في اللقاء الصحفي الذي عقدته قيادة حزبنا بعد المؤتمر الوطني الثامن. الذي حضره
عدد من ممثلي الصحف وبعض الفضائيات التلفزيونية وانا انظر الى منصة الخطابة التي
توسطها سكرتير حزبنا الرفيق ابو داود، اذ جلس على يساره الرفيقان رائد فهمي وعزت
ابو التمن، وعن يمينه الرفيقان صبحي الجميلي ومفيد الجزائري. هاجت في دواخل نفسي
خلجات تريد ان تصرخ وتقول: يا ناس... يا عالم... انظروا الى حزبنا كم هو قوي،
صلب، رافع الرأس، يسير للامام بخطوات ثابتة، رغم كل المصائب والمحن والانتكاسات
التي مرت به، مازال سالماً حزبنا.
سبعون
عاماً ونيف، واعداء الشيوعية، اعداء الاشتراكية، اعداء الحرية والديمقراطية،
اعداء الفكر والانسانية يتجمعون ويخططون ويبحثون عن سبل وطرق للقضاء على هذا
الحزب؛ فتبوء وسائلهم بالخسران والفشل الذريع.. ففي العهد الملكي، حرمت الشيوعية
واعتبرها ذلك النظام من المبادئ الهدامة، وتجند نوري السعيد وبيده كل اجهزة القمع
والتنكيل بالاضافة الى وسائل الاعلام المأجورة لتحقيق رغبة اسياده في المخابرات
البريطانية لتشويه هذا الفكر النير ومن ثم القضاء عليه فلم يفلح.
وتكررت
المأساة مرة اخرى في شباط الاسود، فتقوم المخابرات الامريكية هذه المرة
بزفة"عروسة الثورات" التي كان من صلب المهمات التي اوكلت اليها، هي القضاء التام
على الحزب الشيوعي. فقام الانقلابيون الفاشست بشن ابشع حملة تنكيل ومطاردة عرفها
التاريخ ضد الحزب الشيوعي، يكفي هنا الاشارة الى بيان الحاكم العسكري العام رقم
13 المشؤوم الذي امر فيه عصابات الحرس اللاقومي ابادة الشيوعيين اينما وجدوا.
ولكن
صلابة الشيوعيين وصمودهم، اثبتت للعالم ان هذه "العروس" زفتها المخابرات المركزية
الامريكية فسلطت كل حقدها ولؤمها لتنفيذ امر اسيادها للقضاء على الحزب الشيوعي.
فباءت بالفشل كأسلافها من العملاء والمرتزقة. صحيح انهم اغتالوا قادة حزبنا، كما
فعل من قبلهم النظام الملكي. ولكنهم لم يستطيعوا ان يغتالوا افكارهم. ان فهد
وحازم وصارم ومن ثم سلام عادل وجمال الحيدري وحسين ابو العيس هم احياء في قلوبنا
نستلهم منهم العزم والارادة والتصميم، انهم نبراس لطريق مسيرتنا الظافرة.
تقطع
هذه التصورات صوت الرفيق مفيد الجزائري معلناً بداية هذا المؤتمر الصحفي ويعطي
الكلام لابي داوود ليتكلم، ويتكلم ابو داوود فيقول بنبرة الواثق المنتصر: المؤتمر
عقد... في بغداد.
ماذا
تعني هذه الجملة القصيرة؟ ابو داوود اختزل عمر الحزب وتاريخه، بهذه الكلمات
الثلاثة،(هذا هو السهل الممتنع). بغداد، ام العراق، تحتضن اولادها البررة
النجباء، بغداد الام الرؤوف الحنون، تحنو على اولادها من جديد وتستذكر واياهم تلك
الذكريات الحلوة منها والمرة، ففي كل حي وشارع وزقاق وساحة عامة ومتنزه، وفي كل
عمود من اعمدة شارع الرشيد، ضفاف وجسور دجلة الخير والعطاء، اهل بغداد، بيوتها،
مدارسها، معاهدها وكلياتها، المعامل والورش، كلها تتحدث عن تلك البطولات والملاحم
التي سطرها ابناؤها، معركة جسر الشهداء في وثبة كانون انتفاضة تشرين الاعتداء
الثلاثي على مصر احتجاجات الطلبة مظاهرات واعتصام العمال... وغيرها،فالذكريات
كثيرة والصور عديدة لا تحصى بسهولة؛ هذا هو الجهاد الشريف، وهؤلاء هم المجاهدون
الشرفاء الذين يعرفون بسيماهم، وجوههم مكشوفة وشعاراتهم وبرامجهم معروفة ومعلنة.
