اطبع هذه الصفحة

 

 

تعليق: تذبذبات الأسواق المالية العالمية عملية تطهير أم " عاصفة منظفة " !

د. صالح ياسر

شهدت الايام الأخيرة تقلبات و " تذبذبات " حادة عانت منها الأسواق المالية العالمية. ففي بداية الأزمة اهتزت أسواق المال والبورصات العالمية على مدى يومين متتاليين بفعل مخاوف أن تنتقل مشاكل القطاع العقاري الأمريكي الى بقية أسواق العالم. وفي هذا السياق تراجع مؤشر (MSCI) للأسهم العالمية بأكثر من 6 في المائة، الأمر الذي شطب معه أكثر من تريليوني دولار (2000 مليار) من القيمة الإجمالية السوقية للأسهم العالمية والتي تقدر بنحو 35 تريليون دولار طبقا لما أورده موقع " بلومبيرغ " المالي.

إن هذه الأرقام، على أهميتها الإجمالية، لا تعطي صورة كاملة من دون الاطلاع على حركة " التذبذبات " على مستوى البلدان أو مجموعات البلدان. فعلى سبيل المثال كان الانخفاض في قيمة الأسهم والسندات في بورصة نيويورك قد بلغ مليارات الدولارات بعد أسبوع من أسوأ ما حل بالأسواق منذ عام 2003. وأطلق العديد من المحللين على يوم الخميس الذي اندلعت فيه هذه الأزمة بـ "خميس أسود جديد" حيث انهارت الأسواق المالية بشكل كبير فقد خسر مؤشر " داو جونز" قرابة 311 نقطة فقط في ذلك اليوم وما يقارب 400 نقطة خلال الأسبوع. كما انخفض مؤشر ستاندارد آند بورز قرابة 60 نقطة خلال الأسبوع. وتلقت مؤشرات الأسهم الأمريكية هذه الضربات وسط مؤشرات على استمرار التدهور في سوق الإسكان وارتفاع أسعار النفط ومخاوف بشأن التمويل.

ومن جهتها أقفلت طوكيو، ثاني بورصات العالم، على انخفاض كبير بلغ 2.36%. وقد تراجع مؤشر «نيكاي 225» لأسهم 225 شركة كبرى 418.28 نقطة ليبلغ أدنى مستوى له منذ الثاني من مايو (آبار) الماضي.

كما انخفضت الأسهم الأوروبية في بداية المعاملات مواصلة الهبوط الحاد الذي شهدته في اليوم السابق مع إقبال المستثمرين على البيع في الأسواق العالمية وتزايد عزوفهم عن المخاطرة، فقد منيت تلك الأسهم بأكبر خسارة ليوم واحد في أكثر من أربعة أشهر وسط تجنب للمخاطرة أوقد شرارته تدهور مناخ تمويل عمليات الاستحواذ ومخاوف بشأن الإسكان الأمريكي أيضا.

وبالمقابل انخفضت الأسهم في بورصتي الصين بشدة لحظة اندلاع الأزمة متأثرة بالاتجاه العالمي الذي قادته الأسهم الأميركية، حيث تراجع مؤشر «هانغ سينغ» القياسي لبورصة هونغ كونغ بنسبة 3.15 في المائة أو بمقدار 730 نقطة تقريبا.

أما على مستوى العالم العربي فلم تنجو مثلا الأسواق الخليجية من هذا الانحدار أيضا. فعلى سبيل المثال تراجعت أسهم السوق السعودية الى المستوى الأدنى في ستة أشهر. كما تراجعت أسواق أبو ظبي ودبي وقطر والبحرين.

إن ما يثير الانتباه هو أن الانخفاض الحاد في البورصات العالمية جاء على الرغم من الإعلان عن نمو شهده الاقتصاد الأمريكي خلال الربع الثاني من عام 2007 (3.4%) مقارنة بالربع الأول لنفس السنة (0.7%). ولم ينجح تقرير أظهر نمو الاقتصاد الأمريكي بإيقاع أسرع من المتوقع في الربع الثاني من العام واعتدال التضخم في تهدئة المخاوف المتزايدة من أن التدهور في السوق العقارية مرتفعة المخاطر ربما يضرب غيرها من القطاعات المالية، مما يعني أننا أمام أزمة ليست عابرة وخاصة بمجال التداول، بل نحن أمام عناصر أزمة تعتمل في حقل الإنتاج لكنها تعبر عن نفسها في حقل التداول.

انهيار حاد في البورصات العالمية مرة أخرى !

