اطبع هذه الصفحة

 

 

في ضوء المؤتمر الوطني الثامن..طبيعة المرحلة وتناقضاتها الملموسة (3)

د.صالح  ياسر

 (نشرنا في اعداد سابقة حلقتين للدكتور صالح ياسر لمناقشة الوثائق الصادرة عن المؤتمر الوطني الثامن للحزب الشيوعي العراقي المنعقد في أيار الماضي.

نقوم اعتباراً من هذا العدد بنشر الحلقة الثالثة على ان ننشر سبعة حلقات اخرى تباعاً).

الناحية العملية لم يحصل تغير جوهري على مكونات التناقض الرئيسي بسبب ارتباطها بطبيعة المرحلة الانتقالية وتأثير القوات المتعددة الجنسية على ذلك.

على صعيد الاقتصاد اصبح الوجه الرئيسي للتناقض هو القطاع النفطي. 

الصراعات السائدة في العملية السياسية تحصل بتأثير فعل عوامل وضغوطات داخلية وأقليمية ودولية وما تلعبه امريكا في ذلك.

شخص البرنامج الذي اقره المؤتمر الوطني الثامن المرحلة التي تمر بها بلادنا بعد 9/4/003 بأنها مرحلة انتقالية ذات طابع استثنائي يعيشها مجتمعنا واقتصادنا، و تنطوي على أزمات موروثة من النظام المباد وسياساته، وأخرى مستحدثة افرزها الاحتلال وانهيار مؤسسات الدولة والتناقضات والصراعات الجارية حول عملية إعادة بناء الدولة واتجاهات تطورها ومضامينها. ويهمنا في هذه الحلقة أن نتعرف بشيء من التفصيل عن طبيعة المرحلة واستثنائيتها وما تحمله من تناقضات. وقبل البدء بذلك لا بد من بعض الملاحظات التمهيدية الضرورية بهذا الصدد 

  1.      الملاحظة الأولى: إن أمر تحديد التناقضات وإشكاليات تجلياتها الملموسة وأطرافها ليس ترفاً فكريا أو تمرينا ذهنيا يمارس في غرف مكيفة مقطوع الجذور عن الواقع ونبضه، بل لا بد من التعامل معه بكل جدية وصرامة عبر قراءة دقيقة وتفصيلية للواقع السياسي/الاجتماعي وتناسبات القوى الفعلية السائدة فيه، في اللحظة التاريخية الملموسة.

  2.  الملاحظة الثانية: تترتب على تحديد التناقضات، والاهم فيها التناقض الرئيسي وهو سياسي بامتياز، جملة من الاستحقاقات، ناهيك عن أن أمر تحديده يتعلق بطبيعة المرحلة المعنية وقواها المحددة وطبيعة الاصطفافات السياسية/ الطبقية وكيفية التعامل معها والتأثير فيها. وبعبارة اكثر تبسيطا، يتعلق الأمر هنا، استنادا الى تحديد التناقضات وفي مقدمتها تشخيص التناقض الرئيسي للمرحلة، بقضية تحديد ما تعارف عليه الماركسيون "الحلفاء الثابتين والمؤقتين" وكذلك الخصوم، وأيضا القوى القادرة على التأثير في هذا التناقض وحله لصالح دفع العملية السياسية الى الأمام، بما يمكن من خلق ميزان قوى جديد، يليها طبعاً تبلور تناقضات جديدة تمثل انعكاسا لميزان قوى جديد.

  3.  الملاحظة الثالثة: لا يمكن فهم مضمون البرنامج ومهماته الكبرى بمعزل عن الفهم الذي وصل له الحزب في مسعاه لتحديد طبيعة المرحلة التاريخية الراهنة من تطور بلادنا، ومحتوى الصراع المتعدد الأشكال والأبعاد، المحتدم، وخصوصا المهام الملموسة لهذه المرحلة في ظروف العراق الخاصة.

وفي ضوء الملاحظات أعلاه يمكن القول أن فهم طبيعة المرحلة الراهنة يستلزم معرفة تناقضاتها الناظمة، وهو ما نحاول عرضه هنا.

