اطبع هذه الصفحة

 

 

في ضوء المؤتمر الوطني الثامن.. التطورات في الوضع العربي الأوضاع الاقتصادية في البحث عن جذور الأزمة ومظاهرها(9)

 د. صالح ياسر

 “نشرنا في اعداد سابقة ثمان حلقات للدكتور صالح ياسر لمناقشة الوثائق الصادرة عن المؤتمر الوطني الثامن للحزب الشيوعي العراقي المنعقد في آيار الماضي، نقوم بنشر الحلقة التاسعة وسننشر الحلقة الاخيرة غدا.                                                                         

بحسب التقرير السياسي الذي اقره المؤتمر الوطني الثامن لحزبنا فان نقطة الانطلاق في بحث التطورات في الوضع العربي، هي أحداث 11 أيلول 2001 وما تركته من آثار  خطيرة في الوضع العربي، وبالأخص على صعيد القضية العراقية والتواجد العسكري الأمريكي في المنطقة، ومسار عملية السلام والصراع العربي - الإسرائيلي. وما تزال تداعيات تلك الأحداث وما تبعها من سعي لإعادة ترتيب الأوضاع في الشرق الأوسط، وفقاً لمصالح الولايات المتحدة الأمنية والاستراتيجية، في سياق "الحرب ضد الإرهاب"، ثم شن الحرب الأخيرة في العراق واحتلاله، تلقي ظلالها على أوضاع المنطقة وبلدانها، لتكشف أيضا تدهور حال "النظام العربي" وعجزه الفاضح عن مواجهة التحديات الراهنة واستحقاقاتها. 

ولتنوع الإشكاليات المطروحة في هذا المجال ستركز هذه المساهمة على الجوانب الاقتصادية لـ " تدهور حال "النظام العربي" وعجزه الفاضح عن مواجهة التحديات الراهنة واستحقاقاتها " كما جاء في التقرير المذكور، ومحاولة تفسيرها والبحث عن جذورها ومسبباتها الفعلية.

بعض معالم اللوحة الاقتصادية الراهنة   

كما هو الأمر على الجبهات الأخرى، كان الوضع خلال الفترة الماضية على الجبهة الاقتصادية ساخنا أيضا. فلم تفلح البلدان العربية بالخروج من " عنق الزجاجة " حتى الآن بالرغم من المحاولات العديدة التي بذلتها منذ حصولها على الاستقلال السياسي. ويبرز هذا الواقع في مؤشرات وحقائق عديدة من بينها:

1- بطء وتائر النمو الاقتصادي بل وتواضعها، حيث تشير المعطيات الإحصائية المتوفرة الى أن معدل النمو الاقتصادي خلال العقدين الأخيرين لم يتجاوز 2% ، بينما يبلغ معدل التضخم 3% سنويا. وفي حين يبلغ عدد سكان العالم العربي ما يقارب 300 مليون نسمة. وتعد معدلات نمو السكان على مستوى العالم العربي (والتي بلغت خلال الفترة 1995- 2003 ) من أعلى المعدلات بين الأقاليم الرئيسية في العالم عدا إفريقيا جنوب الصحراء (ومن المتوقع أن يصل عدد سكان الدول العربية الى 395 مليون نسمة بحلول العام 2015). وبالمقابل، فإن إجمالي الناتج القومي في كل العالم العربي لا يتجاوز 800 بليون دولار وهو لا يمثل سوي أكثر من 2% بقليل من الناتج العالمي، في حين انه وبحسب الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية (د.أحمد جويلي) فإن الناتج المحلي الإجمالي لـ 22 دولة عضو بجامعة الدول العربية ارتفع في نهاية عام 2005 الى 1 .5 تريليون دولار (التريليون = 1000 مليار، ص.ي)، بزيادة قدرها 180 بليون دولار عن عام 2004 . وعلى خلاف الوهم الشائع بغنى العرب فان حجم الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة العربية محدود فهو يوازي الناتج لدولة أوروبية كإيطاليا الذي يصل إنتاجها الى اكثر من ألف مليار دولار. وبالمقابل ذكر الدكتور جويلي أن عوائد النفط العربية ارتفعت العام الماضي بنسبة 44 في المائة لتصل 350 بليون دولار. ويمكن اعتبار الزيادة في أسعار البترول السبب الرئيسي في الزيادة التي شهدها الناتج المحلي الإجمالي للبلدان العربية.

