قدم التقرير السياسي الذي
اقره المؤتمر الوطني الثامن للحزب الشيوعي العراقي تحليلا مركبا وشاملا للتطورات
الاقتصادية – الاجتماعية التي جرت خلال الفترة التي تلت انعقاد المؤتمر السابع (اب
2001). ومن بين القضايا التي تناولها التقرير الازمة البنيوية الشاملة وتفاعلات
مستوياتها المختلفة وما أفرزته من تجليات وصراعات محتدمة ومتفاقمة على الجبهة
الاقتصادية. ثلاثة عناوين كبرى لجذور ومسببات الازمة الاقتصادية، بداية، لا بد من
الاشارة الى ان التحديد الدقيق لطبيعة الازمة الاقتصادية الراهنة والنظر اليها في
صيرورتها وليس في لحظتها الحالية، لابد ان ينطلق من تشخيص العوامل التي انتجتها
والتي جعلتها تتخذ هذه الابعاد والمديّات والعمق والخطورة. ان هذه الازمة هي،
باختصار شديد، نتاج جملة من العوامل التي يمكن تجميعها تحت ثلاثة عناوين كبرى.
العنوان الاول يخص
السياسات الاقتصادية التي انتهجها النظام الدكتاتوري المقبور
إبتداءً، يتعين التأكيد على
أن مسيرة التنمية الاقتصادية في العراق انطوت على مكامن عديدة وخطيرة للخلل يتمثل
أهمها في اهمال القطاعات الانتاجية لصالح الاعتماد الاحادي الجانب على مصدر وحيد
للدخل هو إيرادات القطاع النفطي.
لقد بدأ النظام المقبور، الذي
وصل الى السلطة عام 1968، بأوضاع اقتصادية محلية واقليمية ودولية مؤاتية، تمثلت
بالدرجة الاولى في تعاظم ايرادات العراق النفطية منذ أواسط السبعينيات بوتيرة
متصاعدة. قاد هذا "التكائر المالي" الى صياغة "ستراتيجية تنموية" كانت تحمل في
طياتها مخاطر وأخطاء عدة من أهمها تعميق إهمال القطاعات الإنتاجية لصالح الاعتماد
على النفط كنقطة انطلاق.
وقد دفع الصعود المتواصل في
أسعار البترول في السوق العالمية، دفع راسمي السياسة الاقتصادية الى صياغة
ستراتيجية للتنمية تقوم على طائفة من الفرضيات التي أكدت التطورات اللاحقة خطأها:
< إن صعود أسعار البترول أمر
طبيعي وسيظل هذا الصعود متواصلا، إستنادا لذلك:
< إقامة صناعة نفطية تنهض
بدور رئيسي/قيادي في عملية التنمية،
< إعتبار النجاح في تأميم
القطاع النفطي في عام 1972 مساويا لتحرير الاقتصاد الوطني. غير أنه من الضروري
التأكيد على أن هذه الفرضية خاطئة منذ بدايتها لأن نقل ملكية عمليات الانتاج
النفطي الى السيادة الوطنية، رغم أثاره الايجابية المتمثلة في الاستحواذ على كل
الريع النفطي، قد عمّق في اعتماد الاقتصاد على الخارج في غياب تنويع القاعدة
الاقتصادية.
< لأن استمرار صعود الايرادات
النفطية أمر طبيعي (كما جرى الافتراض سابقا) فقد جرى الافتراض بعدم وجود قيود على
الموارد المالية. وعلى هذا الاساس جرى اطلاق العنان لموجة هائلة من الانفاق
الاستثماري، انعكس خلال سنوات السبعينيات بمعدلات نمو لم تقل عن رقمين عشريين، في
أغلب المؤشرات الاقتصادية عدا الانتاج الزراعي. ويلاحظ خلال هذه الفترة هيمنة
مفهوم"التنمية الانفجارية"وهو قطعا مفهوم غير علمي.
إن الخاصية المميزة للسياسات
الاقتصادية التي جرى تنفيذها خلال هذه الفترة هو تغيرها المستمر بدون أية مبررات
موضوعية، بمعنى أن السياسات والبرامج الاقتصادية التي اتبعها النظام السائد أنذاك
قد مثلت أوضح صورة وأشدها تطرفا لظاهرة اخضاع الاقتصاد وتوظيفه للسياسة بالضد من
الاطروحة الشهيرة القائلة بأن السياسة هي التعبير المكثف للاقتصاد.
افضت تلك السياسات الى
جملة من النتائج شخصها التقرير السياسي وهي:
- إن التراكم
الهائل للعوائد النفطية والمعدلات المرتفعة للاستثمار لم يواكبه تغيير يعتد به في
هيكل الاقتصاد، بل ظل يتسم بذات السمات التقليدية : غلبة الإنتاج الأولي، هيمنة
القطاع الإستخراجي، وضعف الصناعات التحويلية.
- إن تنفيذ تلك الاستثمارات
العملاقة قد ارتبط بتزايد نشاط الشركات المتعدية الجنسية ما أدى الى تعظيم
التبعية الى الخارج وإكسابها أشكالاً جديدة غير مألوفة في حينه و بالغة الخطورة.
- حصول تغيرات هامة في البنية
الطبقية ونشوء أساس طبقي جديد استند اليه النظام الحاكم في حينه. كما نشأت من جهة
أخرى تحالفات جديدة بنتيجة صعود فئات جديدة وفي مقدمتها البرجوازية البيروقراطية
وبعدها البرجوازية الطفيلية.