 كما هو معروف، طوال الفترة التي هيمن فيها النظام الدكتاتوري المقبور ظل التناقض الرئيسي كما هو، ممثلا بالتناقض بين النظام المذكور ومؤسساته والقاعدة الاجتماعية التي يستند عليها من جهة وبين قطاعات واسعة من الشعب وقواه السياسية المناهضة له، من جهة أخرى، وقد أشار التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر الوطني السابع للحزب (آب 00) الى هذه القضايا بالتفصيل.

غير انه وبعد سقوط النظام الدكتاتوري المقبور في 9/4/003، وقيام سلطة الاحتلال بموجب القرار الأممي 483 ، بدأ في التشكل واقع اجتماعي/اقتصادي وسياسي جديد، وبالتالي تبلور تناقضات جديدة.

 تواجه العملية السياسية في هذه المرحلة ثلاثة أنواع من التناقضات أو الصراعات.

< النوع الأول التناقض مع قوى الاحتلال وتتنوع أشكال ووسائل حله.

< النوع الثاني يتمثل في الصراع بين مكونات العملية السياسية مجتمعة مع القوى المناهضة لها، من أتباع النظام السابق والإرهابيين والتكفيريين بالدرجة الأساس.

< والنوع الثالث يمثل التناقضات بين القوى المكونة للعملية السياسية تتمحور حول الرؤى والمشاريع المجتمعية المختلفة لمكوناتها والقوى والتيارات المشاركة فيها.

بعد 9/4/003 انهار أحد أطراف التناقض الرئيسي، وحل محله تناقض رئيسي جديد بأطراف جديدة، علينا أن نتتبع مساره بشكل تفصيلي.

هكذا إذن فإنه ومنذ سقوط النظام الدكتاتوري، وقيام سلطة الاحتلال بموجب القرار الأممي 483 ، بدأ في التشكل واقع اجتماعي/اقتصادي وسياسي جديد. هذا الواقع أو المجتمع "الجديد" ، رغم أنه ولد على أنقاض النظام السابق وكان يمكن أن يتخذ مداه الرحب نحو تحول حقيقي صوب الديمقراطية، التي كان يحتاجها المجتمع العراقي بعد عقود من العسف والدكتاتورية. غير أن خيار الحرب وما ترتب عليه من استحقاقات للقوى التي قامت بالتغيير، قد حوّل العملية السياسية برمتها وفق اتجاهات حدّدها ميزان القوى الجديد وعنصره المقرر – سلطة الاحتلال المشرعنة لاحقاً بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 483 .

هكذا إذن، في المرحلة الجديدة التي تلت رحيل النظام الدكتاتوري، بدلا من أن تنطلق عملية سياسية جديدة تشكل نفيا للنظام المذكور وتأسسا لبناء نظام جديد يقوم على أسس ديمقراطية ويرسي معالم دولة القانون، فإن هذه العملية سرعان ما تحولت عن مسارها الواعد نحو دمقرطة المجتمع، بفعل إرادة الطرف الذي أنجز "عملية التغيير" عبر خيار الحرب، ونشاط قوى الإرهاب وعناصر النظام السابق وحزبه، ونزعات الاستئثار بالسلطة من طرف بعض القوى المنخرطة في العملية السياسية والمتنفذة فيها. هكذا إذن جاءت سلطة الاحتلال لتدفع بتبلور التناقض الرئيسي في هذه المرحلة وتكسبه بعدا جديدا، وتصبح جزء مقررا من البناء الفوقي السياسي والحقوقي (قوانين وقرارات الحاكم المدني بريمر) الذي "تقاسمته" هذه السلطة مع السلطة العراقية الجديدة ممثلة بـ (مجلس الحكم الانتقالي) الذي كان ينتظر منه، رغم تواضع صلاحياته، أن يكون طرفا في الصراع مع هذه السلطة لإنجاز المرحلة الانتقالية واستعادة السيادة والاستقلال. وفي ظل توازن القوى الجديد المائل بقوة لصالح الطرف الرئيسي في التناقض الرئيسي، ونعني به سلطة الاحتلال، فقد دشنت هذه السلطة ممارساتها الملموسة على الأرض ضمن مسعى الانفراد بوضع وصياغة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الداخلية وفق رؤى "جديدة" أشرفت على تنفيذها عبر مستشاريها وأجهزة السلطة المتعددة وتحالفاتها الجديدة، في سياق نهج سياسي وممارسات متنوعة على الصعيد الداخلي.