2- البنية المشوهة والأحادية الجانب للاقتصاديات العربية وطابعها الريعي. فلا تزال مساهمة الصناعات الاستخراجية تستحوذ على أعلى حصة في الناتج المحلي الإجمالي، بنسبة حوالي 38.8 في المائة. كما شكلت حصة الإيرادات النفطية حوالي 60% من الإيرادات المالية في الموازنات العربية بشكل عام، علما أنها تبلغ في بعض البلدان العربية النفطية اكثر من 90% من تلك الإيرادات. ويتجلى ذلك أيضا في غياب التنوع في هذه البنية ومعاناتها من اختلال بين القطاعات الأساسية نتيجة للاتكال الكامل على عائدات تصدير النفط الخام والغاز ومعادن أخرى لتمويل الفعاليات الاقتصادية الأساسية. لذا تعتبر الاقتصادات العربية، اقتصادات مشوهة وخاضعة لمتطلبات السوق الرأسمالية العالمية ومصالح القوى المهيمنة عليها. وللتدليل على عدم حدوث تغيير نوعي  في بنية وهيكلية القاعدة الإنتاجية حسبنا أن نشير الى هيمنة القطاع الاستخراجي وتخلف قطاع التجارة الخارجية،  إذ  ما زالت الصادرات العربية تشكل ما نسبته 3.8% من الصادرات العالمية بما في ذلك النفط ومشتقاته، وتمثل قيمة التجارة العربية الخارجية 3.1% من حجم التجارة السلعية العالمية.

3- ومن مظاهر الاختلال في الهيكل الاقتصادي، الانكشاف الغذائي وبروز مخاطر جدية على الأمن الغذائي العربي نتيجة لتخلف القطاع الزراعي عن تلبية حاجات السوق والسكان واللجوء الى الاعتماد على استيراد السلع والمواد الغذائية من الخارج. وتشير المعطيات الإحصائية الصادرة عن العديد من المؤسسات العربية المتخصصة في هذا المجال الى واقع التدهور الواضح في مستويات الأمن الغذائي إذ تزيد فاتورة الغذاء العربي المستورد على 38 مليار دولار سنوياً وتشكل 9% من إجمالي الاستيرادات العالمية من الغذاء. ويتمركز العجز الغذائي في الحبوب حيث يعد العالم العربي في مجموعه المستورد الأكبر للحبوب في العالم إذ  يستورد 40 مليون طن سنويا من القمح والأرز والشعير والذرة والحليب والسكر  حيث تبلغ ما قيمته 8.2 مليار دولار أي  بما يوازي نحو 15.5% من إجمالي قيمة الواردات الدولية من الحبوب. وهذا يعني أن العالم العربي في مجموعه يعاني من الانكشاف إزاء العالم الخارجي بالنسبة لأهم سلعة غذائية استراتيجية. وتبرز خطورة الانكشاف الغذائي للعالم العربي في انه يستورد 60% من مواده الأولية لإنتاج رغيف الخبز. ولتقريب خطورة حجم الانكشاف الغذائي يمكن الإشارة الى إن حجم استهلاك البلدان العربية من المواد الغذائية المستوردة والمنتجة محليا يبلغ حوالي 80 مليار دولار وإن الزيادة السنوية في حجم الاستهلاك تبلغ حوالي 4.5 مليارات دولار، في حين أن معدل النمو في الإنتاج المحلي لا يتجاوز مليار دولار.

