في الثلاثينات
من القرن الماضي ولما يزل الحزب الشيوعي في المهد صبيا
طلع الجنرال بكر صدقي بفتوى : أن العراق ليس تربة صالحة للشيوعية ، مثل عدم صلاح
أرض السويد لزرع النخيل فيها. وتبعه في هذا الزعم والتمني نوري السعيد وانقلابيو
شباط وأرباب الفاشية البدوية ، التي ما صارت عاقبتها بأحسن من عاقبة الطغاة
الذين ولوا ، وأدبروا قبلها. النخلة وتسمو ، نخلة الشيوعية في العراق ، ذلك أن
طلعها باق في سماء العراق ، وجذورها عميقة ، متشابكة في الأرض ، ولأن الفسيلة تجد
دوما من يغرسها وهو موقن كل اليقين : " غرسوا فأكلنا ، ونغرس فيأكلون."
في العقود الاولى من سنيه التي جاوزت السبعين ، خاصة سنوات
النضال ضد الفاشية وسنوات النهوض الديمقراطي بعد الحرب العالمية الثانية استطاع
الحزب أن يكون المعبر عن التيار الديمقراطي ، فالتف الشيوعيون و الديمقراطيون
اليساريون حوله طواعية دون حاجة لتذكيرهم بالضبط ، التصقوا بالحزب وثيق الصلة وهم
يترنمون ترنم ذلك العاشق الذي يقول لمن يهواه ،وهو وسط حشاشته :
لو كان من أهواه وسط حشاشتي لقلت له ادن أيها
المتباعد !.
في النضال من اجل ديمقراطية حقيقية ، ديمقراطية الكادحين
والمظلومين ، ديمقراطية تحد من تحكم بيروقراطية جديدة ونهبها ، يشكل التيار
الديمقراطي الموحد الضمانة الاوثق. ذلك لأن التيارات الاخرى ، خاصة القومانية و
الاسلامية ، تحمل ارثينها التسلطني إذ أنها تركض وراء مصالح نخبها ، لا مصالح
الذين تدعي الدفاع عن مظلوميتهم.
و قد أثبت تاريخ الحركة السياسية في العراق أن لا بد من حركة
شيوعية موحدة ، سليمة النظرية ، قوية التنظيم من أجل تقوية التيار الديمقراطي ،
فالحركة الوطنية . وتجربة العقود السبع أثبتت أن قوة التنظيم ليست بكثرة العدد و
لا بقوة الضبط والطاعة العمياء، بل بعمق وعي العضو واحساسه بأنه حقا في اتحاد
طوعي لمناضلين متكافئين ، يتسمون بسمو الخلق ونكران الذات ، مستعدين للشهادة من
أجل
حرية الوطن وسعادة الشعب ، لا طمعا في جنة وحور عين ، أو من
أجل مبلغ لورثته. فالشيوعي عندما يتحدث عن الحزب فانما يتحدث عن ذاته ، يتحدث
عن نفسه ، فهو يشعر أنه والحزب متوحدان في نسيج واحد ، يشعر أنه هو الحزب والحزب
هو.
في العقود السبعة التي انصرمت كان التقيد بالضبط الحزبي على
أشده قوة و نفعا وطواعية يوم كان
خط الحزب السياسي هو الاقرب للصواب . هكذا كانت الحال خاصة في
الفترة التي أعقبت الكونفرنس
الثاني أيلول 1956 ، بعد اتحاد الكتل الشيوعية المتفرقة مع
الحزب. واستمرت الحال هذه الى اجتماع اللجنة المركزية بعد أيار 1959، اجتماع ما
سمي بالجلد الذاتي . فأن كان التياسرأحيانا عقوبة على المواقف اليمينية في
السياسة فخرق الضبط الحزبي في الغالب
كان عقوبة على البيروقراطية في التنظيم.
في سنوات مضت نسينا وأنسينا ، سهوا وسذاجة ، قصدا و دراية ،
وان أدركنا فلم نجهر بذلك خشية على وحدة الحزب أن تتصدع ، خشية أثبت الواقع ضررها
، اذ أن وحدة على خطأ تميت . نسينا وأنسينا أن الوجود يحدد الوعي ، وأن الانسان
في تبدل وتحول بيولوجيا ونفسيا ، واجتماعيا. فالفتى اليافع ، المندفع ، المتحمس ،
المستعد للتضحية بحياته في سبيل مثله العليا ليس بالضرورة أن يبقى بنفس الخصال
وهو يرتقي في المركز والوظيفة والمكانة الاجتماعية والعمر.
فنسينا و أنسينا أنه مثلما داخل نفس الطبقة فئات اجتماعية
متعددة ذات مصالح متنوعة ، فان ثمة ذات الشئ داخل أي تنظيم. ففي الطبقة العاملة
تبرز فئة الارستقراطية العمالية ، وفي تنظيمها تبرز فئة البيروقراطية ، نقابيا
وحزبيا ، نسينا وأنسينا أن من يحترف العمل السياسي ، والحزبي جزء منه، يتسيس،
يصبح سياسيا ممتهنا ،محترفا ،العمل السياسي مصدر رزقه. والبعد بين الاحتراف
والارتزاق ليس كبيرا ، وأن من يتسيس يصبح عرضة سهلة للتسوس ، وللاصابة
بأيدزالفساد السياسي.