في 8/6/004 حدث تطور جديد جاء امتدادا للقرار 546 الذي بموجبه تم الإعلان من الناحية القانونية استعادة السيادة وتحول القوات الأجنبية من "قوات احتلال" الى "قوات متعددة الجنسية" تشكل القوات الأمريكية عصبها وقوتها الضاربة. ما الذي حصل هنا؟ حصل تغيير من ناحية التسمية بان استبدلت صيغة "قوات الاحتلال" بموجب القرار 483 بصيغة  "القوات متعددة الجنسية" بموجب القرار 546 وقيام حكومة جديدة بصلاحيات أوسع. أما من الناحية الأخرى فلم يحصل تغيير جوهري على مكونات التناقض الرئيسي فقد ظل الطرف الأقوى فيه هو " القوات المتعددة الجنسية " وان حدّدت حركتها في "العمليات الحساسة" بـ " التشاور " مع الحكومة العراقية، إضافة الى تنامي دور القوى الإرهابية نتيجة عوامل عديدة داخلية وإقليمية ودولية أيضا. وهذه الحقيقة تؤكدها حقيقة أخرى هي أن استعادة السيادة التي أشار إليها القرار 546 لم تكن كاملة، بسبب ارتباطها بطبيعة المرحلة الانتقالية ذاتها ومهماتها التي حددها القرار المذكور أعلاه والناجمة طبعا عن ميزان القوى السائد وطبيعة العلاقة بين مكونات هذا التناقض.

 ومقابل الدور الذي لعبته سلطة الاحتلال يلاحظ المتتبع لحركة تطور المجتمع العراقي منذ بداية السقوط  حتى اليوم ، أن حركة هذا المجتمع شهدت طائفة من الاصطفافات الجديدة ناجمة عن جملة من العوامل والأسباب:

           منها المتعلق بممارسات القوى الإرهابية والتكفيرية ؛

           ومنها ما يتعلق بسياسات السلطة الجديدة الناشئة خلال طوري المرحلة الانتقالية، وديناميكية القوى الجديدة وصراعاتها وأهدافها المتناقضة.

  هذه الاصطفافات التي تأثرت كذلك بعوامل أخرى ساهمت في تعرض العملية السياسية الجارية الى جملة من العراقيل والبطء والاستعصاءات والمنعرجات الخطرة. ورافق هذه العملية على الجانب الآخر تراكم مظاهر الفساد والفوضى وغياب سيادة القانون وسوء الخدمات وانعدام الأمن والعديد من المظاهر السلبية الأخرى.

هكذا، إذن، أدت هذه العملية البالغة التعقيد الى تبلور تناقضات جديدة ناجمة عن الانزياحات والحراك الطبقي/الاجتماعي الجديد الذي غذته، إضافة الى العوامل السابقة، ثلاثة عوامل أخرى مهمة:

 أزمة بنيوية عميقة؛

 وضع أمنى متوتر واحتقان طائفي متصاعد ؛

 وعدم تبلور البديل القادر، حتى هذه اللحظة، على تجاوز هذا الوضع، رغم محاولات كثيرة.

على صعيد الاقتصاد، يصبح التناقض المحرك، بين ضرورة نمو القوى المنتجة لكافة الأشكال الاقتصادية، وبين علاقات الإنتاج  المفككة الناجمة عن تفجر تناقضات المرحلة السابقة وتنامي دور الهويات الفرعية ممثلة بالعلاقات الطائفية والإثنية والعشائرية على حساب الهوية الوطنية العراقية وما يرتبط بها من العلاقات الاجتماعية الطبقية العادية.

منذ سقوط النظام الدكتاتوري، أصبح الوجه الرئيسي للتناقض على صعيد الاقتصاد هو القطاع النفطي الذي كانت تهيمن عليه الدولة. منذ هذه اللحظة تصبح السيطرة عليه محور الصراع بين مشروعين: خصخصته أو إبقائه تحت هيمنة الدولة. وسيكون شكل ومحتوى السيطرة على هذا القطاع الشرط الذي لا غنى عنه لكل تطور لاحق لعملية إعادة بناء الاقتصاد ووجهتها. ولعل ما يؤكد هذه الأطروحة الصراعات الدائرة منذ شهور حول مشروع قانون النفط والغاز والمعركة المتوقع ان تدور حوله في مجلس النواب. لقد تغيّرت الآن "عقدة المسألة"، ولكن المسألة ظلت كما هي (ما الذي سينتصر، اهو شكل الاقتصاد الحكومي/ الدولتي أم شكل الاقتصاد الرأسمالي ؟). ليس هناك، إذن، سوى تغيير في وضع الوجه الرئيسي لهذا التناقض.

