قبل
ايام وفي بلاد الغربة في المانيا رحل عنا المناضل الشيوعي المعرروف ابو عطا، بعد
معاناة مع المرض الذي اقعده عن الحركة والم البعد عن الوطن
ولد
ابو عطا في احد الاحياء الفقيرة من بغداد وفي نفس المحلة التي ولد فيها الزعيم
الوطني النزيه عبدالكريم قاسم "محلة المهدية" المجاورة لمحلة الجوبة، نشأ وترعرع
في ذلك الوسط الفقير فذاق مرارة العيش وشدة الحرمان، لذلك شب وهو ناقم ومتمرد على
ذلك الواقع المأساوي ومما زاد من تذمره طبيعة العمل الذي كان يؤديه وهو غزل الشعر
الذي تصنع منه بيوت الشعر.
لقد
كان عملاً شاقاً وغير صحي في معمل صغير لا تتوفر فيه ابسط وسائل العمل الانساني.
كنا
معاً نقوم بمساعدة اخوتنا الكبار عباس الذي اصبح بعد ثورة 14 تموز عضواً في الحزب
ومرافقاً للرفيق الراحل عبدالقادر اسماعيل ومن ثم حارساً لجريدة الحزب "اتحاد
الشعب" واعتقل عام 1963 اثر انقلاب شباط الاسود، اما احمد فكان عضوا نشيطاً في
حزبنا الشيوعي منتصف الاربعينيات، لكنه للاسف الشديد اختفى فجأة عام 1947 وفي
ظروف غامضة وهو في الحادية والعشرين من العمر ولم نترك باباً الا وطرقناه، حتى
وجدنا جثته مرمية في نهر دجلة.
في
تلك الفترة من الاربعينيات وفي ذلك المعمل كنا نسترق السمع من خلال الاحاديث التي
كانت تتحدث عن بطولات الجيش السوفيتي الاحمر ودحره للجيوش الهتلرية الغازية وعن
صمود بطلة الاتحاد السوفيتي "تانيا".
كما
كنا نتعرف عن كثب على نشاط حزبنا ودوره في نشر الوعي الوطني والطبقي بين صفوف
العمال وشرائح المجتمع كافة.
وطبيعي
ان نتاثر بتلك الافكار ونتفاعل معها، وعقب الاحداث التي حدثت في تلك الفترة منها
وثبة عام 1948 واعدام الرفاق الخالدين فهد وحازم وصارم والانتكاسة التي ألمت
بالحزب فما كان من اخي "ابوعطا" الا الانضمام الى ما تبقى من الرفاق المخلصين
وتشكيل خلايا صدامية بطلة تمكنت من اعادة بناء الحزب من جديد وذلك بداية
الخمسينيات وتحت قيادة صامدة تمكنت من ايقاف موجة التراجع ورفع راية الصمود
والتحدي، ومن الرفاق الذين عمل معهم وعلى ما اتذكر الشهداء الابطال محمد صالح
العبلي وطالب عبدالجبار، نعمان محمد صالح، زامل حاتم، اضافة الى من بقي وفياً
ومخلصاً للحزب اذكر منهم الرفاق حكمت خليل، رشيد العزاوي، گليبان صالح العبلي
خليل الصائغ، رشيد عارف واخينا محمود عبدالرحمن وغيرهم "لا اتذكر اسماءهم"
لقد
ساهم ابو عطا ورفاقه الابطال بكل تفان واخلاص في تثبيت كيان الحزب من خلال
النشاطات التي كانوا يكلفون بها.
في
عام 1953 افتتح دكاناً صغيراً لبيع المواد النجارية باعتباره عامل صبغ نجارة في
شارع الامين ليكون بريداً للحزب لتسلم ما يصدر عن الحركة الشيوعية من صحف وكتب
ومجلات تحت اسم "حجي تقي" ولكن للاسف اكتشف من قبل التحقيقات الجنائية "الامن
العامة" والقي القبض على ابي عطا وتعرض للتعذيب ولكن دون ان يحصلوا منه على شيء
فاطلق سراحه.