لم يمضي اكثر من أسبوع على " العاصفة المنظفة " الأولى حتى عاودت الأزمة ظهورها من جديد. فبدأ من يوم الجمعة 10/8 واصلت أسعار الأسهم في الأسواق العالمية هبوطها الحاد في التعاملات الأولى من صباح هذا اليوم وذلك بعد يوم واحد من تعرُّض الأسواق الأوروبية والأمريكية لخسائر فادحة وسط مخاوف من تفاقم المشاكل في أسواق الائتمان التي تهدد بركود الاقتصاد العالمي في حال استمرارها.

فقد هبط مؤشر داو جونز الصناعي لأسهم الشركات الأمريكية الكبرى 387.18 نقطة أي ما يعادل 2.83 في المائة. كما خسر مؤشر ستاندرد أند بورز 500 الأوسع نطاقا 44.40 نقطة أو 2.96 في المائة. ويعد هذا اكبر نسبة هبوط للمؤشرين منذ 27 من فبراير / شباط 2007. وبالمقابل خسر مؤشر ناسداك الذي تغلب عليه أسهم شركات التكنولوجيا 56.49 نقطة أو 2.16 في المائة من قيمته.

أما في أوروبا، فقد هبطت أسعار الأسهم بشكل حاد في بادئ الأمر في كل من بورصات لندن وباريس وفرانكفورت، وسجلت مؤشرات الأسهم عبر القارة الأوروبية انخفاضا أوليا بلغ أكثر من نقطتين بالمائة، قبل أن تعاود إلى الصعود بشكل طفيف في وقت لاحق.

وفي اليابان شهدت أسعار الأسهم يوم الجمعة 10/8 هبوطا بلغ حوالي 3 في المائة بسبب إقبال المستثمرين على بيع أسهم الشركات المالية، في حين عمد مستثمرون آخرون الي بيع اسهم شركات سجلت مكاسب قوية مؤخرا في محاولة لجني الأرباح.

وفي محاولة لاحتواء الهبوط الذي شهده الأسواق الأوروبية لجأ المصرف المركزي الأوروبي يوم الخميس الى ضخَّ مبلغٍ قياسي قدره (94.8) مليار يورو في الأسواق النقدية في منطقة اليورو لتعويض التعاملات غير المتوقعة في السوق المرتبطة بأزمة القروض المرتفعة المخاطر. ومن الجدير ذكره أن المصرف المركزي الأوروبي يلجأ لمثل هذا الإجراء عندما تشهد الأسواق عدم توازن أو استقرار. وشبه أحد المحللين الماليين عملية ضخ الأموال من طرف المصارف المركزية بالدم الذي يحتاجه القلب كي تتواصل الحياة إذ " من دون تدفق الدم ،سيتوقف القلب عن الخفقان ".

رغم مرور العاصفة....الأزمة مستمرة !!
لم تنتهي الأزمة رغم عمليات التصفية القوية التي عصفت بالنظام النقدي العالمي خلال الأسبوعين الأخيرين، وما زالت تهدد بشكل مباشر البني الاقتصادية والمالية على مستوى الدول الصناعية وعلى المستوى العالمي. ورغم التدخل المشترك والمتزامن خلال يومي الجمعة والسبت (10-11/8) للعديد من الحكومات والمؤسسات النقدية الأمريكية والأوروبية واليابانية وضخ ما يزيد حتى الآن عن 150 مليار يورو كسيولة نقدية في آلية المعاملات المصرفية العالمية لتجنب مزيد من التوتر في أسواق المال فان خبراء الشؤون النقدية يجمعون على استمرار الطابع الخطير للازمة الحالية ويتوقعون موقفا دقيقا وربما حاسما خلال الفترة القصيرة القادمة.

فعلى سبيل المثال واستنادا الى (ألفين أروجو) أحد الباحثين في شركة " يوني كابيتال سيكيوريتيز " للأوراق المالية فإن من المتوقع أن تظل عمليات التداول " متقلبة " خلال الأسبوع القادم مع سير البورصة المحلية على نهج سوق وول ستريت. وأضاف " الأسواق تتخذ حركتها من الولايات المتحدة "، مشيرا الى أن " هناك تأثيرا للعدوى لأن العمليات الضخمة التي تجرى في البورصات الآسيوية تتم من جانب مستثمرين عالميين ". وأضاف أنه " إذا ما تراجعت السوق الأميركية فإن المستثمرين الأجانب سوف يفترضون عادة وجود مخاطر أكبر في الأسواق الناشئة ".

