“نشرنا
في اعداد سابقة ثلاث حلقات للدكتور صالح ياسر لمناقشة الوثائق الصادرة عن المؤتمر
الوطني الثامن للحزب الشيوعي العراقي المنعقد في آيار الماضي نقوم بنشر الحلقة
الرابعة على ان ننشرستة حلقات اخرى تباعا
في معرض بحثه عن الأسباب
الفعلية لتعقد الوضع، أشار التقرير السياسي الذي أقره المؤتمر الوطني الثامن الى
جملة من الأسباب هي:
أولا: الحرب وآثارها
واستحقاقاتها .
ثانياً: ترتب على سقوط النظام
وعلى الاحتلال، وانهيار دولة العراق "الحديثة" القائمة منذ ما يقارب الثمانين
عاما ، تخلخل عاصف في التوازنات الرئيسية للكيان السياسي العراقي
ثالثا: السياسات الفاشلة لـ
"سلطة التحالف المؤقتة"، وسعيها الدائب طيلة فترة وجودها، الى منع تشكيل أجهزة
أمنية ـ عسكرية عراقية كفوءة، في ظل انهيار كامل لمؤسسات الدولة رافق عملية سقوط
النظام ، أجهزة بديلة عن تلك القديمة التي انحلت فعليا، ثم أعلن حلها رسميا
بقرارات شكلية صادرة عن قوات الاحتلال
رابعا: سوء تصرفات الإدارة
الأمريكية الناجم عن توجهات الأصولية الليبرالية الجديدة في الولايات المتحدة ،
وما وضعه صقورها من خطط لـ "إعادة بناء العراق" بعد انهيار النظام الدكتاتوري.
خامسا: تفشي مظاهر الرشوة
والفساد. وهنا أيضا لا يمكن إخراج سلطة الاحتلال من دائرة المساءلة
سادسا : التعقيدات المرتبطة
بتفاقم الإرهاب والتخريب والقتل وتدخلات دول الجوار والإقليم في هذا الملف ، وما
استجد في إطار ذلك من تصفيات على الهوية ، واغتيالات ، وأعمال اختطاف ، ومن
تفاقم حدة الاستقطاب الطائفي.
سابعا: الإشكاليات
والانتهاكات الفظة التي رافقت الانتخابات الأولى والثانية ، وما أنتجت من موازين
قوى ، ومن استقطاب طائفي – قومي ما زال يترك بصماته على مجمل الحياة السياسية .
ثامنا : ضعف التنسيق بين
القوى والأحزاب الوطنية والديمقراطية ، لاسيما تلك التي ناضلت ضد النظام
الدكتاتوري، وعدم ارتقائه الى مستوى المخاطر المحدقة ، وتغليب بعض القوى مصالحها
الضيقة ، مما يسهّل لأعداء التغيير الديمقراطي عرقلة العملية السياسية.
في هذه الحلقة سنركز الحديث
عن السببين: الثالث والرابع وهما:
* سوء تصرفات الإدارة
الأمريكية الناجم عن توجهات الأصولية الليبرالية الجديدة في الولايات المتحدة،
وما وضعه صقورها من خطط لـ "إعادة بناء العراق" بعد انهيار النظام الدكتاتوري.
* السياسات الفاشلة لـ "سلطة
التحالف المؤقتة"، وسعيها الدائب طيلة فترة وجودها، الى منع تشكيل أجهزة أمنية ـ
عسكرية عراقية كفوءة، في ظل انهيار كامل لمؤسسات الدولة رافق عملية سقوط النظام ،
أجهزة بديلة عن تلك القديمة التي انحلت فعليا، ثم أعلن حلها رسميا بقرارات
شكلية صادرة عن قوات الاحتلال.
وحتى نعمق فهمنا للأسباب
الفعلية لتعقد الوضع فإن القراءة السليمة لـ "سوء تصرفات الإدارة الأمريكية"
و"السياسات الفاشلة لـ "سلطة التحالف المؤقتة" لن تكون ممكنة إلا إذا تم ربط
السببين أعلاه، وليس وحدهما طبعا، بالاستراتيجية التي تعتمدها هذه السلطات
والسياسات التي تطبقها لإدارة الأزمة البنيوية التي تمر بها بلادنا.
ومنعا لأي التباس في تفسير
مضمون هذه الأطروحة، لسنا، في واقع الأمر، أمام سياسات فاشلة ولا سوء تصرفات
بالمعنى الشكلي للأمور، بل نحن أمام استراتيجية من لحم ودم لإدارة الأزمة التي
تعيشها بلادنا في لحظة تطورها الملموسة. نظرا لضيق المساحة المخصصة لهذه
المساهمة، لن نتحدث هنا عن تفاصيل هذه الاستراتيجية، بل أن الذي يهمنا التأكيد
عليه هنا هو أن واقع ممارسات سلطة الاحتلال، بغض النظر عن "أخطائها التكتيكية"
المعروفة، يبيّن أنها تدير الأزمة الراهنة استنادا الى نظرية الفوضى البناءة.