4- ارتفاع معدلات البطالة مع كل ما يحمله ذلك من آثار سلبية.  فحسب تقرير لمجلس الوحدة الاقتصادية التابع لجامعة الدول العربية، صدر عام 2004، قدّرت نسبة البطالة في الدول العربية بـ 15% (أي 17 مليون شخص يبحثون عن عمل) من إجمالي قوة العمل البالغة حوالي 112 مليون عامل ، وتتزايد سنويا بمعدل 3%.  وتنبأ التقرير بأن يصل عدد العاطلين في البلاد العربية عام 2010 إلى 25 مليون عاطل. وما يجعل هذه القضية من أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات العربية، هو أن 60% تقريبا من سكانها هم دون سن الخامسة والعشرين. ويقدر عدد الشبان العرب العاطلين عن العمل بنحو 14 مليون شخص. ولهذا وصفت منظمة العمل العربية، في تقرير نشر في شهر مارس 2005، الوضع الراهن للبطالة في الدول العربية بـ "الأسوأ بين جميع مناطق العالم دون منازع"، وأنه "في طريقه لتجاوز الخطوط الحمراء". وما يزيد من وطأة المشكلة أن هناك ما يقرب من 5 ملايين عامل عربي يدخلون سوق العمل سنويًا، فيما يقدر حجم الأموال اللازمة لتوفير وظائف لهم بما يزيد على 20 مليار دولار سنويًا. وبافتراض استمرار الأيدي العاملة العربية في النمو بنفس المعدل فإنه من المقدر أن تبلغ قوة العمل العربية نحو 134 مليون عامل في 2010، ونحو 155 مليون في 2015؛ وهو ما يعني أنه على الدول العربية توفير نحو 39 مليون فرصة عمل بحلول 2010، لاستيعاب 17 مليوناً باحثا عن العمل، و 22 مليوناً, هم حجم الداخلين الجدد إلى سوق العمل, وبحلول عام 2015 يجب توفير نحو60 مليون فرصة عمل لاستيعاب الباحثين عن العمل والداخلين الجدد، ويرتفع هذا الرقم ليبلغ نحو 105 ملايين عام 2020 . ولكي نفهم عمق التأثيرات السلبية للبطالة فانه يمكن الاستناد الى تقديرات منظمة العمل العربية التي تشير الى أن كل زيادة في معدل البطالة بنسبة 1% سنوياً تنجم عنها خسارة في الناتج الإجمالي المحلي العربي بمعدل 2.5%، أي نحو 115 مليار دولار، وهو ما يعني ارتفاع المعدل السنوي للبطالة إلى 1.5% ويرفع فاتورة الخسائر السنوية إلى أكثر 170 مليار دولار.

5- تفاقم حجم المديونية الخارجية ووتائره المتصاعدة. وطبقا للمعطيات الإحصائية تضاعفت هذه الديون في العقدين الماضيين بمعدل سبع مرات ، ليصل حجمها إلى 325 مليارا عام 2000 ، بعد أن كانت لا تتجاوز 49 مليار دولار عام 1980 ، ولم يصاحب هذا الارتفاع زيادة مماثلة في الناتج المحلي الإجمالي ، وبينما كانت هذه الديون تشكل 12% من الناتج المحلي الإجمالي للعالم العربي في بداية الفترة نفسها ، أصبحت في نهايتها تشكل 46% من إجمالي هذا الناتج . هذا مع العلم أن المديونية العامة الداخلية القائمة في ذمة الدول العربية فقد بلغت مع نهاية عام 2000 حوالي 304 مليارات دولار، وارتفع هذا الدين عن حجمه في عام 1999 بمقدار 28.1 مليار دولار.

6- إن الحقائق أعلاه، على أهميتها، لا تكفي لإعطاء صورة متكاملة حول معالم اللوحة الاقتصادية الراهنة من دون ربطها بحقائق أخرى. ولهذا فإن نظرة سريعة على تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002 الذى أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التابع للأمم المتحدة والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي التنمية  تكشف لنا طائفة أخرى من الحقائق عن المآل الذي وصلته الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في بلداننا، ومن بينها :

* هناك نحو عشرة ملايين طفل من فئة عمر السادسة الى الخامسة عشرة لا تضمهم المدارس، وهناك خمسة وستون مليونا من العرب البالغين لازالوا أميين ثلثاهما من النساء. علما بأن وثائق الجامعات العربية تشير الى أن الدول العربية لم تنفق على قطاع التعليم في مختلف مراحله اكثر من 7% من الموازنة العامة في احسن الحالات، وتتدنى هذه النسبة الى اقل من 5% في البلدان الفقيرة.

