اكد الحزب الشيوعي العراقي،
في وثائقه وبياناته، وفي مواقفه العملية اهمية احلال الامن والاستقرار في بغداد
وسائر انحاء العراق، نظرا لتأثير ذلك على مجمل مناحي الحياة والنشاط،على تنوعه،
سواء للدولة او المجتمع ، فبدون ان تتحقق انجازات ملموسة على هذا الصعيد، يصعب
الحديث عن تطبيع الأوضاع وعن تنفيذ أية أعمال ومشاريع وخطط تنموية او خدمية.
ولقد توقف المؤتمر الوطني
الثامن للحزب الذي انعقد في بغداد أيام 10-13 ايار 2007 بمسؤولية كبيرة امام
الملف الامني الشائك والبالغ التعقيد، واكد في التقرير السياسي الصادر عنه على
انه:
" استنادا الى تحليل ملموس
لهذا الملف يتوجب القول ان الوضع الامني في البلاد لم يتحسن ، رغم ما تم اتخاذه
من اجراءات وما تم تنفيذه من حملات وما وضع من امكانيات تحت تصرف القوى الامنية،
لا سيما في بغداد، بل على العكس سجل تدهورا ملحوظا في مناطق عديدة، وفي بعضها
حتى لم يعد ثمة وجود لفعل الدولة ومؤسساتها، وخصوصا الامنية منها ".
واشار التقرير الى ان اهداف
العمليات الارهابية تبقى هي نفسها، وتتمثل في السعي لاشاعة اجواء الخوف والتوتر،
ومفاقمة الاحتقان الطائفي والاجتماعي، وسلب الاموال، وخلط الاوراق، وصولا الى
اجهاض العملية السياسية وشل الحياة العامة. واخذ استخدام العنف والقوة، في بعض
المناطق، ابعادا اخرى لها صلة بتقاسم مناطق النفوذ والهيمنة والحصول على المغانم
. فيما يلاحظ ان بعض العمليات الارهابية يتم توقيتها لتحقيق اهداف سياسية معينة،
بينما تستهدف عمليات اخرى تكوين مناطق من لون طائفي واحد عبر التهجير الجماعي
القسري لذوي اللون المغاير.
ومضى التقرير السياسي الى
القول ان تدخل بعض دول الجوار في الملف الامني يبقى واضحا "ويتم ذلك عبر الدعم
المالي واللوجستي والتسليح والتدريب وغير ذلك. في حين لا تزال اجهزة الدولة
المعنية دون المستوى الضروري للتصدي بنجاح لقوى الارهاب، ولفرض الامن والاستقرار.
ويعود ذلك الى اسباب عديدة، لعل في مقدمتها الخلل الكبير في تركيب تلك الاجهزة،
وبنائها على اسس بعيدة عن روح المواطنة والمهنية ، فضلا عن ضعف التسليح والتدريب.
مما يتطلب معالجة شاملة وجذرية في اعادة بناء تلك الاجهزة".
يضاف،ايضا، الى ما ذكر التخبط
الامريكي ونزاعات مراكز القرار في واشنطن والصراع الحزبي الداخلي فيها
وانعكاساته في الاعلام الامريكي. ان من شأن هذه التقاطعات والتناقضات ان تثير
المزيد من البلبلة ، وينجم عنها تلقي الفرقاء العراقيين رسائل متناقضة ، تزيد من
تعقد الاوضاع وتدفع البعض الى التشدد في مواقفه .
ونظرا لاهمية معالجة الملف
الامني فقد ساند حزبنا خطة فرض القانون، على ان تشمل كافة مناطق العاصمة وتمتد
الى سائر ارجاء الوطن، مؤكدا ان معالجة الملف الامني صعبة التحقيق، من دون
حزمة متكاملة من الاجراءات العسكرية والامنية والسياسية والاقتصادية والاعلامية
والثقافية. وقد بينت التجربة ان العمل العسكري، على اهميته، لن يفلح بمفرده في
ضبط هذا الملف والقضاء على النشاط الارهابي والاعمال التخريبية.
