اطبع هذه الصفحة

 

 

في ضوء المؤتمر الوطني الثامن..ما هي الأسباب الفعلية لتعقد الوضع؟ تفشي مظاهر الرشوة والفساد(5)

د. صالح ياسر

  “نشرنا في اعداد سابقة اربعة حلقات للدكتور صالح ياسر لمناقشة الوثائق الصادرة عن المؤتمر الوطني الثامن للحزب الشيوعي العراقي المنعقد في آيار الماضي نقوم بنشر الحلقة الخامسة على ان ننشرستة حلقات اخرى تباعا                                                                             

توقف التقرير السياسي الذي أقره المؤتمر الوطني الثامن أيضا عند مظاهر الرشوة والفساد المالي والإداري الذي بلغ مديّات واسعة وغير مسبوقة في تاريخ العراق المعاصر، والذي أصبح, مع الزمن، وباءً يطول مختلف خلايا المجتمع كافة، وبشكل خاص في كل مؤسسات الدولة ودوائرها. فقد اعترف القاضي راضي حمزة الراضي ، رئيس مفوضية النزاهة في العراق، إن نسبة الفساد في الحكومة العراقية بلغ 70% وفق تقارير وتصنيفات هيئة الشفافية الدولية. إن الانتشار الواسع والكبير للفساد في العراق يتناسب طرداً مع كبر حجم الدولة العراقية، واتساع دورها وعمق تداخلاتها في إدارة المجتمع وأنشطته المختلفة، الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية، ويتخذ أشكالاً وتجليات مختلفة ومتنوعة يعاد تطويرها، يوماً بعد يوم، من قبل الفاسدين والمفسدين. 

ومن المهم التأكيد هنا الى أن ظاهرة الفساد تصيب معظم بلدان العالم، لكن بدرجات ومستويات مختلفة. ويقدر البنك الدولي أن الفساد يكلف الاقتصاد العالمي مبلغا قيمته 1.5 تريليون دولار (1500 مليار دولار) في العام ويقلص معدلات نمو الدول بمقدار نقطة واحدة بالمائة سنويا. هذا مع العلم أن البنك المذكور ليس بعيدا عن حالات الفساد.

   ومنعا لأي التباس لا بد من الإشارة الى أن الفساد المستشري حاليا هو ليس نتاج هذه المرحلة فقط، على أهمية وخطورة ذلك، بل هو كذلك امتداد لـ " التقاليد " التي رسخها النظام الدكتاتوري المقبور، هذا اضافة الى اجراءات سلطة الاحتلال وسياساتها التي ساعدت في أن يتخذ الفساد هذه المديّات الخطيرة. إذ أن عدم الالتزام بمقومات الشفافية في عملية إعادة إعمار العراق، أدى إلى انتشار الفساد على مستوى كبير، وعزى ذلك إلى تدفق الأموال بشكل مفرط دون إجراءات صرف وفق الأصول، وعدم وجود نظام بسيط لحصر ما تم العثور عليه في الوزارات والمصالح الحكومية بعد انهيار نظام صدام حسين، إضافة إلى ميراث العراق من الفساد؛ بسبب طبيعة النظام السابق والسياسات المعتمدة آنذاك. فقد حذرت منظمة "الشفافية الدولية" في تقريرها الصادر يوم 16-3-2005 من أن عملية إعادة إعمار العراق يمكن أن تتحول إلى "أكبر فضيحة فساد في التاريخ.

وتتجلى بعض جوانب الفساد في تقرير مراجعة مالية أعده مكتب البحرين التابع لشركة مراجعة أمريكية شهيرة لحساب المجلس الدولي للاستشارة والمتابعة لسلطة احتلال العراق،الذي أنشئ في تشرين الأول 2003 ، ونشر في بدايات تموز  2005 في الصحافة البريطانية (صحيفة "الجارديان"، 7 تموز 2005) ويكشف التقرير عن فضائح فساد مالي من قبل سلطة الاحتلال والحكومة العراقية المؤقتة انذاك. ويؤكد التقرير انه في خلال ثمانية شهور كان فيها " الحاكم المدني بريمر" مطلق اليد في العراق، حيث يقدر أن قرابة 9 مليارات دولار، جلها من أموال شعب العراق قد "اختفت" (حين غادر "بريمر" العراق في 28 حزيران 2004 ، كانت سلطة التحالف قد أنفقت 20 مليار دولار من أموال العراق ، مقارنة بحوالي 300 مليون دولار فقط من أموال الحكومة الأمريكية). واكتشف مراجعو الحسابات أن سلطة الاحتلال لم تحتفظ بحسابات لمئات الملايين من الدولارات التي احتفظت بها نقدا في خزائنها، و أن 8.8 مليار دولار حولت إلى الحكومة العراقية المؤقتة قد ذهبت من دون حساب. والظاهر، بحسب كاتبي التقرير المذكور، أن التغاضي عن مراقبة الصرف بدخل العراق قد استمر حتى بعد مغادرة "بريمر" (هاريمان، بالإنجليزية، 2005 ).

