اطبع هذه الصفحة

 

 

في ضوء المؤتمر الوطني الثامن ..ما هي الأسباب الفعلية لتعقد الوضع؟الإستقطاب الطائفي (6)

 د. صالح ياسر

“نشرنا في اعداد سابقة خمس حلقات للدكتور صالح ياسر لمناقشة الوثائق الصادرة عن المؤتمر الوطني الثامن للحزب الشيوعي العراقي المنعقد في آيار الماضي، نقوم بنشر الحلقة السادسة على ان ننشر حلقات اخرى تباعا  

توقف المؤتمر الوطني الثامن عند الاحتقان الذي يميز المشهد السياسي، ولاحظ أن الصراعات الطائفية، التي تفاقمت في السنوات الأخيرة ما زالت تتفاعل بوتيرة ملحوظة، وتأخذ أبعادا خطيرة تهدد مجمل العملية السياسية الجارية وهي التي تعاني أصلا من صعوبات عديدة. ويمكن القول أن الاستقطاب الطائفي يشكل، حتى اللحظة، أحد المعالم المميزة لهذه العملية، مما يؤثر على مسارها الأساسي.  ومن المهم التأكيد على أن اشتداد الاستقطاب الطائفي يمثل  تهديداً كبيراً للعملية السياسية ،  نظرا لأنه يقسِّم القوى المشاركة  فيها ويؤجج نقاط  الخلاف ويسهم في خلط الأوراق  ويخلق ثغرات جدية ينفذ منها التكفيريون والصداميون والإرهابيون ورجال الميليشيات ، ويضعف العمل من اجل تحقيق الأهداف الوطنية.

من الطبيعي أن تثير الانقسامات، السياسية/الطائفية، الراهنة، جملة من الملاحظات والأسئلة عن جذور هذا الاستقطاب ومسبباته. وعند البحث عن الأسباب التي أدت الى تفاقم هذه الصراعات، بيّن التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر أنها تتمثل في أربعة رئيسية هي:

1- التركة الثقيلة للنظام المقبور. 

2- إجراءات وسياسة قوات الاحتلال ولجؤوها الى تصنيف أبناء شعبنا على أساس طائفي وقومي.

3- دور قوى الإرهاب التي تعمل من جانبها لإثارة ومفاقمة مشاعر العداء والكراهية الطائفيين، لاستثمارها في معركتها الوحشية لإحباط مساعي بناء  الديمقراطية في العراق.

4- استمراء بعض القوى والأحزاب السياسية نهج الاستقطاب الطائفي والقومي، بديلا عن البرامج السياسية ، في المنافسة مع القوى الأخرى للوصول الى مراكز القرار وتوسيع النفوذ. وقد تجلى ذلك  بوضوح خلال الحملات الانتخابية في اعتماد أسلوب التهييج الطائفي، والسعي الى تأمين الفوز عن طريقه.  فكما هو معروف أدت نتائج الانتخابات الأولى والثانية الى نشوء ميزان قوى جديد وظهور محاولات وممارسات لفرض هيمنة كتلة حزبية طائفية قومية على سائر المجموعات الأخرى. وهكذا بدلا من أن توفر الانتخابات تلك حلولا للمسألة العراقية المركبة وفك تشابكاتها المعقدة بما يتيح انطلاقة جديدة نحو إعادة بناء الدولة على أسس جديدة بعيدة عن المحاصصات، جاءت نتائج البيدر مخيبة لحسابات الحقل !.  

    لقد بيّن المسار الفعلي للتطورات التي تلت 9/4/2003 أن الديموقراطية في بلادنا ولدت من رحم صراعات القوى الطائفية ومعاركها العبثية. وخلال هذه الفترة الساخنة جرّبت كل الوصفات، وكنّا ولا نزال شهود جملة من المواقف " التنظيرية " التي " أسهمت " في فرض هيمنة " ثقافة " الطوائف المتعالية على ثقافة المواطنة العراقية.

استنادا الى الملاحظات السابقة يمكن القول أن واحدة من أهم المخاطر التي تمرّ به بلادنا اليوم هي غياب المقولات الجامعة أو غياب الرؤية الموحِدة على أسس وطنية. ونتج عن ذلك مأزق حاد تمثل في منع إعادة بناء الدولة العراقية الجديدة على أسس عصرية، تكون قادرة على مواجهة تحدّيات متنوعة ومتناقضة. يمكن القول أن تفاقم أزمة نظام المحاصصات الطائفية/الإثنية/القومية أدى الى خلق الشروط " لتحاور " الأقطاب الطائفيين بلغة البنادق. فالخلل إذن قائم في بنية هذا النظام وفي القوى التي استفادت منه، مما خلق ويخلق الشروط لتدهور الأمور وتعمق الأزمة البنيوية بدلا من البحث عن مخارج صحيحة لحلها.