- حدوث تغيرات اساسية في
أنماط الاستهلاك حيث زاد الميل للاستهلاك الترفي، وامتد ليطال بشكل متفاوت عموم
الطبقات والفئات الاجتماعية.
- غير أن النتيجة أو الاثر
الأهم لـ"الفورة النفطية"تمثلت في تنامي نزعات الزعامة الاقليمية المستندة الى
حجم العوائد المالية الناجمة عن تصدير النفط الخام، ومحاولة توظيفها في معادلات
تتجاوز الحدود، خصوصا بعد قيام الثورة الايرانية في عام 1978 ومن المهم جدا
التوسع في النقطة اعلاه لما لها من اثار لا تتعلق بالبعد الاقتصادي بل تتجاوزه
لتطال السياقات الستراتيجية والجيوسياسية الاقليمية والدولية. ففي ظل الاضطراب
السياسي – الاقتصادي الذي شهدته المنطقة أواخر السبعينيات، وارتباطا بصعود صدام
حسين الى قمة السلطة كانت أحلام القيادة العراقية، انذاك، نحو موقع متميز في
المعادلة الاقليمية تجد اذانا صاغية في الاوساط الأمبريالية، لأسباب عديدة لا
تقتصر على معاقبة إيران الثائرة على الشاه، بل تتعداها الى القضاء على التحسن
النسبي الذي حققته البلدان المصدرة للنفط في موقعها التساومي تجاه الدول
الرأسمالية المتقدمة منذ أوائل السبعينيات من القرن العشرين.
ومن وجهة نظر البلدان
الرأسمالية المتقدمة، لم تكن هذه الاحلام مقلقة أو خطيرة، وهو ما اكدته التجربة
الفعلية. فبالإضافة الى ما ينطوي عليه التنافس على مركز الزعامة"الوهمي"من اغراق
للسوق بالنفط الرخيص، كان وضع العراق الجغرافي ضامنا لأن يتحول التوسع في تصدير
النفط الى قيد على استقراره، وبالتالي جعل اقتصاده وسياسته رهيني تلك البلدان.
والخلاصة، أنه وبرغم مظاهر
الاشياء فإن هذا"النمط التنموي"كان هشاً لأنه استند الى عوامل خارجية يصعب التحكم
بها، وأعني تحديداً الاسعار وعوائد النفط. وكانت هذه العوامل عقب أخيل في
الاقتصاد العراقي، فبمجرد أن تعرضت أسعار النفط للانخفاض، لاحظنا الاثار المدمرة
محلياً وخارجيا. وعليه يمكن تسمية هذه الفترة بـ"العقد الضائع"لأنه إتسم بتبديد
الموارد وضياع ممكنات النمو.
حين قرر النظام الديكتاتوري
المقبور الحرب على إيران في آب عام 1980 كانت خيوط الكارثة الاقتصادية قد بدأت،
ذلك لأنها قضت في الواقع على التنمية. إنها، إذن، مثلت رصاصة الرحمة !! ولا يتسع
المجال للدخول في التفاصيل فقد تناولها التقرير السياسي وقدم معطيات اقتصادية -
سياسية وإحصائيات تفصيلية توضح حجم تلك الكارثة. لقد استخلص التقرير استنتاجا
مهما في هذا الخصوص حينما أشار الى الحرب جاءت".... لتظهر هشاشة القاعدة التي
أستند إليها الاقتصاد العراقي. حيث دمرت خلال الأشهر الأولى للقتال طاقات التصدير
النفطي، وترتب على ذلك تلاشي أهم مصدر للإيرادات، وانخفاض الدخل الحقيقي للبلاد
من نحو 26 مليار دولار في عام 1980 الى نحو 10 مليارات في العام التالي، الأمر
الذي ادى الى استنزاف الاحتياطات المالية من العملة الصعبة، وازدياد الاقتراض من
الخارج، وتعمق المشاكل البنيوية التي كان الاقتصاد العراقي يعاني منها. وقاد
ذلك كله الى توقف الانفاق التنموي نهائياً في عام 1982".
انتهت الحرب الى نتيجتها
المعروفة، وكان لا بد من احصاء حجم خسائرها. ففي دراسة عن الخسائر الاقتصادية
للعراق وإيران خلال حرب الثمان سنوات، توصل كرمان مفيد الى أن تلك الخسائر بلغت
1097 مليار دولار، منها 644.3 مليار تكبدتها إيران و 452.6 مليار دولار تكبدها
العراق. ومن الطبيعي الإشارة الى أن هذا الرقم لا يمثل سوى الخسائر المالية
الناجمة عن الحرب، وبالتالي فهي لا تشمل العناصر غير النقدية واذا نظرنا الى
الخسائر المباشرة للعراق من زاوية أخرى، أي في ربطها بالناتج المحلي الاجمالي
وعوائد النفط خلال الفترة 1980 -1988 أمكننا القول:
- أن تكلفة الحرب بلغت حوالي
112% من قيمة الناتج المحلي الاجمالي للعراق (الذي بلغ 433 مليار دولار).
- كما أن تلك الخسائر كانت
تزيد على أربعة أمثال عائدات النفط خلال الفترة المذكورة.
ومن المؤكد أن ذلك انعكس
بآثار كارثية على معدلات النمو ومستويات المعيشة، مما مهد الطريق لكارثة جديدة هي
غزو الكويت والحرب التي شنتها"قوات التحالف الدولي"بقيادة الولايات المتحدة لطرد
القوات العراقية من الكويت، والحرب والحضر الاقتصادي اللذان نجما عنها.