ومن جانب آخر لا يمكن فهم جوهر تناقضات هذه المرحلة دون ربط التحليل بالمشروع الاقتصادي الذي طرحته لسلطة الاحتلال في حينه. لقد أحدث هذا المشروع ممثلا بمشروع السيد بريمر الحاكم المدني للعراق آنذاك صدمة نظرية على الصورة برمتها، وأحدث بها نقلة ساهمت في إعادة ترتيب التناقضات الناظمة للمرحلة. فلم يعد التناقض الرئيسي إلذي كان سائدا في المرحلة السابقة هو المقرر بل حل محلة تناقض رئيسي جديد فرضه مضمون التغيير الذي حدث والقوى التي نفذته (القوات الأجنبية) والاصطفافات السياسية والطبقية الجديدة التي نشأت في هذه المرحلة.

هكذا، إذن، أصبح مفهوما كيف أن التعديلات الواردة في ترتيب التناقضات تعتبر بمثابة تغييرات حاسمة تفتتح ستراتيجية جديدة ومرحلة جديدة في تطور التكوين الاجتماعي الراهن واليات اشتغاله وقواه الفعلية المحركة. فالمعركة بشأنها ليس معركة بين الطوائف كما يبرز ظاهريا، بغض النظر عن عناوينها المختلفة، والتي لو جمعناها لتبين لنا أنها ليست سوى تجليات لمعركة البدائل المختلفة حول شكل ومضمون الدولة الجديدة وإعادة بناء الاقتصاد وكيفية التصرف بالريوع النفطية.

  وملخص القول: انه وخلال الفترة التي تلت 9/نيسان 003 حدثت تطورات كثيرة، وهذه التطورات ولدّت وقائع جديدة وعناصر جديدة، وخلقت شروطا جديدة، تسمح لنا بالاستنتاج بأننا دخلنا مرحلة جديدة ومتقدمة في الصراع الدائر حول أفق التغييرات المطلوبة، وطبيعتها، وقواها المحركة وأشكال تجلي التناقض الرئيسي. وهذا وجد انعكاسه في المهمات التي حددها البرنامج  الذي أقره المؤتمر الوطني الثامن، سواء العامة منها، أو على صعيد المهمات القطاعية.

  ومن جانب آخر، ومنعا لأي التباس لا بد من الإشارة الى أن المهمات المطروحة في البرنامج هي مهمات مباشرة تتعلق بفترة تاريخية محددة، ولكن لا ينبغي أن يستخلص منها استنتاج خاطئ يقوم على أنها مقطوعة الجذور وبدون أفق محدد.  إن قراءة صاحية للبرنامج تسمح بالاستنتاج بأن المهام تلك هي مهام يترابط فيها الآني بالستراتيجي لجهة صياغة أفق استراتيجي للنضال الآني المباشر على الجبهة الاقتصادية/الاجتماعية، رغم الصعوبات والمخاطر وهي ليست بالقليلة، غير المقطوع الجذور عن الجبهات الأخرى بل بارتباط وثيق معها.

وهذا هو ما يجعل الحزب يؤكد في " المشروع " على المهام ذات الطابع الوطني العام في هذه المرحلة، في مفهومه المحدد لها، وإنجاز تلك المهام، كقضية، تتطلب من الحزب ورفاقه ومنظماته إدراكها بوضوح بما يمكّن من رصد الأحداث وتطوراتها، بعمق وشمولية. وسيتيح ذلك للحزب أن يكون في قلب هذه الأحداث، جزءا لا يتجزأ منها، من موقعه المستقل، والتمسك بشعار إقامة النظام الديمقراطي الفيدرالي التعددي والتداولي، كأفق للنضال اليومي، في قلب هذه الأحداث.

المهمة المركزية في هذه المرحلة

جـــدل العلاقة بين الوطني والديمقراطي

    يتعين الانتباه الى أن المهمات والأهداف المحددة في البرنامج وفهمها فهما عميقا ودقيقا إنما ترتبط برؤية الحزب وخياره الوطني الديمقراطي الذي هو اليوم الحل الأمثل القادر على إخراج بلادنا من أزمتها البنيوية الراهنة، وتجنيبها المزيد من الدمار والمشاريع الاستبدادية.