* ومازالت سمات أساسيه ثلاث تغلب على ناتج التعليم فى العالم العربي، وهي تدني التحصيل المعرفي وضعف القدرات التحليلية والابتكارية، واطراد التدهور فيها وقد نجم عن ذلك فجوة فى القدرات تتمثل فى تنامي التنافر بين نوعية ثمار المؤسسات التعليمية واحتياجات أسواق العمل.

* وبحسب التقرير المذكور فإن النمو في نصيب الفرد في الدول العربية خلال عشرين عاما مضت بلغ معدله 0.5 % وهو المعدل الأقل في العالم إذا ما استبعدت أفريقيا جنوب الصحراء، كما انخفضت إنتاجية العمالة بمتوسط سنوي 0.2 %.

* بحسب تقارير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة وتقديرات التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2001 فإن هناك حوالي 73 مليون مواطن في البلدان العربية يعيشون تحت خط الفقر، ويبلغ المتوسط اليومي لنصيب الفرد من الناتج المحلي بالأسعار الجارية أقل من خمسة دولارات في تسع دول عربية يشكَل سكانها نحو 73% من جملة سكان الدول العربية، هذا مع العلم أن متوسط دخل 22% من السكان بلغ دولاراً واحداً فقط يومياً. في حين كان هناك  73 مليون شخص لا يزالون محرومين من خدمات مياه الشرب النقية، ونحو 106 ملايين مواطن غير مستفيدين من خدمات الصرف الصحي. وأشار تقرير التنمية البشرية العربي الثالث الصادر في 2005 والذي ساهم في إعداده نحو 100 من كبار الباحثين العرب الى أن نتائج الدراسات التي أجريت على خمسة عشر بلدا عربيا بيّنت أن 32 مليون شخص (أي ما يعادل 12% من مجموع سكان هذه الدول) يعانون من نقص التغذية ، وانه في التسعينيات ازداد العدد المطلق لمن يعانون نقص التغذية في العالم العربي بأكثر من ستة ملايين نسمة وكانت أسوأ الحالات هي الصومال والعراق. كما أن نصف سكان المدن العربية لا يجدون السكن المناسب مقارنة بنحو 2% من الدول المتقدمة. ومقابل ذلك كشفت قائمة مجلة Fortune لعام 2007 عن صعود إجمالي الثروات العربية في نادي أصحاب المليارات في العالم إلى 179.7 مليار دولار من 107.2 مليار دولار في العام الماضي 2006 .

رغم الأزمة البنيوية، التكييف الهيكلي هو الوصفة السحرية!!

    على الرغم من المخاطر الوخيمة التي نجمت عن اندماج الاقتصادات العربية في منظومة الاقتصاد الرأسمالي العالمي في الماضي، والتي أوصلت جهود التنمية المنتهجة في هذه الاقتصادات الى منطقة حصار شديد، حسب التعبير الأثير للمفكر الاقتصادي المصري المعروف المرحوم د. رمزي زكي، بسبب أواصر التبعية وعلاقات التبادل والنمو اللامتكافئة بينها وبين مركز هذه المنظومة، تصاعدت خلال العقدين الأخيرين الدعوات منادية بـ " ضرورة التكييف " مع الأزمات الاقتصادية الراهنة التي تشهدها تلك المنظومة، وذلك على أساس أن مأزق التنمية العربية وما تولد عنه من مشكلات راهنة، يعود الى بطء سرعة إجراء " التصحيحات " اللازمة و "التكيفات " المطلوبة التي " تجعلنا نتماشى مع التغيرات الحاصلة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي. وإذا تأخرنا عن إجراء تلك التصحيحات والتكيفات حاليا، فإنها لا بد أن تحدث في وقت لاحق، ولكن بثمن أعلى " !!.