واستنادا الى هذه الحقائق
يمكن الاستنتاج بأن هذه العوامل، مجتمعة، قد فاقمت الأزمة الاقتصادية التي حاول
النظام حلها بوسائل قيصرية وخارج حدوده، عن طريق غزو الكويت، وما ترتب على هذا
الغزو من نتائج كارثية لاحقا.
حلّت كارثة حرب الخليج
الثانية بعد 7 أشهر من الغزو، فيما طبق نظام صارم للعقوبات بعد أيام منه طبقاً
لقرارات مجلس الامن الدولي، ليسفر ذلك كله عن دمار مادي قدرت تكاليفه بين 250 الى
300 مليار دولار، ناهيك عن الخسائر الاخرى غير المباشرة.
ومن دون الدخول بالتفاصيل
يمكن الاشارة بتكثيف الى تأثيرات الحرب التي خاضتها"قوات التحالف الدولي"لإجبار
النظام العراقي على الانسحاب من الكويت، وتأثيرات نظام العقوبات الصارم على
الاقتصاد والمجتمع في العراق.
فوفقا للإحصاءات الصادرة عن
الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم يقدر حجم الخسائر الاقتصادية التي تعرض لها
العراق خلال حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين خلال السنوات (1979 ـ 2002)
بنحو 830 مليار دولار، منها أكثر من 450 مليار دولار خسائر الحرب العراقية ـ
الإيرانية، و230 مليار دولار خسائر الغزو العراقي للكويت وما أحدثه من تداعيات،
و150 مليار دولار خسائر عائدات النفط"غير المحققة"بسبب العقوبات الاقتصادية
الدولية والحصار التجاري والمالي الشامل الذي فرض على العراق لمدة استمرت حوالي
13 عامًا والذي فرضت بموجبه قيود دولية على صادرات النفط العراقي، بخلاف حظر
الاستثمارات الأجنبية في البلاد.
ولاستكمال الصورة يمكن القول
أن الخسائر الاجمالية التي تكبدها الاقتصاد العراقي منذ عام 1980 تعادل 60 -70
مرة قيمة الناتج المحلي الاجمالي في عام 1993. وينبغي التأكيد على أن الناتج
المحلي الاجمالي هذا يعادل ما كان عليه في عام 1961، مع الفارق بأن عدد السكان
بلغ أنذاك حوالي 7 مليون نسمة في حين بلغ سكان العراق في عام 1993 حوالي 21 مليون
نسمة. وتعني هذه الحقائق، على مراراتها، أن الاقتصاد العراقي لا يعاني فقط من
تلاشي عشرات السنين من نموه، إنما، وهو الأهم، يفتقد الى مقومات الخروج من دوامة
الانحدار.
غادر النظام السابق مسرح
التاريخ غير مأسوف عليه، ولكنه ترك لنا بنية اقتصادية مدمرة اضافة الى الخراب
الاجتماعي المريع والاحتلال الاجنبي وما يرتبط به من استحقاقات.
العنوان الثاني ويتعلق
بالستراتيجية الاقتصادية التي طبقها الاحتلال
من المفيد بل والضروري
ايضا الاشارة الى انه لا يمكن فهم جوهر تناقضات المرحلة التي تلت سقوط النظام
المقبور وبالتالي فهم طبيعة الازمة الاقتصادية الراهنة (والازمة البنيوية التي
تعيشها البلاد عموما) دون ربط التحليل بالمشروع الاقتصادي لسلطة الاحتلال، طبعا
من دون اهمال العناصر الاخرى للستراتيجية المعتمدة من طرف الاحتلال. لقد أحدث هذا
المشروع الذي وضع عناصره الاساسية بريمر، الحاكم المدني الامريكي للعراق حتى
حزيران 2004، صدمة نظرية على الصورة برمتها، وأحدث بها نقلة أسهمت في إعادة ترتيب
التناقضات الناظمة للمرحلة. فلم يعد التناقض الرئيسي الذي كان سائدا في المرحلة
السابقة هو المقرر بل حل محله تناقض رئيسي جديد فرضه مضمون التغيير الذي حدث
والقوى التي نفذته (القوات الأجنبية) والاصطفافات السياسية والطبقية الجديدة التي
نشأت في هذه المرحلة. هكذا، إذن، أصبح مفهوما كيف أن التعديلات الواردة في ترتيب
التناقضات تعتبر بمثابة تغييرات حاسمة تفتتح ستراتيجية جديدة ومرحلة جديدة في
تطور التكوين الاجتماعي العراقي الراهن واليات اشتغاله وقواه الفعلية المحركة.
ويمكن تلخيص جوهر الطرح
المقدم في المشروع الاقتصادي لسلطة الاحتلال (الذي عرض بريمر خطوطه العامة في
العاصمة الاردنية عمان في 2003) بالملاحظات التالية:
< المرحلة الانتقالية مرحلة
إصلاحية، مستقلة بذاتها، تعد الشروط الأولية للهجوم الرأسمالي. هكذا تضمن المشروع
المذكور طروحات من قبيل:(ضرورة تشجيع القطاع الخاص على إعادة توزيع الموارد
لاستخدامها على الوجه الأكثر إنتاجية، تحفيز نمو المؤسسات الخاصة الصغيرة
والمتوسطة، القادرة بصورة أفضل من غيرها على الخلق السريع لفرص العمل، تقليص
الدعم للمؤسسات المملوكة للدولة، حشد رأس المال المحلي والأجنبي). في هذه المرحلة
يتعين إنهاء، أو إضعاف، ازدواجيات السلطة بين من يتحكم بالدائرة السياسية ومن
يتحكم بدائرة الاقتصاد.