وكم تناسينا قول الرفيق فهد " أن الماركسية ليست قفا نبكي
تغنى على الربابة " وقوله " أن الاشخاص ليسوا مصدر الانحرافات بل نبتات جذورها
الراسخة في تربة قطرنا " وقوله " أن طلاب التزعم والمراكز وعشاق حب الظهور
تهافتوا على الحزب الشيوعي للعمل فيه " ، وساد ظن لا سيما في
التطبيق ، بأن حمل اسم الحزب الشيوعي وحده يكفي تميمة و
تعويذة للتحصن ضد نشوء فئة بيروقراطية قد تنزلق الى مواقع الانتهازية فتضعف
الحركة العمالية والديمقراطية معا ، إذ أن البطاقة الحزبية ليست شهادة تطعيم ضد
ايدز الفساد السياسي .
ونظرة الى قيادات كثير من الاحزاب والحركات اليوم نجد العديد
بينهم ممن تربى في صفوف الحزب الشيوعي العراقي فترة من الزمن ، وانتقل الى ضفاف
أخرى هيأت له شخصيا مكانة يعتقدها أفضل.
تجربة أكثر من سبعة عقود ، مليئة بالانتصارات والتضحيات
والاخطاء أيضا - في التحالفات خاصة ، وفي التعامل مع الرفاق - أثبتت ما ورد في
انجيل متى :" لا يقدرأحدكم أن يخدم سيدين الله والمال."، وكذلك " لا يقدر أحدكم
أن يخدم في آن واحد : المبدأ والمنصب."
في هذه الظروف الصعبة ، والمتشابكة ، والمعقدة ، والخطرة
التي يمر بها عراقنا نتيجة الحكم الفاشي والاحتلال عقد الحزب الشيوعي العراقي
مؤتمره الثامن في بغداد بنجاح ، في بغداد التي شهدت انعقاد الكونفرنس الاول عام
1944 ، والموتمر الوطني الاول عام 1945 بقيادة الرفيق الخالد فهد ، فتحية لكل من
أسهم في هذا النجاح ، الذي يشكل خطوة كبيرة لشد لحمة قوى اليسار الديمقراطي ،
الآساس لتشكيل جبهة وطنية ديمقراطية.
فتحية لكل من أسهم في إنجاح المؤتمر ، وتحية للذين أولاهم
المؤتمر ثقته.
تحية لكل شهداء الحزب ومناضليه ، خاصة المجهولين منهم و
المنسيين ، شهداء الشعب الذين
لم يتذكرهم رموز الحكم الجديد، وتحية لكل من أسهم وسعى يوما
لتحقيق أهداف الشيوعيين العراقيين ، الذين اتسموا دوما بالوطنية الصادقة ،
الاممية السامية.
و في الختام حري بنا أن نتذكر دعاء شهيد الغربة ،أبي كاطع ،
شمران الياسري : " اللهم لا تبارك في زرع وضرع من قصر في فضح الفاشية ." و أكمله
..." أو قصر في السعي ضد الاحتلال والارهاب والفساد والطائفية ، والبيرقراطية "
، فان كل الاعداء والظلاميين خاصة ، يسعون لضرب وحرف الحزب والحركة الوطنية ،
ويعملون لنخر كيان الحزب من الداخل ، ليمسي أعجاز نخل خاوية ، ونحن نريده أن يبقى
في أرض العراق , بلاد الرافدين ، نخلة شامخة ، باسقة ، راسخة ، وافرة الظلال ،
يساقط منها رطبا جنيا، ويستظل بها آخرون. بينما خاب وولى ، ونعال الشعب تطارده
كل من رفع راية معاداة الشيوعية
الشيوعيون صدقوا ما عاهدواالشعب عليه بلسان الشهيد الخالد
سلام عادل في نهاية الكونفرنس الثاني عام 1956 : " ان الشيوعيين العراقيين الذين
يحملون في قلوبهم آمال الآمة و يجسدون في عملهم الكفاحي وفي ميزتهم الثورية ،
أفضل سجايا المواطن العراقي الباسل الشهم ، سيتابعون الى النهاية رسالتهم
التاريخية التي وهب حياته ثمنا لها قائدهم الراحل فهد والرفيقان حازم وصارم ،
وغيرهم من الرجال البواسل في قافلة الشهداء ... سيظل الشيوعيون العراقيون يتابعون
الى النهاية سيرهم الدائب النشيط في الدرب المقدس الذي سلكه من قبلهم شعلان
أبوالجون ، والحاج نجم البقال ، والخالصي والشيرازي وشيخ محمود الحفيد وأبو التمن
وحسن الاخرس ومصطفى خوشناو ... " ودرب شهداءالحركة الشيوعية والحركة الوطنية
الذين استشهدوا لاحقا في النضال ضد البعث الفاشي