وبعيدا عن الصخب الإيديولوجي الرائج فان برامج التثبيت والتكيّف الهيكلي التي طبقتها مجموعة من البلدان العربية تحت ضغط أزماتها الاقتصادية وتفاقم مديونيتها الخارجية قد انطوت على عدد من السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي أضرّت بالأغلبية الساحقة من سكان هذه الدول. كما أن هذه البرامج قد وضعت هذه الدول في منعطف حاسم وستكون لها انعكاساتها على المديين المنظور والبعيد. ولا يتعلق الأمر هنا بالآثار السلبية قصيرة الأجل التي نجمت عن تلك السياسات، بل فيما سينجم عنها من آثار وتداعيات على المدى الطويل.

وبالمقابل فان سياسة التكييف التي رعتها وترعاها المؤسسات المالية والنقدية الدولية والقوى المسيطرة في البلدان الرأسمالية المتطورة قد تركت آثارها الإيجابية المتفاوتة على الشرائح الأخرى للبرجوازية في البلدان العربية ومن ضمنها الفروع المختلفة للبرجوازية التجارية. حيث أن هذا الجناح كان الأكثر إفادة من إجراءات التكييف التي استلزمت تحرير الأسعار وإلغاء الرقابة عليها، إضافة الى التجارة في العملة والتلاعب على الفارق بين السعر الرسمي للعملة الوطنية وسعر السوق السوداء في بعض البلدان العربية. أما في التجارة الخارجية فقد كانت البورجوازية الناشطة في قطاع الاستيراد هي الأكثر استفادة من إجراءات التكييف. فقد جنت هذه الفئة ثمار رفع الحظر على الواردات والتخلي عن نظام الرقابة على صرف العملات وتخفيف أو إلغاء القيود على التحويلات الخارجية والسماح بتمثيل الوكالات والشركات الأجنبية.

التبدلات في الخريطة الطبقية- الاجتماعية ودلالاتها السياسية

- محاولة فهم وتفسير الأزمة الراهنة-   

اللوحة السابقة، بخطوطها العريضة، تستدعي التساؤل عن جذور الوضع الراهن. والعودة ألي التاريخ تبدو هنا ضرورية ليس فقط لفهم الحاضر ولكن، وهو الأهم، للتفكير بالمستقبل.

فقد لعب المتغير النفطي، وخصوصا خلال " الطفرة النفطية " في أوائل سبعينيات القرن العشرين، دورا مهما في توسيع حجم وتنوع فئات ومراتب عناصر البرجوازية الصغيرة والفئات الوسطى في البلدان العربية، من خلال تحول أعداد متزايدة من عناصر الطبقة العاملة والأجراء عموما الى عناصر برجوازية صغيرة " تعمل لحسابها الخاص ". وكذلك نتج عن " إعادة تدوير " الأموال النفطية " الفائضة " داخل الاقتصاد العربي نمو وتوسيع نشاط عناصر جديدة من الرأسمالية التجارية والسمسارية، التي بدأت تتوسط بين السوق المحلية ومراكز التجارة والمال والصناعة في البلدان الرأسمالية المتقدمة والبلدان الخليجية.

كذلك فإن عملية الحراك الاجتماعي الهامة التي شهدتها المجتمعات العربية منذ منتصف السبعينيات من القرن العشرين تحت تأثير هذا المتغير، وعمليات الهجرة الواسعة للعمالة خلال السبعينيات والثمانينيات، قد أدى الى حالة " سيولة طبقية واجتماعية " عالية، أدت بدورها الى " ازدواج حالة التكسب " لدى فئات اجتماعية عديدة لا سيما عناصر الطبقة العاملة وصغار الفلاحين. وهكذا فقد أدى انحسار الفورة النفطية لاحقا الى أزمة بنيوية حادة نتيجة عدم التوافق بين مقومات البنية الاجتماعية والطبقية، التي ولدتها الحقبة النفطية، من ناحية، وبين مقومات الأساس الاقتصادي والمادي لقوى الإنتاج الحقيقية في الاقتصادات العربية، من ناحية أخرى (لمزيد من التفاصيل حول هذه النقطة قارن : د.محمود عبد الفضيل : أزمة الرؤية اليسارية لإشكاليات الواقع الجديد. الطريق العدد الأول/السنة الرابعة والخمسون، كانون الثاني- شباط 1995 ، ص 5 ولاحقا، د.كاظم حبيب : حول بعض الخصائص المميزة للبرجوازية العربية. جدل، الطبعة الأولى أب/1991، ص 84 ولاحقا).