كما رأى منظمة "الشفافية الدولية" المشار إليه أعلاه من أن ما يفرضه نادي باريس، من ضرورة خصخصة الشركات الحكومية العراقية بسرعة كبيرة؛ كشرط لإعادة جدولة ديون العراق، " قد يفسح مجالا أوسع لفرص ممارسة عمليات فساد". وقالت المنظمة إن هناك خطوات رئيسية يجب أن تتخذ بصورة عاجلة قبل أن يتحول الفساد المحيط بالعملية إلى وباء لا يمكن التخلص منه.

وبالمقابل فانه في ظل عدم تبلور استراتيجية تنموية واضحة لحد الآن، تنامى دور الفئات المرتبطة بالتهريب وبرأس المال التجاري والمضارب ذي الطابع الطفيلي المرتبط بوشائج مختلفة برأس المال الأجنبي، ولا بد أن يؤدي ذلك الى استشراء الفساد. إن هذه " الرأسمالية الجديدة " تتعامل مع الأنشطة الطفيلية وخاصة التجارة وتهريب المحروقات وغيرها، تمارس قطاعات عريضة منها الفساد والإفساد، وتنظر الى العراق باعتباره حقلا لأعمال المضاربة، تنشر فيه اقتصاد الصفقات والعمولات، وتقيم مجتمع الرشاوى والارتزاق، وتدمر منظومة القيم الاجتماعية.

هكذا نحن، إذن، أمام خريطة جديدة من علاقات القوى الطبقية والاجتماعية التي يجري الآن تشكيلها تحت وقع سياسات إدارة الأزمة المتبعة من جهة، وكذلك سعي قوات الاحتلال، بالتعاون مع العديد من القوى، لدفع العراق سريعا على طريق اقتصاد السوق المنفلت عبر إزالة الضوابط وحجب الصلاحيات عن مؤسسات الدولة وفتح الاقتصاد العراقي على مصراعيه وتهيئة الأجواء للخصخصة الواسعة بدون أية ضوابط مما يفتح المجال ويخلق الشروط لاتساع ظاهرة الفساد.

   لهذه الأسباب، وغيرها، يمكن القول أن الفساد لم يعد مجرد نشاطات فردية أو محدودة بل امتد ليشمل كافة قطاعات المجتمع والاقتصاد والدولة. انه ظاهرة اقتصادية/اجتماعية/سياسية مركبة، وهو لهذا السبب يحتاج الى مقاربة مركبة تنظر إليه كبنية محددة من لحم ودم.

   وتعني الملاحظة السابقة أن الفساد لم يعد مجرد حالات محدودة هنا وهناك، بل صار بنية تحتية تزداد رسوخاً وتتحول أكثر فأكثر إلى أرضية ينهض عليها بناء فوقي متشعب يخترق كل شيء: من الإدارة إلى الوضع الاقتصادي الذي أنجبه نمط تنمية ملتبس، إلى " نمط ثقافة " يسود ، إلى هيكلية تنظيمية تجعل مالكي السلطة قادرين على ترجمة ملكيتهم الرمزية والمعنوية إلى ثروة. وطبيعي أن هذه السيرورات تجري في غياب المؤسسية، وغياب المشاركة ودور الرأي العام والرقابة المؤثرة والفاعلة، وضعف القضاء النزيه والمستقل، والسلطة التشريعية التي تمارس رقابة عامة وشاملة، وأخيراً غياب الشفافية عن الدولة وإعادة بنائها التي تتجاذبها مصالح متناقضة واستراتيجيات إعادة بناء مختلفة.

الحاجة ملحة الى معالجات مركبة لظاهرة الفساد في العراق

وفي ضوء ما سبق يمكننا القول إن الفساد في العراق ظاهرة مركبة بامتياز، ومعالجتها لن تكون مثمرة وناجحة إلا عندما تكون معالجة سياسية/اقتصادية/اجتماعية. فحملة مكافحة الفساد، مهما اشتدت هجماتها، ومهما كان حجم العقوبات الرادعة بحق الفاسدين والمفسدين (وهو ما لم يتم لحد الآن بالقوة المطلوبة)، ليست أكثر من مسكّنات ألم، تخفف من آثار هذا المرض الخطير ولا تعالج أسبابه. ومن المؤكد أن عمليات مكافحة الفساد لن تؤتي ثمارها، ولن تجدي نفعاً في حل هذه الظاهرة/المعضلة، حلاً شاملاً، وفي استئصال أسباب الفساد وجذوره الضاربة عميقاً في المجتمع والدولة، طالما يتم التغاضي عن المناخ السياسي/الاجتماعي، الذي نما وترعرع فيه الفساد، ووصل إلى ما وصل إليه اليوم. الأمر الذي يقودنا إلى تلمس الضرورة الملحة لإعادة العلاقة الطبيعية بين السلطات الثلاث التنفيذية والقضائية والتشريعية، بما يفسح في المجال لفصل القضاء عن المصالح السياسية المتناقضة، ولتوفير التربة الخصبة لنمو دور القضاة الطبيعي في تكريس سيادة القانون وقيم العدالة في المجتمع، جنباً إلى جنب، مع ضرورة إشاعة حرية انتخاب واختيار الأشخاص الأكفاء والبعيدين عن الأغراض الشخصية، إلى المناصب العامة، إضافة إلى حرية التعبير والرأي والنشاط السياسي. هذا إضافة طبعا الى ضرورة إجراء إصلاح اقتصادي شامل وبلورة استراتيجية جديدة للتنمية تكون من أولوياتها تغيير البنية الأحادية والمشوهة ذات الطبيعة الريعية للاقتصاد الوطني، وتحسين مستويات معيشة السكان والقضاء على البطالة. ولا يمكن طبعا إنجاز هذه القضايا من دون تحقيق نقلة نوعية على الصعيد الأمني المتردي والذي يلقي بثقله السلبي ويشيع مشاعر القلق والخوف في أوساط المجتمع وموظفي الدولة والمخاطر الدائمة التي يتعرضون لها.