ولهذا سنركز حديثنا هنا على هذه النظرية لكي نتمكن من فهم عميق لهذه "السياسات
الفاشلة" و"سوء تصرفات الإدارة الأمريكية ".
في ظل الأوضاع التي عاشها
العالم خلال فترة ما يقارب العقد والنصف من تحولات عاصفة من بينها صعود المحافظين
الجدد في الولايات المتحدة شهدت مراكز "التفكير الاستراتيجي" في هذا البلد تفريخ
العديد من المفاهيم والنظريات لعل أبرزها نظرية" الفوضى البناءة".
وقبل الحديث عن هذه النظرية
لا بد من الإشارة الى انه لا يمكن فهم الجوهر والمغازي الفعلية لنظرية الفوضى
البناءة دون ربطها بالتحولات الجذرية التي شهدتها الاستراتيجية الأمريكية بعد
أحداث 11 سبتمبر 2001 . وهذا يستدعي عرضا مكثفا لأبرز معالم هذه الستراتيجية كما
أشار إليها التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر الثامن (راجع الجزء الخاص بالوضع
الدولي من التقرير) وهي:
- الانفراد بالتفوق العسكري
المطلق بما يحقق السيطرة الستراتيجية الكاملة. لاشك أن قراءة متفحصة لجوهر
العقيدة العسكرية الجديدة تكشف لنا أنها لا تطول فقط إحداث ما يسمى بـ"الثورة في
المسائل العسكرية" بل توظيف هذه التقنيات الجديدة لتحقيق " تفوق نوعي على الخصم
"يتيح ضمان مبدأ "السيطرة الستراتيجية" بالمطلق. وبالملموس فقد حدد رامسفيلد،
وزير الدفاع الأمريكي السابق، في حديث له أمام طلاب جامعة الدفاع الوطني في
31/1/2001، جوهر العقيدة العسكرية الجديدة بأنه يتمثل في:
* امتلاك قوة ردع فوق أربعة
مسارح معا؛
* الانتصار على قوّتين
تهاجمان الولايات المتحدة، (أي مسرحين للحرب)؛
* خوض هجوم مضاد قوي؛
* احتلال عاصمة بلد معاد
وإقامة نظام جديد فيها.
ويعني هذا إضفاء تعديل هام
على العقيدة العسكرية التي ظلت سارية المفعول لحد الآن.
- التخلي عن "ستراتيجية الردع
والاحتواء" التي حكمت السياسة الأمريكية إبان "الحرب الباردة" وتبني ستراتيجية
"الهجوم الوقائي". ويعد هذا تحولا مهما في الفكر الاستراتيجي الأمريكي. واستنادا
إلى تصريحات مسؤولين أمريكيين كبار فإن المبدأ الستراتيجي الجديد يبتعد كثيرا عن
سياسة الحرب الباردة التي كانت تقوم على الردع والاحتواء ليصبح جزءا من أول
استراتيجية للأمن القومي تقوم على فكرة الهجوم الوقائي. واعتبر العديد من
المحلّلين هذا التوّجه أكبر تغيير في الاستراتيجية الأمنية - العسكرية منذ حقبة
أربعينيات القرن العشرين حين أسس الرئيس هاري ترومان الـ (سي آي إي) والـ(اف بي
آي) والبنتاغون. فهذه الستراتيجية ستبتعد عن مبدأ عمره أكثر من نصف قرن في
السياستين الدفاعية والخارجية الأمريكية هو الاحتواء والردع، وتقترب من نظرية
(التدخل الدفاعي) و(الهجوم الوقائي).
- صياغة تعريف جديد للأخطار
التي على الولايات المتحدة مواجهتها. فجمع في "معسكر الأعداء" نفسه "المنظمات
الإرهابية" ذات "التطلعات الدولية" والدول التي تساندها وخصوصا تلك التي يمكن أن
تمدها بأسلحة الدمار الشامل (النووية والبيولوجية والكيميائية) والتي تقوم هذه
الدول بتطويرها. فالخطر لا يتحدد فقط بمصدره بل أيضا بطبيعته.
- توظيف المفاهيم والشعارات
الإيديولوجية واعتمادها كأدوات أساسية في خدمة الستراتيجية الأمريكية في الخارج.
- استكمال بناء أدوات السيطرة
العسكرية على مراكز الطاقة في العالم بدأً من الشرق الأوسط وصولا إلى نفط آسيا
الوسطى. وبهذا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية التحكم في السياسة العالمية عبر
الهيمنة الاقتصادية.