وإذا كنا قد شهدنا خلال العقود الأربعة ونيف الأخيرة عملية إعادة ترتيب وصياغة للمراتب الاجتماعية، ولعناصر البناء الطبقي في المجتمعات العربية المعاصرة، إلا انه قد واكب ذلك عملية تعايش وتداخل وانقطاع وتوتر بين أنماط إنتاجية متباينة، ولحالات التعايش والتكسب تعكس طبيعة المرحلة الانتقالية المعقدة التي تمر بها التشكيلات الراهنة، في العالم العربي. وعندما جاء " المتغيّر النفطي " زاد الأمور تعقيدا، وليضيف بعدا جديدا لهذه الإشكالية المعقدة، ذلك لأن النمو الذي شهدته مختلف الدول العربية أبان سنوات " الفورة النفطية "، كان في الحقيقة نموا لا متكافئا وهشا لأنه استند على عوامل خارجية بالأساس يصعب التحكم فيها، مثل أسعار وعوائد النفط والتحويلات الخارجية والقروض الأجنبية.

وعلى جانب آخر، يلاحظ أيضا كيف اندمج الاقتصاد العربي، في ظل الحقبة النفطية، في الاقتصاد الرأسمالي العالمي اندماجا كبيرا. واستمرت حركة هجرة الأموال العربية الى أسواق المال العالمية، بسهولة وانسياب، تحت شتى الصور والأسماء. فتمت إعادة تدوير عوائد النفط بحيث عاد جل ما حصلت عليه البلدان العربية منها الى أحضان من اشتروه، فجمعوا بين النفط وعوائده.

هكذا إذن فإن ظاهرة الاندماج الاقتصادي العربي في الاقتصاد العالمي والتي كانت آخذة في التسارع منذ منتصف عقد السبعينيات من القرن العشرين أصبحت السمة المميزة للاقتصاد العربي بقطاعاته الرئيسية : سمة الاندماج على قاعدة التبعية.

في هذه المرحلة، جرت عمليتان تاريخيتان في وقت واحد، وبسرعة مذهلة، وهما عملية التراكم البدائي وعملية التراكم الرأسمالي. وتعني عملية التراكم البدائي:- أنها عملية النهب والسلب، التي تمارسها بواكير البرجوازية النامية، وتشكل من جرائها ثروة تدخلها في دورة الإنتاج. وأما عملية التراكم الرأسمالي فهي عملية الاستغلال، التي تمارسها البرجوازية، عادة، فتجني من ورائها الأرباح التي تحولها الى رأسمال تعيده الى دورة الإنتاج، ويجري ذلك لتوسيع الإنتاج ومضاعفة راس المال.

هاتان العمليتان أنتجتا فئات برجوازية ريعية، طفيلية، نهابة، معتمدة على دور البرجوازية العالمية التي مازالت تهيمن على القطاع النفطي بهذه الدرجة أو تلك. كما أنها رأسمالية ربوية، تتعامل في النقود كنقود، عن طريق التجارة والخدمات والوساطة والسمسرة والتهريب والسوق السوداء.