يسعى هذا الخيار كما معروف للدمج بين مهام وطنية عامة ومهام ذات طابع ديمقراطي ومن دون إهمال العلاقة العضوية والضرورية التي تربط بين نوعي المهام، بل انه يعمل على إنجازها في إطار تركيب جديد. ولا شك أن هذا التركيب تحدده:

 طبيعة المشروع ذاته؛

 المرحلة التي بلغتها الأزمة البنيوية التي تعيشها بلادنا؛

 طبيعة الصراعات السائدة اليوم وعمليات الاصطفاف، والانزياحات الجارية داخل القوى المنخرطة في العملية السياسية بفعل طائفة من العوامل الداخلية والضغوطات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في التأثير على اتجاهات العملية السياسية والاقتصادية.

وكل هذا يرتبط بالتحديد الدقيق للمهمة المركزية لهذه المرحلة بما يساعد في تحديد دقيق للقوى السياسية والاجتماعية.

وكما جرت الإشارة سابقا، فانه ارتباطا بالحقائق الجديدة التي نشأت على الأرض بعد 9/4/003، وفي مقدمتها شرعنة الاحتلال بموجب القرار 483، اضافة الى نشاط القوى الارهابية والتكفيرية، أصبحت تواجه العراقيين مهمة مزدوجة تجمع بين الوطني والديمقراطي، ونعني بها مهمة إنهاء الاحتلال واستعادة السيادة والاستقلال من جهة، والنضال ضد قوى الإرهاب بمختلف تجلياتها وعناوينها، وتدشين العملية الديمقراطية وصولا الى بناء عراق ديمقراطي فيدرالي موحد من جهة أخرى.

   واستنادا الى قراءة سليمة لطبيعة التناقضات وضرورة ترتيبها ترتيبا صحيحا، بما فيها التحديد الدقيق لأطراف التناقض الرئيسي الناظم لهذه المرحلة، التي جرت الإشارة إليها في المحور السابق، فإنه ليس هناك أي انفصال بين المهمات الوطنية ممثلة باستكمال عمليات استعادة السيادة والاستقلال الناجز من جهة، وعملية البناء الاجتماعي الديمقراطي الداخلي من جهة أخرى ، بل على العكس ينبغي النظر الى طرفي هذه المهمة نظرة جدلية، في وحدتهما وتأثيرهما المتبادل.

فالنضال من أجل إنجاز المهمات الوطنية من ناحية، والنضال من اجل إنجاز المهمات ذات الطابع الديمقراطي من أجل بناء عراق جديد ديمقراطي اتحادي من ناحية ثانية يشكلان معاً وحدة جدلية في إطار عضوي متداخل، ومن هنا تصبح عملية التوازن بين هذين البعدين في الصراع ذات أهمية  قصوى.

 وارتباطا بهذه الرؤية، فإن تنامي القدرة على خوض النضال الى نهايته المنطقية لتحقيق الأهداف الوطنية، ترتبط –هذه القدرة بمدى التقدم على صعيد البناء المجتمعي ، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وتعزيز القيم والممارسات الديمقراطية في العلاقات بين مختلف القوى الاجتماعية والسياسية التي تراهن على بدائل ديمقراطية وبناء دولة القانون والمؤسسات، وتنبذ العنف لحل التناقضات بينها. وبهذا المعنى ينبغي عدم التعامل مع المهام الاجتماعية الديمقراطية باعتبارها عناوين سقف مطلبي فقط، وإنما تعتبر شرطا ماديا ستراتيجي لتحقيق الاستقلال الناجز.

   بالمقابل ، وفي مواجهة استحقاقات المرحلة الراهنة وتفاقم التناقضات الداخلية وتعقد العملية السياسية، فإنه من الضروري تكثيف الفعل السياسي الديمقراطي الميداني والجماهيريوكافة وسائل النضال السياسي التي يتعين أن تشمل وتغطي كافة العناوين المجتمعية والقضايا المطلبية. وهذا يتطلب من ضمن ما يتطلبه توفير وسائل ومقومات القوة بالمعنى التنظيمي والفكري والسياسي والحضور الجماهيري الواسع للقوى والتيارات والأحزاب الراغبة والمصممة على إجراء قطيعة جذرية مع نظام الاستبداد والعسف، والساعية قولا وفعلا لبناء نظام ديمقراطي تعددي تداولي، حضورا يعزز دور هذه القوى من جهة ، ويخدم شعار المرحلة الراهنة بمهماتها الوطنية/الديمقراطية من جهة ثانية، عبر هذا التفاعل بين المهمتين.