هنا لابد من التذكير بأن
هذه الأفكار ليست في مجملها جديدة. فهناك إدارات أخرى سعت إلى تفضيل هذه الركيزة
أو تلك. لكن الشيء المهم هنا هو انه لم يصل التفكير الستراتيجي قبل اليوم إلى
بلورة هذه الركائز بهذا القدر من التماسك والوضوح والحماسة، إلى درجة يمكن معها
القول أننا نشهد انقلابا في التفكير الاستراتيجي في الولايات المتحدة الأمريكية.
ومسار الأحداث خلال السنوات الأخيرة أكد بما لا يدع الشك إن القضية برمتها تدور
حول خلق الآليات الكفيلة لتحقيق الهيمنة على العالم وإعادة إنتاجها في أحسن
الظروف وأفضل الشروط. وقبل ما يقارب القرن والنصف قال الاستراتيجي الألماني
الكبير (كلاوزفيتز) في مسعاه لصياغة تعريف دقيق للاستراتيجية بأن “الأهداف
السياسية هي النهاية، والحرب هي الوسيلة".
في التنويعات التطبيقية لتلك
الستراتيجية توالدت مفاهيم عديدة، حيث يواصل الجناح الأمريكي المحافظ المسيطر
حاليا على مجريات السياسة الأمريكية جهوده لتطبيق نظريتي "التفكيك النظيف"
و"الفوضى البناءة" بهدف إعادة رسم الخريطة الجغراسياسية في منطقة الشرق الأوسط
لتكون بمثابة نموذج يطبق فيما بعد على المناطق الأخرى..
وإطلاق مصطلح "الفوضى
الخلاقة" في هذا الوقت بالذات لا يعني سوى شيء واحد، وهو أن مرحلة جديدة من مراحل
تطور السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط بدأت، وهي سياسة تضمر في باطنها
دائماً ما لا يستطيع ظاهرها أن يعلنه.
ما الذي تعنيه الفوضى
البناءة"؟
دون الدخول في تفاصيل لا
ضرورة لها يمكن القول أن مفردات هذه النظرية يمكن إجمالها في ما يلي:
-إن منظري الاستراتيجية
الأمريكية ينطلقون في بناء مفهوم "الفوضى البناءة" من فكرة قوامها أن الوضع
الحالي "ليس مستقراً" وإن الفوضى التي تفرزها عمليات "التحول الديمقراطي" في
البداية هي من نوع "الفوضى الخلاقة" التي ربما تنتج في النهاية - حسب الزعم
الأمريكي والذي تحدثت عنه اكثر من مرة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليسا رايس-وضعاً
أفضل مما تعيشه المنطقة حالياً.
تفكيك الوضع القائم في بلد
ما، ولو أدى ذلك إلى حدوث فوضى مؤقتة تمهيدا لإعادة تركيب هذا البلد على أسس
جديدة ملائمة أكثر لمصالح أمريكا ومخططاتها في المنطقة.
حلحلة الأمور ونقلها من مرحلة
الجمود إلى مرحلة المرونة والهلامية والحركة لكي يمكن التدخل وتشكيل الأمور
وتطبيق السيناريوهات الجاهزة.
تهدف "الفوضى البناءة" الى
إعادة رسم الخريطة الجغرافية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط لتكون بمثابة نموذج
يطبق فيما بعد على المناطق الأخرى.
ومن وجهة نظر تاريخية لا بد
من التذكير بأن أول من قام بصياغة مفهوم "الفوضى البناءة" هو مايكل ليدن, العضو
البارز في معهد"أمريكان إنتربرايز",المعروف بكونه "قلعة" المحافظين الجدد في
واشنطن, والمؤسسة الهامة في بناء وصياغة مشروعات الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش
السياسية في الشرق الأوسط,وهو أيضا المنبر الذي اعتاد الرئيس أن يختاره كثيرا
ليعلن فيه مشروعاته السياسية الكبرى في المنطقة. وأرتبط اسم مايكل ليدن بعد
الحادي عشر من سبتمبر 2001 بنظرية "التدمير البناء", وهو القائل بان "التدمير
البناء هو صفتنا المركزية وأن الوقت قد حان لكي نصدر الثورة الاجتماعية.
وقد آجري البروفسور توماس
بارنيت أحد أهم المحاضرين الرئيسيين في وزارة الدفاع الأمريكية منذ سبتمبر2001.
بعض التطويرات على نظرية "الفوضى البناءة". فقد لخص رؤيته لما كان يعرضه في
البنتاجون,في دراسته التي أعطاها عنوان "خريطة البنتاجون" المنشورة عام2004 .