ومن جهة أخرى لابد من تأشير حقيقة قوامها أن صفوف هذه " البرجوازية الجديدة " اتسعت بضم فئات اجتماعية عديدة إليها، وبخاصة الفئات والقوى الإقطاعية الحاكمة من قبل، والفئات الرأسمالية التجارية والمالية القديمة والبرجوازية النامية داخل الجيش والشرطة ومكاتب الدولة والحزب وقطاع الدولة، أي البرجوازية البيروقراطية. وفي الكثير من البلدان العربية تدعمت، وان بمستويات متفاوتة، مواقع المؤسسة العسكرية وكبار المسؤولين فيها بفعل السيطرة على مقاليد السلطة والانتفاع بها، واستشراء الفساد والإفساد واستنزاف ثروات البلاد، ومشاركة كبار الراسماليين في مشاريع ومؤسسات مقابل تسهيلات اقتصادية كبيرة وتوفير الحماية لهم. هكذا تم حدوث تلاحم متين بين جناحي البرجوازية البيروقراطية، المدني والعسكري، وكان لذلك تأثير كبير بل وحاسم على اتجاهات التطور التي شهدتها العقود التالية في العالم العربي.

ولهذا كله تتميز هذه " البرجوازية الجديدة "، ذات الطبيعية الريعية، بعدة أمور من بينها أمرين هامين هما:

الأول : أنها لا تحمل روح المشروع الرأسمالي القائم على الإنتاج وتحمل المخاطر الطويلة الأجل والمشاركة في دفع عملية التراكم الرأسمالي، وقسم كبير منها ما زال يتعلق بالملكية العقارية أو بالتجارة الداخلية.

الثاني : أنها مرتبطة براس المال الاجنبي، بل وبالاقتصاد الرأسمالي العالمي ارتباطا عضويا. إن النشأة الريعية الطفيلية لـ " البرجوازية الجديدة "، ذات الأصول القبلية والإقطاعية وشبه الإقطاعية والبيروقراطية، تجعلها ذات روابط أمامية وخلفية براس المال العالمي. ومن ثم فانه لا يتيح لها عمليا، وفي افضل الأحوال، سوى هامش ضيق للاستقلال الذاتي. وهي، في جميع الأحوال، تفضل أن تؤكد روابطها تلك براس المال العالمي.

إن التبدل في الخارطة الطبقية ساهم في تعديل ميزان القوى داخل شرائح البرجوازية لصالح الجناح الطفيلي – البيروقراطي والكومبرادوري، في حالات أخرى، وإعادة رسملة الطبقات القديمة التي انتزعت ملكيتها على يد أنظمة برجوازية الدولة الوطنية العربية، هذه الرسملة التي تمت بوسائل متباينة من بلد لأخر. ولكن المشترك هنا هو أن هذا التبدل لم يمس فقط وظيفة الدولة الداخلية بل مس أيضا خياراتها السياسية الخارجية.

وإضافة لذلك من المفيد الإشارة الى أن مأزق التنمية وما شهده العالم العربي من إخفاقات في هذا المجال لا يعزى فقط الى العوامل الخارجية، على خطورتها وآثارها السلبية الكبيرة، بل يتبع كذلك من مواطن خلل داخلية وقصور كبير في بلورة الاستراتيجيات التنموية المطلوبة انطلاقا من الحاجات الفعلية للتطور ومراحله الملموسة والآليات المؤسسية الضرورية لتنفيذ الاستراتيجيات تلك. ويمكن الإشارة هنا الى القضايا التالية:

1- تفشي ظاهرة الهدر المالي والاقتصادي واتخاذه أشكالا وصورا كثيرة منها المبالغة في الإنفاق على مشاريع وفعاليات غير مجدية اقتصاديا.

2- تعاظم العسكرة وتجلى ذلك في الاندفاع المحموم في شراء السلاح والمعدات العسكرية (التسلح) والتورط في حروب طاحنة وبالغة الكلفة فضلا عن انتشار الفساد بجميع أنواعه من رشاوى وسرقات وعمولات ومضاربات. وهنا نشير بوجه خاص الى الكوارث التي سببتها حرب الخليج الأولى والثانية والتي التهمت مئات المليارات من الدولارات وأنعشت بذلك تجارة السلاح وشركاته الدولية المدعومة من حكومات البلدان الغربية الكبيرة. وتشير تقارير " البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة " الى أرقام إضافية مذهلة في هذا الصدد، حيث بينت هذه الأرقام أن مجموع ما أنفقته البلدان العربية على الأغراض العسكرية خلال العقود الثلاثة الماضية بلغ ما يقارب من (1899) مليار دولار خصصت لشراء الأسلحة والمعدات والأنظمة العسكرية تحت ذريعة حماية الأمن الوطني والقومي ! وبالمقارنه مع التخصصات المعتمدة في الموازنات العربية للصحة والتعليم والزراعة والصناعة والخدمات يتفوق الإنفاق العسكري بمقاييس كبيرة عليها جميعا.وترتب على ذلك، وضع خطط التنمية في حالة تبعية تامة لخطط الأمن السياسي والعسكري لأنظمة الحكم.