< أحدى الأشكال التي يتخذها
التناقض الرئيسي للمرحلة هو التناقض بين قطاعي الزراعة والصناعة الناجم عن
الستراتيجية الاقتصادية التي اعتمدها النظام المقبور والتي كانت تتسم بعدة سمات
من بينها، حسب بريمر، (سوء إدارة وإهمال بنية صناعية ستالينية دامت ثلاثة
عقود....... حيث كان يجري توزيع رأس المال على أسس بيروقراطية وسياسية وليس
استجابة لقوى السوق. وكان أكثر من ثلث الاقتصاد موجها إلى دعم المؤسسة العسكرية
العراقية الشرهة التي كانت مساهمتها ضئيلة).
< الوجه الرئيسي للتناقض هو
القطاع النفطي حيث هو اليوم الدعامة الممكنة لإعادة بناء الاقتصاد وتجاوز الأزمة
البنيوية أو أن يظل يؤدي مهمته التقليدية السابقة، وارتباطا بذلك ما ينشأ من
صراعات وتناقضات مرافقة لهذه القضية.
< إن"عقدة المسألة"، بحسب هذا
المشروع ومهندسيه، هي السوق والحرية الاقتصادية. وجوهر هذا الطرح هو أن (يحتل
بناء اقتصاد عراقي مرتكز على مبادئ السوق الحر، موقعا مركزيا) في جهود سلطة
الاحتلال.
< المهام الأساسية في لحظة
معينة هي المتطلبات التكتيكية للشكل الذي تتخذه في هذه اللحظة أو تلك عقدة
التناقض الرئيسي للطور. وهذه المتطلبات كما يشير إليها المشروع الاقتصادي لسلطة
الاحتلال هي:
1- إعادة توزيع إجمالية
للموارد والأشخاص بإبعادهم عن سيطرة الدولة إلى المؤسسات الخاصة.
2- تعزيز التجارة الخارجية.
3- حشد رأس المال المحلي
والأجنبي.
4- فتح الأبواب أمام
الاستثمارات الأجنبية من رؤوس الأموال والتقنيات الإدارية والتكنولوجيات الحديثة.
ويتطلب ذلك (تشجيع الوصول إلى كل هذه الموارد للمستثمرين المحليين بمنحهم حرية
التبضع في الأسواق العالمية وأمام المستثمرين الأجانب ذوي الخبرات في مجالات
محددة).
5- ربط (الإصلاح المحلي
بالإصلاح العالمي).
لم يسهم هذا المشروع في تقديم
حلول جذرية للازمة الاقتصادية بل فاقمها وعمق تناقضاتها، وكأنه حاول ان يطبق
عناصر نظرية"الفوضى المنظمة"على الاقتصاد هذه المرّة. فقراءة سريعة لهذا المشروع
تتيح الاستنتاج بأن هذه السلطة ظلت تتصرف بمفردها وتسعى إلى فرض الخصخصة كاملة في
الاقتصاد العراقي. وبيّنت التجربة الملموسة ان هذا الاتجاه يتعارض مع واقع وحاجات
الاقتصاد والمجتمع العراقي. ويمكن القول أن نهج الليبرالية الجديدة المنظوي تحت
الشعار الباذخ: الخصخصة دون قيد أو شرط، الذي مارسه بريمر وانفراده بالشأن
الاقتصادي ادى الى جملة من النتائج:
- فقد اعاق تطور الاقتصاد
العراقي؛
- واغرق الأسواق المحلية
بالسلع الأجنبية؛
- وحرم البرجوازية الوطنية
الصناعية والبرجوازية الصغيرة والحرفية من النمو وتحقيق التراكم الرأسمالي الوطني
المطلوب؛
- وقلص إمكانية تنشيط تنمية
وتوسيع عملية إعادة الإنتاج الموسع في الاقتصاد العراقي؛
- كما اعاق ايضا إيجاد فرص
عمل جديدة للعاطلين، بل والاسوء من ذلك افضى الى تعاظم مديّات البطالة بوتائر غير
مسبوقة؛
- وأبقي المجتمع معتمداً على
إيرادات النفط الخام وعلى استيراد السلع المختلفة من الخارج وبالتالي أسهم في
اعادة انتاج البنية المشوهة والاحادية الجانب للاقتصاد الوطني؛
- وقلص إمكانيات تغيير البنية
الاجتماعية المتخلفة وعطل سيرورات رفع مستوى الوعي الاجتماعي في البلاد.
والمحصلة، أن هذا المشروع
بدلا من أن يساعد على تجاوز المشكلات الفعلية فإنه أسهم في تعميق الازمة
البنيوية، ونقلها إلى مديّات جديدة، وفاقم تناقضاتها المتوترة دوماً.
ان إجراءات سلطة الاحتلال على
الجبهة الاقتصادية، قادت إلى عملية بلترة متعاظمة وتهميش واستقطاب اجتماعي واسع
النطاق.
وقد ادى تمسك سلطات الاحتلال
بمنطق فهمها لتسيير المرحلة الانتقالية، وعدم تعاملها الجدي مع الإشكاليات التي
يطرحها تطور الوضع، إضافة إلى رهانها على تنفيذ مشروعها الاقتصادي بأسرع وقت ممكن
عبر تطبيق عدة خيارات من بينها ستراتيجية"العلاج بالصدمة"دون حساب للنتائج
والتكاليف الفعلية المرافقة له، أدى ذلك كله الى جملة من الاثار والنتائج المدمرة
للاقتصاد والمجتمع.