لقد دللّت تجربة أربع سنوات ونيف على سقوط النظام الدكتاتوري، على أن هذا الاستقطاب الطائفي الحاد، انتج " ديموقراطية " ناقصة ومبتورة، وشكلت الميليشيات إحدى ركائز تجديد نظام المحاصصات وإعادة إنتاجه    باستمرار.   

ومن جانب آخر بيّنت تجربة الأشهر الأخيرة أن الانقسام الطائفي في بلادنا له مروده السلبي على السلم الأهلي بالأساس، فهو المعطِل لآليات الوحدة الوطنية ومستلزمات ترسيخها. فالذاكرة الطائفية محكومة بالخوف وعدم الثقة بالخارج. لهذا يسعى كل طرف من " المتحاربين" الى معايير القوة التي تُبعِد عنه كوابيس الماضي القابلة للتكرار في الحاضر. وهنا تصبح الامتيازات المطلوبة من الدولة لكل طائفة على حدة، نوعاً من "الضمانة الشرعيةً" للاستمرار. وبلغة الاقتصاد السياسي يشبه منطق الامتيازات الى حد بعيد منطق الرأسمال في حركته، فعندما يتوقف عن التوسع يبدأ بالموت. وهكذا فان الصراع ينشأ على ما يعتبره كل طرف حقاً مشروعاً له، ولكنه بحد ذاته تدمير لفكرة الدولة.

ودون إهمال تركة النظام المقبور وسياساته في هذا المجال، لا بد من التذكير بأن هذه المسألة صارت اكثر حدّة بعد 2003 لأن الطوائف، الخارجة من أتون عسف ذلك النظام، تبلورت في كيانات سياسية مثل كتلة صوانية كالصخر. فقد أدى انفراط بنية الدولة الى تقوية كيانات الطوائف الى أبعد الحدود، وافرز داخل كل طائفة مؤسسة سياسية (أو مؤسسات) تتطابق مع هويتها السياسية. وجاءت اشهر بعد سقوط النظام المقبور تعزز هذا الاتجاه بالتقاسم الوظيفي للدولة بين المجموعات التي صعدت الى السلطة، وعملياً تغذّت التيارات السياسية الطائفية من خدمات الدولة ومرافقها ومؤسساتها وليس العكس.

 قاد نظام المحاصصات والتوافقية المرتبطة به، والتي حتّمتها ظروف خاصة، الى أن القرارات في الهيئات العامة تتخذ بناء على توزيع الحصص. هذه هي في الواقع مفاعيل الطائفية السياسية كما جرت ممارستها حتى الآن، والتي تحولت من نظام لضمان تمثيل المجموعات ومشاركتها في السلطة الى زبائنية كاملة. وبيّنت التجربة أيضا أن المحاصصة الطائفية (وما ارتبط بها من امتيازات) هي عبارة عن " نظام " يحمي الفساد، ذلك لأن الأولوية بالنسبة لأصحاب المواقع العليا هي الولاء العصبوي - السياسي، وليس كفاءة الأداء، أو معايير السلوك. وبهذا يمكن القول أن هذه السمة " الزبائنية " للنظام تجعل الدولة مجرد مصدر رزق ليس إلا.         ومن البدهي، إذن، أن تتجه الأمور الى تقوية التكتلات الطائفية، وذلك عندما يحصل حدث كبير وخطير بحجم التبدل المحلي/الإقليمي/الدولي بنتيجة خيار الحرب وما تلاه من احتلال وشرعنته بموجب القرار 1483 وما تلاه من قرارات وعدم تبلور مشروع سياسي ناضج يمثل بديلا وطنيا مشتركا. في مثل هذه الظروف يمكن أن يهتز المجتمع، وان تستشعر كل جماعة الحاجة الى التموضع في واقع جديد داخل كيان الدولة المفككة. كل هذه الأمور تجعل من انكماش الطوائف على وحدتها الداخلية مصدر تهديد للوحدة الوطنية، بمعنى أن كل طائفة تُعيد بلورة نظرتها الى الوطن والى موقعها في الدولة من خلال مصالحها – كطائفة - وذلك لأنها تسعى لتعزيز موقعها في المعادلة السياسية وتحسين موقعها التفاوضي مع الآخرين، وفرض ذلك بكل الوسائل بما فيها القوة. هنا يحصل صراع مفتوح على السلطة والثروة في انتظار نشوء ميزان قوى جديد يقوم على تسويات سياسية كبرى، قد لا تحدث قريبا.