3- زيادة حدة التفاوت الاجتماعي بين الطبقات، وسيادة شرائح مختلفة من البرجوازيات الكومبرادورية والطفيلية.

4- تعاني البلدان العربية من فجوة كبيرة  في ميدان المعرفة و قصور في ميدان الإنفاق على " البحوث والتطوير " وخطط تنمية الموارد البشرية ونقل التكنولوجيا. يشير تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة لعام  2002 أن الاستثمار في الإنفاق على البحث والتطوير في البلدان العربية لا يزيد عن 0.5% من الناتج القومي الإجمالي، أي أقل من ربع المتوسط العالمي مع الإشارة إلى أن إجمالي الدخل القومي العربي لا يعادل خمس الناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا وهي تنفق حوالي 3% من دخلها لتطوير البحث العلمي. هذا في الوقت الذي تبلغ فيه الأمية ما نسبته 38% من السكان. ورغم مرارة هذا الواقع فإن البلدان العربية كافة تواجه بهذه الدرجة أو تلك معضلة حادة أخرى تتعلق بهجرة الأدمغة العربية التي تقدر بالملايين من أصحاب الكفاءات والاختصاصات المهمة، والتي اتسعت باستمرار خلال العقدين الأخيرين، وألحقت خسارة جسيمة بالاقتصاد والمجتمع وضياع فرص تنموية كبيرة. فحسب آخر تقديرات منظمة العمل العربية كانت الخسائر العربية في هذا المجال تقدر في السبعينيات من القرن المنصرم بـ11 مليار دولار، قد تضاعفت اليوم عشرين مرة لتصل إلى 200 مليار. وبالمقابل فانه واستنادا الى دراسة لمركز الخليج للدراسات الستراتيجية صدرت في آبار 2004 أن الدول الغربية الرأسمالية، قد استقطبت ما لا يقل عن 450 ألف من العقول العربية، علما أن العالم العربي يسهم بـ31% من هجرة الكفاءات من الدول النامية إلى الغرب الرأسمالي (بنحو 50% من الأطباء و23 من المهندسين و5% من العلماء من العالم الثالث).

5- أما في مجال الاستثمارات في البلدان العربية فهو الآخر قد شهد انتكاسات عديدة ولم تتحقق الغايات المنشودة في هذا المجال الإنمائي الهام. ولعل ابرز خلل في هذا السياق هو تراكم فوائض الأموال العربية الناجمة عن عوائد النفط بالدرجة الأولى واستثمارها في الغرب الصناعي وحرمان البلدان  العربية منها. وقد قدرت هذه الفوائض المالية بأكثر من 1.5 تريليون دولار نصفها في الأسواق الأمريكية، رغم كل ما يحمله ذلك من مخاطر ناجمة عن التضخم والأزمات الاقتصادية.

وهذا كله يجري في ظل التضييق على الحريات الديمقراطية، وضعف المشاركة في الحكم، وصولا الى أنظمة معادية للديمقراطية في بعض البلدان، ووقوع السلطة في أيدي نخب تعمل على تثبيت قطاع أوسع من الامتيازات لشرائح بيروقراطية تعمل على نهب الثروات وتأصيل الفساد وإفقار الجماهير. وترتب على ذلك، غياب الضمانات والأدوات السليمة لرسم سياسة إنمائية صائبة وتوفير رقابة حقيقية على تنفيذ البرامج والسياسات والأداء الحكومي على أساس من المساءلة والشفافية الكاملة.