ويمكن القول ان ممارسات سلطة
الاحتلال قادت، ببساطة، الى مايلي :
- منع احداث قطيعة جذرية مع
تركة النظام المقبور؛
- الاسهام في تهميش القوى
السياسية صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير؛
- تطبيق ستراتيجية خلق القوى
الاجتماعية "الجديدة" بقوة المدفع.
وهذا كله معناه، ببساطة
شديدة، التوجه أكثر فأكثر نحو توتير العلاقات الاجتماعية والسياسية واللجوء إلى
خيارات عنفية وبالتالي منع أو قطع الطريق على تبلور الشروط الوطنية العراقية،
العسكرية والامنية والاقتصادية – الاجتماعية - السياسية التي تمكن طرح مسألة
انهاء الاحتلال واستعادة السيادة والاستقلال. وكان هذا عاملا رئيسيا من عوامل
بروز الاتجاهات الراديكالية (بمعناها السلبي طبعا) بما في ذلك بروز الإيديولوجيات
والممارسات المعادية للديمقراطية والتي اتخذت تنويعات مختلفة، بما في ذلك تعاظم
النزعات المتشددة، والتي ما هي إلا تعبير إيديولوجي عن الإقصاء والتهميش الذي
عانته وستعانيه هذه القوى المهمشة سياسيا واقتصاديا.
وكما هو معروف فإن"مجتمع
التهميش"يتكون سوسيولوجيا من كل المبعدين عن العملية الإنتاجية والاستهلاكية كذلك
(بفعل البطالة الراهنة واللاحقة)، يضم فئات اجتماعية سيزداد حجمها باستمرار. وفي
حال عدم قدرة القوى السياسية، وخصوصا القوى الديمقراطية، من الوصول إلى هذه القوى
المهمشة وتنظيمها وتأطيرها وبلورة الشعارات المناسبة والصحيحة لاجتذابها إلى
النضال المطلبي والسياسي السليم، فإن هذه القوى قد تقع تحت تأثير القوى والأحزاب
والتيارات التي لا تحمل بالضرورة مشاريع وطنية الطابع، مما يشكل خطرا حقيقيا على
مسار التطورات السياسية اللاحقة وقطع الطريق أمام بناء دولة ديمقراطية عصرية،
دولة المواطنة والقانون.
إن الملاحظات السابقة تؤكد
المسعى الحثيث والجامح لسلطة الاحتلال والقوى المرتبطة بمشروعها الاقتصادي (وليس
وحده فقط)، إلى تبني سياسات تستهدف خلق الارضية المناسبة لتطور رأسمالي تابع،
يتيح اندماج الاقتصاد العراقي بالاقتصاد الرأسمالي العالمي ومراكزه المتقدمة،
ويعيد إنتاج هذه العلاقة من دون عوائق. وقد عبّرت السياسات الاقتصادية لسلطة
الاحتلال عن"مشروع اقتصادي"اخر، ينطلق من المصالح الستراتيجية والايديولوجية
اليمينية للمحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية، التي تعمل في اتجاه الهيمنة على
الاقتصاد العالمي. ويمكن ملاحظة هذا التوجه في مفهوم"اعادة الاعمار"الذي روجت له
سلطة الاحتلال كمفهوم هندسي خالٍ من اية مضامين اجتماعية- اقتصادية، بدلا عن
مفهوم التنمية الاقتصادية.
العنوان الثالث ويخص
السياسات التي طبقتها الحكومات المتعاقبة منذ سقوط النظام الدكتاتوري
بداية، من المهم الاشارة
الى ان هذه السياسات في معظمها جرى تنفيذها، بهذه الطريقة أو تلك، تحت املاءات
المؤسسات المالية والنقدية الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، أو بتأثيرات
مباشرة أو غير مباشرة منها وهو ما ستتم الاشارة الية بتفصيل اكبر في فقرة قادمة.
حتى نضع اللوحة في اطارها
الصحيح لا بد من عرض المعالم المميزة لهذه الفترة والتي تأتي أيضا امتدادا للفترة
التي سبقتها. إنها تتمثل باختصار في:
- تفاقم التفاوتات الاجتماعية
وتعمق الفرز الطبقي والاجتماعي؛
- وتفاقم البطالة وبمديات
واسعة؛
- وتعاظم التهميش الاجتماعي
بشكل خطير بات ينذر بتوترات اجتماعية قد يكون من الصعب السيطرة عليها فيما لو
تفجرت التناقضات المكبوتة اليوم بفعل عوامل عديدة، بعضها يقع خارج الاقتصاد
طبعاً.
وتشير الحصيلة الملموسة حاليا
لتراكمات آثار هذه السياسات إلى أن نمطا جديدا لتوزيع الدخل يجري الآن لصالح رأس
المال وضد صالح العمل في محوره الرئيسي وهو ما يعبر عن الشكل الرئيسي للتناقض
الأساسي المحرك لهذه المرحلة.
وقد نجم عن ذلك، بالتبعية، أن
هناك تباينات شديدة تحدث الآن في مستوى معيشة الطبقات والشرائح الاجتماعية
المختلفة طبقا للتغير الذي حدث في مداخيلها وأثّر على مواقعها الاقتصادية. فهذه
السياسات أثّرت سلبا على دخول ومستوى معيشة الطبقات الكادحة والفئات الوسطى، في
حين أدت – في المقابل- إلى تحسن واضح في دخول واستهلاك بعض الشرائح وعلى الخصوص
بالنسبة لمن يعملون في أنشطة ذات العلاقة بالمشاريع التي تطرحها سلطة الاحتلال أو
المرتبطة بقطاع التجارة الخارجية الرسمي أو المضاربات أو بالتهريب وغيرها من
الأنشطة.
