ولد الراحل عام 1947 في
مدينة الفاو، مدينة غافية على ضفاف شط العرب، تفز بين حين واخر على امواج وصوت
نوارس، من عائلة خبز يومها النضال الاجتماعي، في سبيل حقوق عمال الميناء والنفط
وصائدي الاسماك والفلاحين، بدا يافعاً ، نشيطاً بين صفوف اتحاد الطلبة العام
والشبيبة الديمقراطية، فكان مثل فنارات السفن، مضيئاً دوماً، ثابتاً ومثابراً،
يتذكره اصدقاؤه في المدارس وفي الاضرابات والاحتجاجات.. كان صغيراً، لا يهدأ،
يطوي زمناً من عمره تحت جوانح فوارة لا يستقر ولا يستكين خمر علاقته مع الباعة
وشباب رياضيين وعمال سفن، كان ينشر افكاره الماركسية بلغة سهلة، طرية، تحمل
صلابتها وموقفها ووضوح هدفها.. ومنذ 1963 حين كان بعض الاقارب والاصدقاء والناس
المعروفين بطيبتهم قد سجنوا في نقرة السلمان او اختفوا عن ايدي الحرس اللاقومي
والامن الباطش... محمد حبيب، سالم عبد عثمان، محمود عبدالعزيز، عبدالقادر عمران،
جعفر جاسم، وآخرون ممن يتذكر اهل الفاو، نضالهم وبسالتهم... كان في بداية يفاعته
يحتك ويجالس المناضلين، ويستمع ويجمع التبرعات ويرسلها لهم، كان يحلم بعالم خال
من الاضطهاد الاجتماعي والتمييز بين البشر الذين خلقوا متساويين... وعرف مقولة
ماركس بان الانسان اثمن رأس مال في هذه الدنيا فاخذ هذه المقولة ورفعها كراية
امامه حتى استشهاده.
كنا نتبع خطواته الواثقة في
المدرسة الثانوية وجرأته في الرد على تخرصات الطلبة والمدرسين الغارقين في
الرجعية والحقد على البسطاء.. الذين استولوا بامتياز على الاراضي والنخيل بمراسيم
حزبية.
كان فتحي لا يتعب وهو على
دراجته الهوائية، مرة في جنوب الفاو حيث الملح كالفضة والحناء كالفيروز الاخضر،
يداعبه النهر يضفي عليه قوة وصموداً، وبين (الاحواز) يسترد انفاسه في بيوت من
القصب او الطين يجلس في باحات واسعة مع ثلة من اقرانه، يقرأون الكتب والروايات
والشعر.. لقد بدا فتحي قاريء للادب والفن، وحين اشتدت ادوات لغته وبداية حديثه،
امتدت قامته الى شمال الفاو.. للقرى الطيبة الغافية الخضراء، قرى مفروشة بزهور
المشمش ورائحة الطلع والتوت... وهناك تمكن من ان ينشئ النواتات الاولى للطلاب
وبعض الكادحين.. واصبح خطراً على القانون الحكومي الاستبدادي.. فاعتقلته اجهزة
أمن الفاو مع اثنين من رفاقه وظل عاجزاً عن السير اكثر من شهر عام 1970 بعد
التعذيب الوحشي، وعندما جاء الى مدينة البصرة ودرس في معهد اعداد المعلمين كانت
تجربته وخبرة علاقته مع الناس وامكانية لغته ومعارفه، قد سهلت له ان يتبوأ مركزاً
مرموقاً.. حزبياً واجتماعياً في مدينة تضج بالحركة والعنفوان والسلوك الرصين الذي
بناه قبله رفاق واصدقاء وعمل في منظمات عديدة وفي لجان اتحاد الطلبة والشبيبة
الديمقراطية والحزب كان مخططا دقيقاً للسفرات واللقاءات حيث عقد الكونفرس الثاني
لاتحاد الطلبة في غابات نخيل ابوالخصيب. كان يجوب الشوارع من اجل اجتماع لمنظمة
الاسواق والفنادق والرفاق المغتربين عن المدينة.. يوطد صلاته وعلاقاته الاجتماعية
ويساعد الرفاق العزاب والمعوزين بكل انواع المساعدة وفي هجمة 1978 كان دائم
الاتصال بمنظمة الحزب في المقرات، حتى قرار الخروج الى الكويت هذا القرار الذي
جعله ذات مرة يتفقد اقدامه المتوجعة من سياط الجلادين وظهره وكتفيه وخاصرته التي
كان الاوباش يضربونه عليها بقسوة وتشفي.. يومها جلس في احدى المقاهي المنزوية قرب
الداكير وذرف الدموع عن غربة جديدة آتية. وفي الكويت بدأت صفحة جديدة تضاف الى
نضاله فاصبح محطة لكل الرفاق الذين تخلصوا من الهجمة الفاشية الشرسة، فؤاد سالم،
طالب الغالي، ابوجلال، علي الشبيبي وابو شروق وابو حازم الذين عبرهم الى اليمن،
الشارقة وهذه الصفحة لها اوراق كثيرة... سيأتي الحديث عنها.
الفاو/ البصرة