ثم
يستأنف كلامه ابو داوود وليعلن للملأ ويقول: لم يعقد لنا اي مؤتمر او كونفرنس
حزبي خارج العراق، هذا اصرار الشيوعيين على ان يكونوا قريبين من شعبهم. بهذه
العبارات القليلة يسطر لنا مجموعة من حقائق الامور والبديهيات هي: ان الشيوعيين
يستمدون قوتهم واصرارهم على النضال من الشعب ومن الجماهير، فصلة الشيوعي
بالجماهير صلة عميقة الجذور مستمدة من مبادئهم، الشعب هو الدرع الواقي الامين
للشيوعيين وهو المعلم والمرشد والموجه، والحزب هو مدرسة متميزة من مدارس الشعب
التي تخرج منها كثير من القادة والمناضلين فلا يمكن أبداً الاستغناء او الابتعاد
عن الشعب وان حصل فهذا هو الانتحار. (إعلان مجاني لمن يريد القضاء على الحزب
الشيوعي؛ اقضوا على الشعب... اقتلوا الشعب كل الشعب ان كنتم قادرين).
ثم
يتطرق ابو داوود الى اوضاعنا الحالية فيقول: استخلصنا مجموعة من الاستنتاجات
لخلاص الشعب من ازمته العميقة الحالية، فعبر وحدة قوى الشعب الوطنية ذات المصلحة،
نستطيع ان نحقق انجع الحلول، طريق الاحتراب هو الذي ارهق العراق، ثبتت التجربة ان
طريق العنف والاحتراب لن تفضي الا الى الخراب، ولن يستفد منها اية جهة. الطائفية
واستخدام الميليشيات، طريق اثبت فشله كذلك المحاصصة التي اربكت الدولة. لذا وحدة
الشعب على اساس وطني ديمقراطي هي الشرط الوحيد لإنقاذ البلد. ثم يؤكد ابو داوود
على المصالحة الوطنية فيقول: ان تفعيل المصالحة تحتاج الى مبادرات ايجابية ويتطلب
تحويل الكلمات الى افعال وممارسات حقيقية وتنازلات متقابلة لنصل بالبلد الى شاطئ
السلامة. ثم ركز على ما يجب على الشيوعيين القيام به من نشاط لتقريب وجهات النظر
بين الجهات المختلفة، والعمل على تشكيل التحالفات التي تؤدي الى اعادة بناء
العراق اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وعودته الى وضعه الطبيعي. ثم يتطرق الى
الوثيقة الفكرية فيقول: تجربة الاشتراكية، نحن في آخر المطاف ثبتنا الاشتراكية
وعلينا ان ندرس هذه التجربة التي مرت بها البشرية، ندرس على الاقل اتجاهاتها
العامة؛ الاشتراكية مرت بتجربة فيها الخطأ والصواب ويحب مراجعتها واستخلاص الدروس
على ان لا تبقى النظريات جامدة. ثم يختم حديثه عن انتخابات اللجنة المركزية
فيقول: أطلقنا حرية الترشيح للانتخابات وقد فاز من ضمن العدد المطلوب رفيقتين على
اساس الكفاءة والمقدرة وليس المحاصصة. انتهى استعراض الرفيق ابو داوود وبدأت
اسئلة الصحفيين.
وباعتباري
احد الناشطين في العمل النقابي، وقضايا العمال هي من اهتماماتي الرئيسية. لذا
تبادر الى ذهني سؤال حول: هل كان للمؤتمر حصة للعمال والكادحين؟... ثم احجم على
طرح هذا السؤال واخجل من نفسي! كيف يجوز لي ان اسأل مثل هذا السؤال الساذج، بل
الغارق في السذاجة، فأقول للنفس الامارة بالسوء احيانا: من.. غير الشيوعي الذي
يتحسس آلام العمال والكادحين؟ من.. غير حزبنا المدافع الحقيقي عن الفقراء
والمساكين؟ ومن اجل من نجوع ونشقى ونتعذب وندخل السجون والمعتقلات؟.
ثم
اتذكر.. زعل احد رفاقنا على المؤتمر الذي قال فيه: ان نسبة العمال كانت قليلة.
فيتكون عندي سؤال عن السبب؟... ثم احجم عن الطرح هذه المرة، بسبب ان الجواب معروف
لدي: هناك عاملان احدهما موضوعي بسبب سياسة العهد المباد التي كان من اهدافها؛
نشر الجهل والتعتيم، وبسبب الابعاد القسري لممثلي العمال الحقيقيين عن الساحة،
والعامل الثاني ذاتي، يرجع الينا، ان نشاطنا دون المستوى المطلوب، ضعف في تحركنا،
ضعف في صحافتنا، فلماذا هذا الزعل يا رفيق؟ انشطوا اكثر تكسبوا اكثر شكلوا فرقاً
لتذهب الى اماكن تواجد العمال والكسب، اذهبوا الى الفقراء الى المسحوقين حتى
العظم، لدينا احياء بيوتها من الصفيح! واحياء اخرى تحيطها المستنقعات، وهؤلاء لا
يعرفونا، وان سمعوا بنا فمعلوماتهم ربما تكون مشوهة ومحرفة.
واخيراً
اقول لصاحبي الزعلان: الا يفرحك وانت ترى اناس انحدروا من غير شريحة العمال وقد
تبنوا قضيتك ودخلوا خندق النضال معك لتحقيق اهدافك، هذا ان دلّ على شيء فإنما يدل
على عدالة قضيتك. فالحزب الشيوعي ومن خلال المؤتمر الوطني الثامن اصبح اليوم خيمة
لكل شرائح المجتمع، ومن حق الجميع ان يتنسموا عطر اريجه.