ولم يكن عمق تأثير هذه
السياسات أفقيا فحسب، أي على مختلف الطبقات الاجتماعية فقط، وإنما امتد للتأثير
عليها بشكل عمودي، أي داخل فئات الطبقة الواحدة. فهناك، داخل الطبقة الواحدة،
فئات معينة تضررت ضرراً كبيرا من تلك السياسات، في حين استفادت اخرى، داخل نفس
الطبقة. فالتمايز الاجتماعي الذي نجم عن هذه السياسات، لم يكن قاصرا على التمايز
بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، وإنما أيضا داخل صفوف تلك الطبقات. وتحتاج هذه
الملاحظة إلى مزيد من الدراسات العيانية لتكشف العمق الفعلي للتأثير المشار إليه
أعلاه.
ومن جهة اخرى لا بد من
الاشارة أيضا الى أن العديد من الفئات الطفيلية التي نمت بعد سقوط النظام السابق
هي امتداد لتلك التي كانت قد ترعرت في كنفه، وشكلت احد مكونات الائتلاف الحاكم
آنذاك، كما يشير الى ذلك بصواب التقرير السياسي.
وتقوم شرائح من هذا النوع
من البرجوازية بدور حلقة وصل بين أقسام من رأس المال الدولي في الخارج، وبين
عمليات تفكيك وتصفية ركائز العمليات الانتاجية، وانتشار الفساد الاقتصادي الواسع
و"قيم"السلب والنهب في الداخل.
ومن جهة أخرى يتعين التأكيد
أن الطفيلية ليست ظاهرة قاصرة على القطاع الخاص أو النشاط الخاص، بل إنها تمتد
الى قطاع الدولة، ويعني هذا أن الطفيلية مرتبطة بالشرائح المختلفة للبرجوازية.
وهنا ثمة قضية مهمة لا بد
من الاشارة اليها وهي ان احتدام الصراعات الطائفية وحالة الاستقطاب التي ترافقها
انعكس على وحدة الانتماءات الطبقية، وعلى تبلور الوعي الخاص بكل طبقة وفئة، مؤديا
الى تشظي قطاعات منها على اسس طائفية أو جهوية، الامر الذي جعل الولاء والانحياز
الطائفيين من المعالم المميزة لهذه المرحلة.
وعندما يتكرس الطابع
الطائفي- المناطقي لبناء الدولة، ينشأ تناقض بين الدور السياسي التقليدي للدولة،
المتمثل في تأمين ديمومة النظام المسيطر دون عوائق، وبين دورها الاقتصادي المتمثل
في تأمين "الريع" لـ "القطاعات الطائفية - المناطقية" الطامحة الى السلطة
والثروة، والتي بدأت تحتل مواقع السيطرة على المفاصل الاقتصادية والسياسية
والامنية الاساسية.
وبالمقابل لا بد من اثارة
الانتباه الى ان التحولات التي شهدتها المرحلة التي تلت سقوط النظام المقبور
مرتبطة باملاءات صندوق النقد الدولي، التي تجسدت بعدة اتفاقات من بينها الاتفاق
الموقع معه حول"الترتيبات المساندة"في نهاية تشرين الاول 2005. فبموجب هذه
الاتفاقية، وبحسب الدكتور علي عبد الامير علاوي، وزير المالية العراقي انذاك،"يلتزم
العراق ببرنامج اقتصادي ومالي لمدة ثلاث سنوات وهناك ثلاثة شروط أساسية تسبق دخول
الاتفاقية حيّز التنفيذ وهذه الشروط تتمثل بما يلي:
1- تعديل أسعار المشتقات
النفطية......
2- مشروع تعديل قانون المصالح
النفطية الذي يحتكر استيراد المشتقات النفطية ليصبح بامكان القطاع الخاص ان يدخل
الصناعة النفطية....
3- تعهد البنك المركزي بأن
يستمر في تدقيق حساباته السنوية وفق مقاييس التدقيق المعروفة".
إذا دفعنا الشرطين الاوليين
الى نهايتهما المنطقية امكننا ان نستنتج ان"الاصلاح المنشود"لا يعني بالنسبة
للعديد من الفئات والطبقات الاجتماعية وخصوصاً الكادحين منهم في جميع المجالات،
سوى تكريس مزيد من الحيف والتهميش ومزيد من اتساع الفوارق الطبقية والاجتماعية.
والعودة الى تفاصيل القضايا تتيح الاستنتاج بأن"الإصلاح"المشار اليه اعلاه يأتي
لتدعيم توجهات (سياسة التكييف الهيكلي) التي يعتمدها صندوق النقد الدولي والتي
تخدم بالأساس مصالح فئات محددة ومن بينها الفئات الكومبرادورية، وتمهد الطريق
لحضور قوي للشركات متعدية الجنسية والاستثمارات الاجنبية في اقتصاد ضعيف وسوق
مفككة.