إن الملاحظات السابقة تتيح التمييز، وليس الفصل، بين التناقض الرئيسي بمكوناته المشار إليها في بداية حديثنا، والتناقضات الثانوية في بلادنا في هذه المرحلة. فبالرغم من القناعة والوعي بتداخلهما وتشابكهما معا في إطار مهام التحرر الوطني والديمقراطي في أن، إلا أن لكل منهما سماته الخاصة ومكوناته وعناصره وتمايزه من حيث الجوهر والشكل، ومن حيث أسلوب وآليات التعامل مع كل تناقض منهما على حده، إلى جانب استقلالية كل منهما النسبية من حيث طريقة أو شكل التعامل معه أو مواجهته.

إن وعي جدل علاقة وحركة التناقضات التي تنطوي عليها المرحلة الراهنة وفي صيرورتها وتحولها ، يعد أمرا في غاية الأهمية ، مما يدفع الى التأكيد على ضرورة تعميق الوعي والقناعة بأهمية الاستخدام الصحيح لأشكال النضال طبقا للأطروحة اللينينية المعروفة: التكتيك الملموس للوضع الملموس، بعيدا عن الوصفات الجاهزة والمقاربات المقطوعة الجذور عن واقع يتحرك باستمرار وتتفاعل فيه وتتقاطع فيه مصالح متنوعة ومتضاربة في الوقت نفسه، وتكتنفه الكثير من الأخطار والانعطافات التي يتعين إدراكها والتحضير الجيد لمواجهتها.

وطبيعي أن دقة التحديد هذه تساعد في رسم الخطوط السليمة، وفق نظرة مادية/جدلية/تاريخية في آن واحد، بين ما هو تكتيكي وما هو ستراتيجي، في كل مرحلة، ولكن من دون وضع سور صيني بينهما قد يؤدي الى تضبيب الرؤية وضياع الأفق، وبالتالي عدم التمكن من إنجاز لا المهمات الديمقراطية ولا الوطنية ولا الاقتصادية الاجتماعية. ومن المؤكد أن إنجاز هذه المهمات سيكون عاملا فاعلا في تفكيك نظام الاستقطاب ووضع أسس بناء نظام ديمقراطي فيدرالي موحد. وهذا ما سعى إليه الحزب في تحديده للمهام التي ثبتها في هذا المشروع.

 كما جرت الإشارة سابقا، تتحدَّد طبيعة المرحلة التاريخية التي يجتازها العراق الآن، بأنها مرحلة النضال من أجل إنجاز مهام ذات طابع وطني وديمقراطي في آن واحد. وهنا ينطرح سؤال عن طبيعة القوى المؤهلة لتحقيق هذه الأهداف ؟

وانطلاقا من التحديدات المشار إليها أعلاه يمكن الاستنتاج بأن القوى الاجتماعية المؤهلة لتحقيق هذه الأهداف هي مجموعة الطبقات والفئات والقوى الاجتماعية ذات المصلحة الحقيقية في إنجاز هذه الأهداف، وتشمل الطبقة العاملة بكافة فئاتها والعاملين باجر والفلاحين والكادحين والمثقفين وجميع شغيلة اليد والفكر والبرجوازية الوطنية والصناعيين المنتجين ومن يهمهم الانتقال الى الديمقراطية وبناء دولة القانون والنظام.

أما القوى السياسية المؤهلة لإنجاز هذه الأهداف فتتمثل بالأحزاب والقوى والمنظمات الوطنية والقومية والديمقراطية واليسارية والمناهضة للإرهاب وكل من يؤمن بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وبناء عراق فيدرالي ديمقراطي موحد ومستقل من كل أشكال الهيمنة.

وهذا يطرح على جدول الأعمال بناء التحالفات الملموسة لإنجاز المهمات والأهداف المشار إليها سابقا. وهذا يتطلب معالجة مستقلة هي خارج حدود هذه المداخلة.