لقد كنا، وما زلنا، نعتقد بان
تحقيق أي تقدم جدي على صعيد هذا الملف مشروط باتخاذ خطوات جريئة وحازمة على طريق
المصالحة الوطنية وحل الميليشيات ومعالجة موضوع الاجتثاث وقضية المعتقلين
والمحتجزين وغيرها، وإزالة أجواء الاحتقان الطائفي. ولا يقل اهمية عن ذلك توفير
الخدمات الاساسية وتحسينها، مما ستكون له انعكاسات ايجابية على سائر الملفات
الاخرى.
ان الاقدام على ذلك كله اصبح
امرا مهما ومطلوبا، ولاسيما بعد الاحداث والتطورات الاخيرة، والاعتداء الجديد
الارهابي على مرقد الاماميين العسكريين في سامراء، ومن قبله الاعتداء على الحضرة
الكيلانية، وما رافقه من افعال انتقامية، ومن توترات حالت دون تفاقمها الاجراءات
السريعة التي اقدمت عليها الحكومة، واصوات الاستنكار والادانة الواسعة لهذه
الاعتداءات الاجرامية، مقرونة بمساعي التهدئة وتفعيل العقل والدعوة الى التروي
والتصرف الحكيم. ولا يمكن الا ان نلاحظ انه، عدا بعض ردود الفعل التي اتسمت
بالطيش والتهور وصبت في اتجاه تحقيق مقاصد الارهابيين في اثارة الفتنة وتوسيعها
وتعميقها، فان عامة ردود فعل الاوساط الشعبية والسياسية والدينية، اتسمت في
اغلبها بادراك المرامي الشريرة للعمل الاجرامي الجبان، والدعوة الى تمتين اواصر
التعاون والوحدة في مواجهة المحنة ، وهذا ما يمكن ، ايضا، استثماره والبناء عليه
في سياق مسعى الجميع للخروج بالبلاد من ازمتها. وبالتاكيد ستتسارع الخطى في هذا
الاتجاه عندما تتهيأ مستلزمات مساهمة ومبادرة الجماهير الواسعة ذات المصلحة
الحقيقة في نجاح العملية السياسية.
ونجد ضرورة اعادة التأكيد ان
معالجة الوضع الخطر الراهن لابد ان تكون شاملة، يأتي في مقدمتها معافاة الوضع
السياسي وتفعيل مشروع المصالحة وفتح قنوات الحوار بين الكتل السياسية المختلفة
والعودة الى تفعيل المشتركات، وما اتفق عليه من برامج وخطط، والتفكير بالاليات
الكفيلة بانجاز ذلك عبر مراجعة نقدية حريصة وصريحة، بما يساعد على عودة الحيوية
والنشاط الى الدولة ومؤسساتها، وتفعيل سائر ادوات الحكم، التشريعية والتنفيذية
والقضائية .
فالتطورات الحاصلة، وما تحمل
من مخاطر على سائر العملية السياسية، وحجم التدخلات الخارجية، كل ذلك يفترض
الاقدام على خطوات جريئة، مدروسة وواقعية تعيد وضع الامور في نصابها. وتلك
مسؤولية الجميع، والحكومة في المقدمة.
ان المواطن العراقي، رغم كل
التعقيدات والصعوبات، ومنها ما يتعلق بالاوضاع الامنية والخدمية، ما زال يأمل
ويتطلع الى وضع حد للارهاب والفوضى واحلال الامن والاستقرار، وانهاء دور
المليشيات وحصر السلاح بيد الدولة، وتفعيل اجهزة الدولة ومؤسساتها، لاسيما
الامنية والعسكرية، واعادة بنائها على وفق معايير الوطنية والكفاءة والمهنية،
وتفعيل القانون في ملاحقة مروجي الفتنة والاحتقان الطائفي، وصيانة حقوق جميع
العراقيين على اختلاف قومياتهم واديانهم وطوائفهم وتياراتهم السياسية.
هذا ما يريده العراقيون، وهذا
ما يمكن الاستناد عليه اذا اردنا حقا، وكما هو معلن، ان نبني دولة المؤسسات
والقانون، الدولة الديمقراطية الاتحادية المزدهرة، كاملة السيادة.