وهكذا يمكن اعتبار
إجراءات التكييف التي تمليها المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد
الدولي، ليس مجرد إجراءات تقنية للخروج من الأزمة كما يشاع بل تتحول إلى "ستراتيجية
اقتصادية واجتماعية" تؤمّن هيمنة المراكز الرأسمالية وتنشأ الاليات الضرورية التي
تحافظ على تلك الهيمنة. وعبر هذه "الستراتيجية" تعيد هذه المؤسسات صياغة آليات
هذه الهيمنة والتبعية بما تحمله من نتائج اجتماعية واقتصادية وسياسية وخيمة.
إن الأزمة البنيوية الشاملة
التي يعرفها الاقتصاد العراقي تكتسي في الجانب الاجتماعي كل أبعادها المأساوية،
وتكشف بشكل جلي عن فشل السياسات الاقتصادية المقتصرة على التوازنات المالية (حسب
وصفة صندوق النقد الدولي)، والمعتمدة على المؤشرات الماكرو- اقتصادية في غياب أي
ستراتيجية تنموية اجتماعية فعالة يدور الصراع حولها، باعتبارها جزءا عضويا من
معركة البدائل. وانطلاقا من الستراتيجية التي بنيت عليها الموازنة الفيدرالية
لعام 2006، وكذلك ميزانية 2007 الى حد بعيد، يمكن القول ان الموازنة الفيدرالية
يتنازعها هاجسان متناقضان، أحدهما مرتبط بالمحافظة على التوازنات الهيكلية
والثاني مرتبط بضرورة إيجاد معالجات وحلول ناجعة للقضايا الاقتصادية والاجتماعية.
ويمكن التعبير عن هذا التأرجح بهاجس العجز المالي وهاجس العجز الاقتصادي، والذي
هو نتيجة للضغوطات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى.
وتظهر كلفة الحفاظ على
"التوازنات الاقتصادية الكبرى" في ظل مديونية خارجية متفاقمة وأوضاع أمنية منفلتة
وفشل السياسات الاقتصادية التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة، تظهر تلك الكلفة من
خلال الضغوطات التي تمارس على النفقات العمومية وخصوصاً تقليص نفقات دعم المواد
الأساسية وفي مقدمتها البطاقة التموينية اضافة الى"تعديل اسعار المشتقات
النفطية"والذي يبرر عادة بأن الدولة تتحمل اعباء اقتصادية نتيجة استيرادها لهذه
المنتجات باسعار مرتفعة وبيعها باسعار زهيدة. ولكن مهندسي هذه الستراتيجية ينسون
(أو يتناسون وهو الاصح !) أن"اتفاقية الترتيبات المساندة"التي وقعتها الحكومة
العراقية مع صندوق النقد الدولي نصّت على ان"يلتزم العراق ببرنامج مالي لمدة
ثلاث سنوات وهناك ثلاثة شروط اساسية تسبق دخول الاتفاقية حيز التنفيذ"التي أشرنا
اليها سابقاً، وأول هذه الشروط هو"تعديل أسعار المشتقات النفطية". وهذا يعني أن
رفع اسعار هذه المشتقات هو شرط فرضه صندوق النقد الدولي وليس بالضرورة كان نابعاً
من رغبة عراقية لا تنظر الى الامور بعين الصندوق، الذي هاجسه الاساس الحفاظ على
ما يسمى بالتوازنات الاقتصادية الكبرى ومن دون أن يجهد النفس في البحث عن الاثار
الاجتماعية لتلك القرارات وهل ان الفئات الاجتماعية الفقيرة والكادحين عموماً
لديهم القدرة على تحمل اعباء هذه السياسات.
بعيدا عن الخطابات
الايديولوجية المصممة لكل المقاسات، يمكن القول ان السياسات الاقتصادية المطبقة
تحت املاءات وشروط صندوق النقد الدولي في الغالب لم تفض الى التغلب على الازمة
الاقتصادية البنيوية المتفاقمة بل انها على العكس من ذلك قادت الى جملة من الاثار
والنتائج، من بينها التالية:
- تنامي معدلات البطالة (التي
بلغت بحسب تقديرات بعض المنظمات الدولية حوالي 50%)، هذا مع العلم"ان معدل
البطالة بين الشباب الحاصلين على التعليم الاعدادي والجامعي يصل الـى حوالي 40 في
المئة". ان تنامي هذه المعدلات أدى ويؤدي الى الاسهام في خلق جيش احتياطي متزايد
من العاطلين عن العمل وتنميته بإستمرار. وقد توصل التقرير السياسي الى استنتاج
مهم يتجلى في تجنب النظر الى البطالة باعتبارها مشكلة فنية صرفة بل كقضية
اجتماعية – اقتصادية لها تداعيات خطيرة، وذلك حينما أكّد على انها - أي البطالة
-"..... توفر بيئة خصبة لنمو الجريمة والتطرف وأعمال العنف، وتشكل مستودعا
لتفريخ الارهابيين. ذلك ان الفئات المهمشة عادة ما تكون تربة مناسبة لنمو
الاتجاهات والخيارات المتطرفة".
- تفاقم التوترات الاجتماعية.
- تعاظم الدعوات لـ "طرد
الدولة" من الحقل الإقتصادي وإبعادها كلية عن آليات السوق واعتماد خصخصة مؤسسات
القطاع الحكومي، مما يفتح الطريق أمام رؤوس الأموال الأجنبية لفرض هيمنتها، من
مواقع قوية، على النشاط الإقتصادي المحلي.