" التذبذبات " حدث عابر أم تجليات لأزمة عميقة؟

إن الكشف عن خصوصية الأزمة الحالية التي اندلعت وما زالت مشتعلة يستدعي ضرورة تفسيرها من خلال تحديد أسبابها بشكل صحيح. على صعيد الأزمة الاقتصادية التي يمر بها الاقتصاد الرأسمالي يمكن القول أن الخاصية المميزة في هذا المجال هي الاختلاف الجذري بين تلك المدارس في تفسير أسباب الأزمة وتحديد الحقل أو الطور الذي تندلع فيه في عملية إعادة الإنتاج الرأسمالية. وهنا يمكن تمييز اتجاهين أساسيين هما:

الاتجاه الأول الذي يعتبر طور التبادل والتغيرات والتطورات الحاصلة فيه بمثابة مصدر ومنبع الأزمة الاقتصادية. أن هذا الاتجاه يرى الأزمة الاقتصادية بكونها أزمة تحقيق فائض القيمة باعتبار أن القانون الاقتصادي الأساسي للرأسمالية هو تعظيم فائض القيمة وتحقيق أقصى الأرباح.

الاتجاه الثاني. يقوم بتعميم النتائج المتحصل عليها من تحليل التطورات الحاصلة في طور الإنتاج ويستخدمها كأداة معرفية – تحليلية لدراسة التطورات في مجال التداول وبحث العلاقات المتبادلة ذات الطابع الجدلي العام وليصل في نهاية الأمر الى تشخيص الأزمة بأنها أزمة بنيوية الطابع. إن هذا الاتجاه يعتقد أن الأزمة هي أزمة إنتاج فائض القيمة. غير انه في إطار هذا الاتجاه هناك العديد من الاقتصاديين يؤكدون على ضرورة أن يدخل في تحليل المظاهر الجديدة في تدويل عملية الإنتاج والدور المتعاظم للشركات الاحتكارية الدولية النشاط في الاقتصاد الرأسمالي والأسواق المالية وما تشهده من " تذبذبات " وعدم الاقتصار في تحديد أسباب الأزمة الاقتصادية الراهنة على المخطط الكلاسيكي لتراكم رأس المال.

إن التراكم الفائض لا يتجلى اليوم بشكل وجود قدرات إنتاجية لا تعمل بكامل طاقتها في القطاعات التي تصيبها الأزمة فحسب بل ويشكل رأسمال نقدي فائض نسبيا في الفروع النامية بصورة ديناميكية. وهكذا تتشابك أزمات الإنتاج الدورية مع الأزمة في المجال التسليفي المالي. فالفائض النسبي في تراكم رأس المال النقدي يفوق بنسبة متزايدة التوظيفات المباشرة في " رأس المال المنتج " أي تلك المؤسسات التي تنتج القيم المادية و " تنتج " فائض القيمة. هكذا إذن ينمو راس المال المالي، بما في ذلك رأس المال الوهمي، وتتعاظم مواقع المؤسسات المالية والنقدية بما فيها البورصات والبنوك العملاقة ذات الطبيعة الاحتكارية، مما يعزز الطبيعة الطفيلية لرأس المال المالي.

إن الملاحظات السابقة تتيح الإشارة الى أن التحليل الصحيح للازمة التي هي موضوع حديثنا (الأسواق المالية العالمية) يستحث أن تُرجع " التذبذبات " الحادة التي عاشتها أسواق المال والبورصات العالمية على مدى الأيام الأخيرة الى جملة من الأسباب وليس الى عامل واحد من جهة، وهي من جهة ثانية ليست نتاج التناقضات الحاصلة في حقل التداول فقط وإنما هي امتداد لما يعتمل به حقل الإنتاج من تناقضات كامنة مرة ومضمرة مرة أخرى. وبالانتقال من المجرد الى الملموس يمكن الإشارة الى جملة أسباب تفسر الأزمة التي عاشتها الأسواق المالية العالمية خلال الفترة الماضية، من بينها:

•التباطؤ في وتائر نمو قطاع الإسكان في الولايات المتحدة. حيث أشار تقرير مبيعات المنازل القديمة في الولايات المتحدة إلى تراجع في عدد المنازل المباعة خلال حزيران (يونيو) لتبلغ 5.750 مليون منزل في مقابل 5.990 مليون منزل خلال أيار (مايو) الماضي، إضافة إلى ذلك أشار تقرير مبيعات المنازل الجديدة إلى انخفاضها في حزيران (يونيو) إلى 834 ألف وبأقل من التوقعات البالغة 89 ألف منزل، في حين بلغت مبيعات المنازل الجديدة لشهر أيار (مايو) الماضي 915000 منزل، مما يعني أن مسلسل التباطؤ في قطاع الإسكان مستمر خلال هذا العام. وهذا يعني أن المشكلات القائمة في سوق القروض العقارية الأمريكية أثارت مخاوف المستثمرين. فخلال السنوات السابقة كانت هناك حالة من الانتعاش في أرباح الشركات وأسعار المنازل. وكان من بين العوامل التي ساهمت في تحقيق هذا الانتعاش، انخفاض سعر الفائدة، مما أدى الى انخفاض تكلفة الاقتراض بالنسبة للأفراد وبالنسبة أيضا للشركات، لتمويل عمليات الاستثمار وشراء العقارات. غير أن الأشهر الأخيرة شهدت ضعفا ملحوظا في أداء الاقتصاد الأمريكي وبالتالي بروز مشكلات في سوق القروض العقارية الأمريكية مما أثار مخاوف المستثمرين. وقد أدى هذا الوضع الى اهتزاز أسواق المال والبورصات العالمية نتيجة مخاوف من أن تنتقل المشكلات التي يعاني منها القطاع العقاري الأمريكي الى بقية أسواق العالم. وارتباطا بذلك يبدو أن عهد القروض الرخيصة ولى، إذ أن البنوك المركزية في اقتصاديات هامة تقوم برفع أسعار الفائدة، مثل بنك إنكلترا والبنك المركزي الأوروبي.
•وجود مخاوف من أن ارتفاع أسعار الفائدة سيؤدي إلى انخفاض الأرباح التي تحققها الشركات الكبيرة، كما ستضر بالصفقات الكبيرة التي تتعلق بشراء شركات عملاقة لشركات أصغر، وتضر بالقدرة الشرائية. ويخشى المستثمرون من أن تكون حقبة القروض الميسرة لتمويل صفقات شراء الشركات قد انتهت.
•الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار النفط خلال الفترة الماضية الذي ينعكس في ارتفاع تكلفة الطاقة وبالتالي ارتفاع مستويات الأسعار بشكل عام، مما يؤدي الى ارتفاع معدلات التضخم.
•وهناك قلق في الأسواق من أن رفع معدلات الفائدة، في ظل مساعي البنوك المركزية لكبح جماح التضخم، سيؤدي الى زيادة تكلفة الاقتراض وبالتالي انخفاض أرباح الشركات، الأمر الذي انعكس على أسعار الأسهم.
•التراجع الذي شهده سعر العملة اليابانية ( الين) مقابل الدولار والذي يؤثر على المصدرين اليابانيين، وسط مخاوف من أزمة سياسية في اليابان بعد انتخابات مجلس الشيوخ التي جرت يوم الأحد 29/7 أثرت على معنويات المستثمرين في طوكيو. ومن جهته رأى كازوهيرو تاكاهاشي المسؤول في دار الوساطة " دايوا سيكيوريتز اس أم بي سي " أن المستثمرين يخشون انتقال مشاكل العقارات الأمريكية الى العالم. وأضاف أن " المستثمرين سيحتاجون الى شهر واحد للتأكد من أن المشكلة لن تؤثر على مجمل الاقتصاد العالمي ".

ويبدو أن الخطر الفعلي يكمن حاليا في أن تستمر تفاعلات الأزمة العقارية الأمريكية في التأثير على أسواق المال وتحوله الى أزمة نقدية يصعب التحكم فيها بوسائل تقليدية داخل أسواق المال التي تخشى أزمة سيولة وما قد يترتب عنها من انهيار للاسم والسندات.

وبالرغم من أنه من المبكر جدا إجراء أي تقييم للآثار التراكمية للازمة الحالية، غير انه يمكن الاستنتاج بأنه سيكون لهذه الأزمة آثار بعيدة المدى على قطاعات مختلفة. ونظرا لان القانون الناظم للتطور الحالي هو قانون التطور المتفاوت فانه يمكن الاستنتاج أن تكاليف الأزمة الحالية لن تتوزع بالتساوي على البلدان والقطاعات الاقتصادية بل سيسحق " الهوامير" أي الكبار من المضاربين " المستثمرين والمضاربين " الصغار، وبالتالي سنكون أمام موجة انكماش جديدة .

وخلاصة القول، إن الأزمة التي شهدتها الأسواق المالية العالمية أخيرا هي واحدة من تجليات ظاهرية لازمة تعتمل في حقل الإنتاج وتتمظهر في " تقلبات وتذبذبات " حادة تشبه عملية طحن قوية. وهذا يعني أن الأزمة البنيوية ما زالت " على قيد الحياة " وليس كما يصورها إيديولوجيو الليبرالية الجديدة بأنها غادرت المسرح الى غير رجعة !! إن " التذبذبات " التي شهدتها تلك الأسواق خلال الايام الاخيرة أدت، كما أشرنا سابقا، الى محو أكثر من تريليوني دولار (2000 مليار) من القيمة الإجمالية السوقية للأسهم العالمية وهي تبيّن مدى عمق تلك الأزمة. إنها " عاصفة منظفة " حقا وضحاياها كُثر، هذا إضافة الى أن الأسواق ما زالت في مرحلة حساب " قتلاها " بعد " الإعصار " الذي ضرب هذه الأسواق خلال الاسبوعين الأخيرين !!

12/8/2007