وفي
نفس السنة وبتخطيط من الحزب قام ورفاق له هما ابراهيم الحريري وحكمت كوتاني بعمل
فريد من نوعه اذهل السلطات الحاكمة آنذاك حيث تمكنوا من تهريب الرفاق صادق
الفلاحي وسليم الجلبي وحمدي ايوب من سجن بغداد المركزي في باب المعظم حاليا وزارة
الصحة، بعد ان حلو محلهم حتى المواجهة التالية لعوائل السجناء، وخرجوا مع العوائل
دون ان تكتشف ادارة السجن ذلك الا بعد حين، لقد كانت تلك العملية فعلاً عملية
بطولية تحسب لهم ورفعت من معنويات رفاق واصدقاء الحزب. عام 1954 وبينما كان على
موعد مع احد الرفاق في منطقة الكاظمية لتسليمه نشرات الحزب القي عليه القبض بعد
مقاومة من قبل مفوض المنطقة "ابراهيم حممچية" ومجموعة من رجالات البوليس السري
وارسل الى دائرة الامن ليلاقي هناك شتى صنوف التعذيب دون ان يحصلوا منه على شيء،
فحكم عليه بالسجن سنة واحدة واخرى مراقبة في مدينة بدرة، قضاها في سجن بعقوبة،
وبأمر من الحزب هرب من المنفى ليلتحق بصفوف المناضلين في مدينة البصرة.
وبعد
مكوثه هناك فترة من الزمن، اشتاقت نفسه لزيارتنا في بغداد.ولكن لسوء الحظ شاهده
احد رجال الامن وهو من منطقتنا ويدعى صالح عويصه فوشي به ودوهم دارنا والقي القبض
على ابي عطا وحكم عليه هذه المرة سنتي سجن قضاها في سجن بعقوبة الرهيب تحت ادارة
احقر واشرس ادارة سجن آنذاك حيث كان مع بقية رفاقه يتعرضون للجلد والسجن
والانفراد لاتفه الاسباب، بعد خروجه من السجن نفي الى بدرة لينتهي هناك سنة اخرى،
وقبل ان يكمل السنة حدثت اعظم ثورة في الشرق الاوسط الا وهي ثورة 14 تموز الخالدة
فحررته وبقية ابناء شعبنا مما كانوا يعانون من الظلم والتسلط.
وبعد
تحرره من النفي عاود نشاطه الحزبي واصبح احد اعضاء لجنة بغداد الرصافة، ونتيجة
لمواقفه الشجاعة وتصديه للعصابات التي كانت تحاول كسر شوكة الحزب في منطقتنا اصبح
مستهدفاً من قبل تلك العصابات لذلك وحرصاً من الحزب عليه ارسل الى جمهورية
المانيا الديمقراطية لدراسة النقابات.
وبعد
الهجوم الوحشي الذي تعرض له حزبنا بعد انقلاب شباط الاسود عام 1963 وتشكيل قيادة
جديدة وجهت نداء لكافة اعضاء الحزب في الداخل والخارج للعودة وبناء الحزب من
جديد.
فكان
ابوعطا اول الملبين لذلك النداء وعاد الى الوطن ليسهم في رفع راية الحزب ثانية
على ربوع العراق الجريح، الا انه اصيب بخيبة امل حينما لاحظ بان هناك اتجاهاً
يمينياً خطيراً بتغيير اسم الحزب ودمجه فيما يسمى بالاتحاد الاشتراكي، وفضل
التمسك بما تربى عليه من قيادات فهد وسلام عادل وبقي وفياً ومخلصاً لتلك المبادىء
ولحزبه المقدام حتى اخر لحظة من حياته.
اليك
يا اخي والى كافة الرفاق الذين رحلوا في الغربة او الذين استشهدوا والى كافة
المخلصين من ابناء شعبنا الطيبين اطيب تحيات المجد والخلود.
اخوك عبدالقدوس عبدالرحمن