ومقابل ذلك لا بد أن تنصب الجهود على تعزيز دور منظمات المجتمع المدني في مكافحة الفساد وبناء قدراتها في هذا المجال. فثمة تجارب عديدة تشير إلى أن جهود بعض المنظمات غير الحكومية في رصد حالات الفساد والدفاع عن المجتمع إزاءها قد تؤتي ثمارها من حيث فضح الممارسات الفاسدة وتعبئة الرأي العام للضغط في سبيل وضع سياساتٍ قوية لمكافحة الفساد.

وإذا كانت مثل هذه المعالجة الجذرية لظاهرة الفساد، هدفاً بعيد المنال في المدى المنظور على ما يبدو، بسبب طبيعة وحجم الخراب الاجتماعي وضعف مؤسسات الدولة وخصوصا الأمن والقضاء؛ فإن أسلوب المحاسبة والمعاقبة (الذي قد يطول بعض الرموز الفاسدة، بين فترة وأخرى) رغم أهميته، سيبقى قاصرا وعاجزا إذا لم يترافق مع إجراءات فورية، تزداد إلحاحاً يوماً بعد يوم، تساعد على محاصرة بؤر الفساد وعزلها في جزر صغيرة، ما أمكن ذلك، وبما يخفف إلى الحد الأدنى من مخاطرها تجاه المجتمع والدولة.

هذه الإجراءات الفورية ينبغي أن ترتكن إلى ضرورة تحسين الوضع المادي للعاملين في الدولة بما يوفر حداً من الأجور يتناسب مع متطلبات المعيشة ومستويات الأسعار، ويقيهم من الانحرافات التي تفرضها وطأة الحاجة لمستلزمات وشروط الحياة المتنامية باستمرار والناجمة عن اعتماد " أنماط تنموية " وسياسات اقتصادية ملتبسة، تفضي الى تعميق الاستقطاب الاجتماعي بدلا من تقليصه. إن ذلك يعني، ببساطة شديدة، زيادة حدّة الصراع الاجتماعي، وتعزيز الاستقطاب الطائفي ونظام المحاصصات، وبالتالي تقليص الآمال في تحقيق الانتقال الديمقراطي، الذي تحتاجه بلادنا اليوم بعد عقود عجاف من العسف والاستبداد وقيامات الحروب، المحلية والخارجية.

وإذ يشكل الفساد العائق الأكبر أمام أية عملية إصلاح شاملة، فإن المحاربة الفعالة للفساد تشكل مفتاح إطلاق طاقات المجتمع العراقي البشرية والمادية. من أجل ذلك، فان العراق بحاجة ماسة لحملة شاملة لمكافحة الفساد والإفساد، لا تقوم على استخدام صحيح لأجهزة التفتيش بالدرجة الرئيسية فقط، على أهمية ذلك، بقدر ما تقوم على إشراك فاعل للمجتمع في اتخاذ القرار ومراقبة تنفيذه والمحاسبة على نتائجه.

لقد أكد حزبنا في العديد من المناسبات والمنابر، على أن القضاء على الفساد يستلزم اعتماد جملة من القضايا من بينها:

- ضرورة ربط عملية الإعلان عن قضايا الفساد بإجراءات سريعة ورادعة.

- ضرورة تحييد قضايا الفساد، أي أن لا يدافع أي حزب عن محازبيه حال اتهامهم بالفساد.

- أن يكون للقضاء الكلمة الفاصلة، بعيدا عن الاتهامات الكيدية، وان يجري التمسك الحازم بالقاعدة القانونية المعروفة: المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

- وكل هذا يجب أن يرتبط بإبعاد القضية عن الصراعات الحزبية.

- وأن لا تقف العملية عند حكومة معينة، وان يتم ضمان نزاهتها ووصولها الى غايتها المرجوة.

وأخيرا، لا بد من التأكيد على أن الرهان على مكافحة الفساد يعادل الرهان على مكافحة الإرهاب، فهما وجهان لعملة واحدة، يغذي أحدهما الآخر ويمده بالحياة والاستمرارية. كما أن أي نجاحات جادة تسجل على أي من الصعيدين ستساعد أيضا في تحقيق نجاحات على الصعيد الآخر.