ويحدد بارنيت الشرق الأوسط
كمنطقة للبدء بتطبيق الاستراتيجية الجديدة،ويقول إن الدبلوماسية لا تعمل في
منطقة, لا توجد اكبر مصادر تهديد الأمن فيها فيما بين الدول وبعضها, لكن هذه
التهديدات تكمن داخل دول المنطقة ذاتها. ويصل البروفسور بارنيت إلي مرحلة "الفوضى
البناءة", حيث يتصور شكلا معينا لإمكان حدوثها, من نوع الانهيار الكبير أو التفكك
الإقليمي. إن الاستجابة لتوسيع دائرة فهم " الفوضى البناءة", راجع إلى أنها
لم تعد مجرد طرح نظري فقط, ولكنها ستراتيجية يجري تنفيذها بالملموس ووفق خطوات
محددة.
ويبدو من قراءة صاحية للأفكار
أعلاه أن "صناعة الفوضى" نابعة على ما يبدو من إيمان عقائدي عميق لدي من يصنعون
السياسة الخارجية الأمريكية والقائم على فكرة مضمونها أن التغيير في حد ذاته لا
يكفي, وأن الأوضاع الداخلية في المنطقة وثقافتها تحتاج تحولا شاملا
Transforming .ومن هنا كان ولع
المنظرين الاستراتيجيين هؤلاء بمفاهيم من قبيل " التدمير الخلاق " و"الفوضى
البناءة",التي تعقبها إزالة الأنقاض والأشلاء,ثم تصميم جديد لبناء مختلف!
من العام الى الخاص/المثال
العراقي نموذجا
منذ انهيار النظام الدكتاتوري
والعراق يعيش حالة مخاض عسيرة ويمر في أوضاع غاية في الصعوبة والتعقيد والخطورة،
والناجمة عن خيار الحرب واستحقاقاته وما تركه من تداعيات، والستراتيجيات"الملتبسة
"التي اعتمدتها القوى التي نفذت التغيير، هذا طبعا إضافة الى نشاط القوى
الإرهابية والتكفيرية تحت مختلف العناوين. والمتابع الدقيق لهذه التطورات واضطراب
الأوضاع الأمنية سيستنتج بأن الأمور تبدو وكأنها تمثل تطبيقا عمليا لنظرية "
الفوضى البناءة "حيث لم يتم تغيير النظام فقط حسبما أعلنت الحكومة الأمريكية
باعتباره هدفها الرئيسي من حرب العراق, بل أن الذي تم هو تحطيم النظام وهدم
الدولة المقترن بعدم وضع بديل جاهز موضع التطبيق العملي.
ولهذا يمكن الاتفاق مع الذين
ينفون الفكرة القائلة بان حكومة بوش ووزارة الدفاع, لم يكن لديهما خطط جاهزة
للعراق في فترة ما بعد الحرب, فالمتابع للكثير من الوثائق الرسمية الأمريكية
يستطيع أن ينفي هذا القول.فمن المعلوم أن وزارة الخارجية الأمريكية كانت قد أعدت
قبل بدء الحرب دراسة شاملة ومستفيضة تضمنت خرائط تفصيلية لخطط "إعادة إعمار
وإدارة العراق "ودربت العديد من العراقيين على تنفيذ مفاصلها المختلفة, لكن
البيت الأبيض "تجاهل" هذه الدراسة كما لم يعرها البنتاغون اهتماما. هكذا إذن فانه
في ظل عدم تطبيق بديل معين فان إزاحة النظام الدكتاتوري قد خلقت فراغا, لم تملؤه
على ما يبدو سوي مفاعيل واليات "الفوضى البناءة "!!.
وبالملموس فإنه وفقا لحسابات
صناع استراتيجية تغيير النظام الدكتاتوري، كان مفترضا أن يؤدي تطبيق نظرية "
الفوضى البناءة " هذه بنجاح في العراق إلى تكرارها على صعيد المنطقة لإعادة تركيب
العالم العربي على قواعد وتحالفات جديدة ملائمة لواشنطن.
يبيّن منطق تطور الأحداث
والممارسات الملموسة لسلطة الاحتلال منذ شرعنتها بموجب القرار 1483 أنها لا تطرح
سياسات لحل الأزمة البنيوية المتعددة الصُعد بل تقدم حلولا لإدارة هذه الأزمة،
والفرق بين الاثنين واضح وضوح الشمس ويفقأ العين. ولهذا فان سؤالا ربما يبدو في
ظاهره "ساذجا" يطرح نفسه: لماذا؟ إنه سؤال برسم الإجابة التفصيلية. ولكن من دون
الدخول في تفاصيل مملة يمكن القول إن الحاجة ملحة لمستوى معين من "الفوضى
المنظمة" لكي يمكن إدارة الأزمة وليس تجاوزها!