ان العنف ضد المرأة من اخطر الممارسات السلبية في المجتمع العراقي. ويتنوع هذا العنف من استخدام أساليب الضرب والايذاء الى القتل العمد او الشروع فيه. ومن المؤسف ان التشريعات العراقية وتطبيقات القضاء لا تضع حداً لهذا العنف بل يجدها المرء تساير التقاليد البالية التي تنظر الى المرأة نظرة دونية بزعم انها اقل درجة من الرجل. ويمكن القول ان هذه الممارسات المقيتة اذا وجدت في مجتمع من مجتمعات المعمورة، تشكل دليلاً قاطعاً على تخلف ذلك المجتمع وعدم مسايرته للتطورات الهائلة في العالم المتقدم.
شنت مجموعة من افراد عشيرة هجوماً بالاسلحة النارية على دار ضابط شرطة يحقق في قضية تسليب وقطع الطريق العام من اجل الضغط عليه لتبديل اعترافات المتهمين الذين ينتسبون الى العشيرة نفسها، ولكن هذه العشيرة لا تتوانى عن ذبح احدى فتياتها لمجرد انها تبادلت الحديث مع شاب من سكنة قريتها. لاحظ التناقض البّين في هذه الافعال الاجرامية والكيل بمكيالين السائد بحق المرأة رغم ان الجريمة الاولى أي جريمة التسليب من اهم واخطر الجرائم المخلة بالشرف، فإذا كانوا حريصين على (الشرف) كما يزعمون فلماذا لا يستنكرون جرائم السرقة وقطع الطرقات وخطف الاطفال؟.
والغريب ان القانون العراقي فرق في احكامه بين المرأة والرجل، فمثلاً نصت المادة 409 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 على ما يلي:
(يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات من فاجأ زوجته او احدى محارمه في حالة تلبسها بالزنا او وجودها في فراش واحد مع شريكها فقتلها في الحال او قتل احدهما او اعتدى عليهما او على احدهما اعتداءً افضى الى الموت او الى عاهة مستديمة).
بينما لم تمنح المرأة هذا الحق عند مفاجأة زوجها متلبساً بالزنا مع شريكته. فلماذا هذا التمييز بين الرجل والمرأة؟ وما هو الاساس القانوني الذي استند عليه المشرع في تقرير العذر القانوني المخفف للرجل دون المرأة؟ (على فرض صحة وجود العذر وضرورته).
أليس المشرع هنا كمن يشرع عن العنف ضد المرأة؟ ألا يتناقض هذا النص (الان) مع نص المادة 41 من الدستور العراقي لسنة 2005 الذي يساوي العراقيين امام القانون دون تمييز بين الرجل والمرأة؟ علماً ان هذا النص الدستوري جاء انسحاماً مع اعلانات ومواثيق حقوق الانسان العالمية والاقليمية لاسيما اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة والتي تُلزم الدول الاطراف فيها ادماج مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية او تشريعاتها الاخرى واتخاذ المناسب من التدابير، تشريعية وغير تشريعية، بما في ذلك ما يناسب من جزاءات لحظر كل تمييز ضد المرأة وفرض الحماية القانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل وضمان الحماية الفعالة للمرأة عن طريق المحاكم ذات الاختصاص من أي عمل تمييزي.
فأين القضاء العراقي وهو يحاكم من قتل زوجته او اخته او امه بزعم ما يسمى بـ(غسل العار) من هذه الاتفاقية الدولية التي حاولت الاعتراف بالحد الادنى لحقوق المرأة الاساسية؟ فضلاً عن ان جرائم قتل النساء تنتهك اقدس واهم حق للانسان الا وهو الحق في الحياة. واذا كان الزنا يشكل جريمة وفق القانون او سلوكاً منحرفاً وفق القيم الاخلاقية، اذاً ما دور السلطة المختصة بتطبيق القانون اذا كان كل شخص ينفذ ما يراه مناسباً له ومنسجماً مع التقاليد والممارسات السائدة حتى لو كانت متعارضة مع القانون وقواعد العدل والانصاف؟ ألا ينص الدستور العراقي في المادة (15) منه على ان (لكل فرد الحق في الحياة... والامن والحرية، ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق او تقييدها الا وفقاً للقانون، وبناءً على قرار صادر من جهة قضائية مختصة)؟ ألا يشمل تعبير (الفرد) المرأة التي تشكل نصف المجتمع كما يقال؟ ألم يمنع الدستور نفسه في الفقرة (رابعاً) من المادة 29 كل اشكال العنف في الاسرة والمدرسة والمجتمع؟ ان الاحكام المتقدم ذكرها ليست جديدة في الدولة العراقية، فأول دستور عراقي، أي القانون الاساسي الصادر سنة 1925، نص على المساواة في الحقوق امام القانون. اما دستور الجمهورية الاولى (دستور 1958) فقد نصت المادة التاسعة منه على ان المواطنين (سواسية امام القانون في الحقوق والواجبات العامة ولا يجوز التمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس...) والنص نفسه ورد في المادة 19 من دستور 1970 وفي المادة 12 من قانون ادارة الدولة لسنة 2003 .
ومن المؤسف القول ان مبادئ حقوق الانسان وحرياته الاساسية سواء وردت في الشرائع السماوية او في الاعلانات والاتفاقات الدولية في وادٍ وتقاليد المجتمع العراقي في وادٍ آخر، وليس غريباًً صحة ما يرويه البعض من ان احدهم قال لجليسه في المقهى (في عقالك عود) ولما اجهز الاخير على جمع النساء في بيته اكتشف وجود عود صغير فعلاً في طيات عقاله!.
فهل ان جريمة ازهاق روح امرأة اقل جسامة من ازهاق روح رجل