- التدمير المنتظم والتدريجي
للطاقات الإنتاجية المحلية من خلال إرغام البلد على تطبيق وصفة التكييف ودفعه الى
انتهاج مبدأ "تحرير التجارة الخارجية" وأساساً تجارة الاستيراد، مما ساعد على غزو
السلع القادمة من البلدان المتطورة للسوق العراقية ومنافستها للسلع المحلية، التي
تمتاز أصلاً بقدرة تنافسية ضعيفة، مما يؤدي الى تدمير الصناعات المنتجة لتلك
السلع، على الصعيد المحلي.
- التأثير في العلاقات
الإجتماعية من خلال العمل على"خلق"فئات اجتماعية تستفيد من حزمة السياسات التي
تتضمنها برامج التكييف الهيكلي. إن التطبيق "الناجح والمضمون" لتلك البرامج
يستحث، من بين أمور عديدة، تفكيك التحالفات الإجتماعية "التقليدية" والعمل على
خلق الشروط لنشوء وتطور تحالفات اجتماعية جديدة، تتضمن تلك القوى الإجتماعية التي
تدافع عن تلك الحزمة من السياسات الجديدة وتكون أساساً أو قاعدة متينة لسلطة
الدولة ولها مصلحة فعلية في استمرار تنفيذ برامج"التكييف الهيكلي".
بعض الدروس الكبرى
استنادا الى التحليل
التفصيلي للاوضاع الاقتصادية بلور التقرير السياسي جملة من الدروس المهمة، من
بينها ما يلي:
1- لا توجد حلول سحرية سريعة
للمشكلات الفعلية التي يعانيها الاقتصاد العراقي. ويعني هذا أن نجاح ستراتيجية
معللة للتنمية ينبغي أن يقترن اقترانا وثيقا باجراء تحليل اقتصادي- سياسي ذي
مضمون اجتماعي، يتعامل مع الطبيعة الشاملة للازمة القائمة.
2- بيـّنت التجربة التاريخية
أن الاعتماد الكثيف على النفط، كمصدر وحيد للدخل والنقد الأجنبي، انما يعكس هشاشة
بنية الاقتصاد الوطني. ومن هنا ضرورة العودة الى اعتماد ستراتيجية للتنمية
الاقتصادية – الاجتماعية، تكفل تحويل القطاع النفطي من قطاع مهيمن ومصدر للعوائد
المالية فقط (أي للتكاثر المالي وليس للتراكم) الى قطاع منتج للثروات، يكون قطبا
لقيام صناعات أمامية وخلفية تؤمن ذلك التشابك القطاعي المطلوب لتحقيق أنطلاق
تنموي حقيقي.
3- وبالمقابل لا يمكن
للمعالجات الاقتصادية، حصرا،ً أن تحقق الأهداف التنموية ما لم تقترن بسياسات
وإجراءات تتناول البعد الاجتماعي، وتركز على إشكالية الديمقراطية ومؤسساتها التي
ينبغي أن توفر الشروط المثلى لتحقيق رقابة مجتمعية، قادرة على مراقبة كيفيات
التصرف بالعوائد المتأتية من تصدير النفط، بما يخدم تحقيق التنمية بوتائر متصاعدة
من جهة، ويؤمّـن التوزيع العادل لثمار هذه التنمية. ومن هنا أهمية الربط الصحيح
بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في ظروف بلادنا الملموسة، فذلك هو السبيل
الوحيد القادر على إخراج بلادنا من محنتها وأزمتها البنيوية.
4- الحاجة الى معالجات جذرية
لقضية المديونية التي تظل عبئاً ثقيلاً على موارد البلاد. وإذ يجب التمسك بكل ما
تحقق على صعيد خفض وإلغاء الديون، ومواصلة المساعي مع الدول الدائنة الأخرى التي
لم تفعل ذلك بعد، فإن من غير المقبول أن تنزع أو تهدد قدرة الحكومة العراقية
المنتخبة والمؤسسات التشريعية على رسم واعتماد الخيارات الاقتصادية والتنموية
للبلاد، أو أن تفرض عليها سياسات تؤدي إلى إرهاق كاهل الفئات الشعبية، وتضعف
الانتاج وتشيع البطالة.
5- أما على الصعيد الاجتماعي،
فإن أية ستراتيجية يراد لها النجاح، يجب أن تعمل على تحديد طبيعة الحاجات
الأساسية والضمانات الاجتماعية للمواطنين، كالخدمات الصحية والتعليمية الأساسية
وتقديم الإعانات المالية في حالات البطالة والعجز عن العمل والشيخوخة.
6- توفير فرص عمل جديدة لا
بد ان يحتل مكانة خاصة في المرحلة الراهنة، بسبب البطالة الواسعة وآثارها السلبية
على الأفراد والمجتمع. ولا شك أن مكافحة البطالة تتطلب دعم إنشاء وتطوير المشاريع
الإنتاجية والخدمية الصغيرة والمتوسطة، التي تستثمر مزيدا من الأيدي العاملة ولا
تحتاج إلى رؤوس أموال أو عملة صعبة كبيرة، ولكنها تسهم في معالجة العديد من
المشكلات الاقتصادية.
7- التوزيع العقلاني للموارد
الاقتصادية المتوفرة على صعيد الأقاليم والمحافظات، باعتماد منظومة من المعايير
تجمع بين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وبما يضمن نمواً متوازناً لمختلف
المناطق، ويسهم في تقليص التفاوتات الاقليمية، وتركيز الصناعات والمشاريع في
مناطق جغرافية محددة دون اخرى، الامر الذي يؤدي الى تنامي الشعور بالغبن والتهميش
والاقصاء.
*الاعتماد على النفط كمصدر
وحيد للدخل
يعكس هشاشة بنية الاقتصاد
الوطني