السياسي، يرتبط بالاستقرار, ولكن هذه الحالة قابلة للانقياد إما نحو التكيف الإيجابي او تململ البنية السياسية بأكملها واستبدال أخرى بها. هذا مع العلم أن مصادر " اللااستقرار البناء " في الشرق الأوسط حسب (روبرت ساتلوف) تقاس على مسطرة المصالح الأمريكية.

    وقد اجرى البروفسور (توماس بارنيت) احد اهم المحاضرين الرئيسيين في وزارة الدفاع الأمريكية منذ سبتمبر‏2001,‏ بعض التطويرات على نظرية " الفوضى البناءة ". حيث يلاحظ أنه لخص رؤيته لما كان يعرضه في البنتاجون‏,‏ في دراسته التي اعطاها عنوان " خريطة البنتاجون " المنشورة عام ‏2004 ‏.‏ و بحسب عاطف الغمري (الاهرام عدد 20/7/2005) فان النظرية التي يتناولها بارنيت تقسم العالم إلي من هم في القلب او المركز ـ ويعني بهم الولايات المتحدة وحلفاءها في الغرب ـ أما الآخرون فهم من سماهم دول الفجوة أو الثقب‏.‏ ويقول بارنيت انهم مثل ثقب الأوزون‏,‏ الذي لم يكن ظاهرا قبل الحادي عشر من سبتمبر‏2001,‏ لكن الآن لم يعد ممكنا ان يغيبوا عن النظر‏.‏ وتضم دول الفجوة أو الثقب، بحسب بارنيت، " الدول المصابة بالحكم الاستبدادي‏,‏ والأمراض والفقر المنتشر‏,‏ والقتل الجماعي الروتيني‏,‏ والنزاعات المزمنة التي تصبح بمثابة مزارع لتفريخ الجيل القادم من الإرهابين "‏.‏

ويوضح بارنيت ان استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة تتضمن:

  • زيادة قدرة (دول القلب) على الرد علي اضطرابات النظام الدولي.
  • العمل مع (دول القلب) علي ردع اسوأ صادرات دول الثقب مثل الإرهاب والمخدرات والأوبئة.
  • العمل علي انكماش هذا الثقب‏.‏

  ويحدد (بارنيت) الشرق الأوسط كمنطقة للبدء بتطبيق الاستراتيجية الجديدة‏،‏ ويقول إن الدبلوماسية لا تعمل في منطقة‏,‏ لا توجد اكبر مصادر تهديد الأمن فيها فيما بين الدول وبعضها‏,‏ لكن هذه التهديدات تكمن داخل دول المنطقة ذاتها‏.‏ ويصل (بارنيت) إلي مرحلة " الفوضي البناءة "‏,‏‏ حيث يتصور شكلا معينا لامكان حدوثها‏,‏ من نوع الانهيار الكبير أو التفكك الاقليمي‏.‏

وحسب الاستراتيجية الجديدة يأتي التدخل المباشر من قوة خارجية في حالة حدوث الفوضي‏,‏ حيث يقول بارنيت " ان الشيء الوحيد الذي سيغير المناخ الشرير ويفتح الباب لفيضان التغيير‏,‏ هو ان تدخل قوة خارجية‏,‏ ونحن الدولة الوحيدة التي يمكنها ذلك ".‏ ويحسم (بارنيت) حدود النظرية بقوله إن هدف هذه الاستراتيجية هو انكماش الثقب وليس مجرد احتوائه‏.‏

    ان الاستجابة لتوسيع دائرة فهم " الفوضي البناءة‏ ",‏ راجع إلي أنها لم تعد مجرد طرح نظري فقط‏,‏ ولكنها استراتيجية يجري تنفيذها‏ بالملموس ووفق خطوات محددة.‏ 

    ويبدو من قراءة صاحية للافكار اعلاه أن " صناعة الفوضي " نابعة على ما يبدو من إيمان عقائدي عميق لدي من يصنعون السياسة الخارجية الأمريكية والقائم على فكرة قوامها ان التغيير في حد ذاته لا يكفي‏,‏ وأن الأوضاع الداخلية في المنطقة وثقافتها تحتاج تحولا شاملاTransforming‏ ‏.‏ ومن هنا كان ولع المنظرين الاستراتيجيين هؤلاء بمفاهيم من قبيل " التدمير الخلاق " و " الفوضي المنظمة "‏,‏ التي تعقبها " ازالة الأنقاض والاشلاء‏,‏ ثم تصميم جديد لبناء مختلف "‏.‏ 

    ان هذه الاستراتيجية تكشف عن تدبير صريح للتدخل المباشر في شئون المنطقة‏,‏ وهي بمثابة اعلان اواعادة تأكيد لاحد معالم الاستراتيجية الأمريكية لتحقيق "الاصلاح الداخلي والديمقراطي" في منطقة الشرق الاوسط التي جرت الاشارة اليها في مقدمة هذه المداخلة والذي نص على ان الشأن الداخلي لم يعد شأنا محليا‏,‏ وفق تعريف جديد يجعل من التغيير في الداخل أمر يخدم الأمن القومي للولايات المتحدة, ‏ويزيل التهديدات له. وبصرف النظر عن الأهداف الأخري والنهائية غير المعلنة لمشروع الاصلاح والتغيير في المنطقة, فإن المشروع يتحرك بالفعل، معتبرا الساحة الداخلية ميدان عمله، وان ما هو مطلوب تغييره لا يقدر عليه إلا من يؤمن عقائديا بما يؤمن به المحافظون الجدد‏‏.‏ والعلاج الوحيد من وجهة نظر هؤلاء هو في تدخل قوة خارجية‏، وهذه القوة هي الولايات المتحدة.  

من العام الى الخاص/المثال العراقي نموذجا

    منذ انهيار النظام الدكتاتوري المقبور في 9/4/2003 والعراق يعيش حالة مخاض عسيرة ويمر في أوضاع غاية في الصعوبة والتعقيد والخطورة، والناجمة عن خيار الحرب واستحقاقاته وما تركه من تداعيات، ونشاطات القوى الارهابية والتكفيرية والصدامية، والاستراتيجيات " الملتبسة " التي اعتمدتها القوى المهيمنة على السلطة بعد ذلك التاريخ. والمتابع لهذه التطورات واضطراب الاوضاع الامنية تبدو الامور وكأنها تمثل أول تطبيق عملي لنظرية "الفوضى البناءة" حيث لم يتم تغيير النظام حسبما اعلنت الحكومة الأمريكية باعتباره هدفها الرئيسي من حرب العراق‏,‏ بل ان الذي تم هو تحطيم النظام وهدم الدولة المقترن والذي اقترن بعدم وضع بديل جاهز م