في هذه المرحلة بدأت الأزمة مستعصية الحل، ليس لصعوبتها وعمقها بل لعدم توفر الإرادة والرغبة القوية لدى " المتحاربين " على وضع حلول حاسمة ونهائية، وهكذا بدأت تتشظى ويتطاير رذاذ رمادها وحرائقها. ويبدو أن بلورة حلول جذرية لهذه الأزمة يحتاج الى مقاربات متعددة تتطلب إرادة ومواقف سياسية واضحة وصريحة وتنازلات متبادلة تخلق الأرضية المناسبة للتغلب على نظام المخاوف المتبادلة، وان يتم ذلك أولا من جانب القوى ذات النفوذ والتأثير، ولاسيما تلك المشاركة في الحكم وصناعة القرار، التي لا ينبغي بأي حال من الأحوال القبول بما يقدم من مبررات تساعد في استمرار اشتعال الحريق الطائفي وتغذيته باستمرار.

رغم الحريق الطائفي.. ثمة دروس مهمة

    بغض النظر عما جلبته " حروب الطوائف " من مآس وحرائق كبرى وقودها أولئك الناس البسطاء، إلا أن فيها دروسا كبرى لمن يريد أن يتعلم وقبل فوات الأوان.

  أول هذه الدروس وأهمها، هو إقرار الجميع، بما فيهم صقور حروب الطوائف، أن مشروع الدولة الحديثة، الديمقراطية والعصرية، لا يزال مطروحا للتنفيذ باعتباره المخرج الوحيد، الممكن والمقبول، من الأزمة البنيوية الراهنة التي تواجهها بلادنا. فقد دللّت تجربة السنوات الماضية انه لا وجود لوحدة وطنية حقيقية وثابتة خارج مشروع الدولة الديمقراطية العصرية. ومنعا للالتباس لا بد من الإشارة الى أن نظام المحاصصة الطائفية قد لا يكون عنصر الإعاقة الوحيد لهذا المشروع، لكنه الأكثر حدّة، بلا جدال. وهذا يطرح سؤالا حاسما وجادا هو: كيف تتجلى هذه الإعاقة لتبلور مشروع الدولة العصرية وجميع المتحاربين من الطوائف يتحدثون، تحت قبة البرلمان وخارجها، عن " إعادة بناء الدولة العراقية الجديدة ". وقبل الإفاقة من محاولة الإجابة على السؤال السابق هناك سؤال آخر يطرح نفسه بحدة علينا: عن أية دولة يجري الحديث، هل عن دولة تتقاسمها الطوائف أم عن دولة لمواطنين أحرار؟ إن الدولة المقصودة هنا هي الدولة الديمقراطية، وهي تختلف عن " الدولة الطائفية " في كونها " عبارة عن الإطار السياسي الناظم للعلاقات الاجتماعية تحت سقف المصالح المشتركة العليا للمجتمع، وعلى أساس قانون يؤطر هذه العلاقات في صيغ من التعايش الطوعي، الديمقراطي".

الدرس الثاني: هو أن المدخل الأساسي لرفع المصالح الوطنية فوق الجميع، والمباشرة في بناء الدولة العصرية، الديمقراطية، هو ضرورة بلورة آلية طويلة لهدف بعيد، تمكن من تفكيك نظام الطوائف، كبنى سياسية وتنشئ الأرضية لتحقيق مشروع دولة القانون والحقوق والحريات الاساسية. ومن هنا فان الممارسة الديمقراطية، وسيادة القانون، من جهة، وتأصل الثقافة الديمقراطية، من جهة ثانية، تتيح لهذا النضوج أن يسير بوتائر أسرع، من خلال إخماد نظام المخاوف المتبادلة بين الطوائف وما يرتبط به من حرائق ونزيف دم لا ينقطع.

الدرس الثالث: يفترض أي اتفاق بين الطوائف المتصارعة لتجاوز المشهد المأساوي الراهن تقديم حل لهذه المعضلة بإلغاء الطائفية من حالتها السياسية، وضمان حرية كافة المكونات الاجتماعية وحقها في الشراكة بتقرير الخيارات الكبرى للدولة، أو الخيارات المصيرية، وبالتالي إطلاق حركة المواطنية بتجاوز الشكل الطائفي عبر جعل المواطنين سواسية أمام القانون في الحقوق والواجبات. وبغض النظر عن الحقيقة المُرة وهي أن هذا الخيار لا يزال غير ناضج في بلادنا، على المستوى السياسي، لجملة من العوائق الموضوعية والذاتية من بينها عمق الانقسام وضراوة الاحتقان الطائفي، إلاّ أنه مع ذلك يبقى الخيار الوحيد، وربما الأخير، لبناء عراق ديمقراطي.

الدرس الرابع:  هو أن المطروح هنا هو مسار وطني كبير يحتاج الى جملة من الإجراءات الاقتصادية/الاجتماعية، والى إرادة سياسية عند " المتحاربين "، وليس وحدهم، إرادة تراهن ليس على الخنادق الطائفية، بل من خلال الحوار الجاد والقدرة على تقديم تنازلات متبادلة، قد تكون صعبة ومرة وعسيرة في بعض الحالات. فالديمقراطية تقترن بالحرية وتحتاج الى مواطنين أحرار، وليس هناك من حرية في ظل التبعية الاقتصادية وما يرتبط بها من الأشكال الأخرى للتبعية. 

الدرس الخامس، بالإضافة الى الإجراءات أعلاه، ثمة حاجة ملحة الى ثقافة ديموقراطية حقيقية، غير أن هذه غير متوافرة بالمعنى الحقيقي للكلمة اليوم ولكن لا بد من إنتاجها وتنميتها. فنحن نعيش في ظل " ديمقراطية " أقل ما يقال عنها أنها ليست ديمقراطية مواطنين أحرار، وهناك الكثير من الشواهد على ذلك. ولهذا يبدو أن التحدي الأكبر الذي يواجهنا اليوم هو في تجميع القوى المتخطية للطوائف وخنادقها المتبادلة، حول العناوين الكبرى والأساسية لبناء الدولة الديمقراطية العصرية، دولة المواطنين الأحرار المتحررين من أية هيمنة طائفية أو قومية أو عرقية.

وخلاصة القول، انه في انتظار " ساعة اليقظة الوطنية" علينا أن نتذكر أننا سنبقى جميعا وقودا لصراعات لا تنتهي يولّدها المتحاربون في خنادقهم المتبادلة ومعاركهم التي ليس لنا كمواطنين بسطاء أية مصلحة فيها. وإذا استمرت هذه الوجهة سيظل وطننا في هذه المعمعة العبثية مجرد "مشروع وطن يتسع للجميع" مؤجل الى حين.

بحيث لن ينتظر العراقيون "محررا آخر" يأتي من بعيد ! بل يتعين عليهم الرهان على إرادتهم الحرة والمشتركة في بناء وطن يتسع للجميع، بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الطائفة أو الموقع الاقتصادي – الاجتماعي....الخ. وكما جرت الإشارة سابقا فإننا بحاجة اليوم الى جملة من الإجراءات والآليات والأدوات من بينها إنتاج ثقافة سياسية أخرى تخرجنا من هذه الدائرة المفرغة التي وضعتنا فيها " فرادة " تجربتنا السياسية " الغافية " تحت بنادق المتحاربين التي " تحرسها من أي مكروه "!!. وهذه بالدرجة الأساسية مسؤولية الناس الأحرار،ومسؤولية القوى السياسية التي تعود لها المجموعات المتحاربة، المتصارعة باسم هذه الطوائف تحت مختلف الذرائع. ومن اجل تجاوز حالة الاستقطاب الراهنة فان المطلوب من الجميع استيعاب هذا الدروس البسيطة في ظاهرها والبليغة في دلالاتها. وبعكس ذلك لن يكون هناك حديث عن وطن حر ولا عن دولة عصرية بل ولا حتى عن طوائف! فهل سيستوعب "الصقور" و "الحمائم" في الخنادق المتبادلة هذه الدروس ؟. سؤال برسم الإجابة. طبعا لن يكون التاريخ شاهد زور، حتى لو تأخر في إعطاء أحكامه، القاطعة كحد السيف.