كنت مع تغيير اسم الحزب واليوم لا...

د. علي إبراهيم

  لم يطرح الحزب الشيوعي العراقي في الوثائق التي سوف تطرح على المؤتمر الثامن فكرة تغيير اسم الحزب للنقاش ، كما لم يطرحها عندما كان يعد للمؤتمر الوطني الخامس وكذلك للمؤتمرين السادس والسابع ومع ذلك انبرت أقلام كثيرة لرفاق واصدقاء لمناقشة هذا الموضوع ، ولا بد من الإقرار أن مثل هذا الطرح هو حق لجميع محبي الحزب وأن الطروحات كلها تنبع من حرص واخلاص للحزب وترى أن مثل هذا التغيير سوف يوسع قاعدة الحزب الجماهيرية ويفوت الفرصة على أعدائه . ولكن هل فعلا سوف يتحقق هذا الهدف لمجرد أن يغير الحزب اسمه ؟. هناك كثير من الأحزاب غيرت اسمها وبعضها ابتعدت عن التسمية منذ تأسيسها . ولكنها لم تنجوا من الإتهامات ذاتها (الكفر والإلحاد) وعميلة موسكو وغيرها من الترهات التي جابهها الحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه ، وأثبت التاريخ أن هذه الإتهامات وراءها فكر سياسي – ايديولوجي و موقف طبقي وليس موقفا عباديا دينيا خالصا بل أن الدين استخدم ذريعة لتأمين مصالحهم غير المشروعة ،لأن  هؤلاء يدركون مدى تأثير الديانات على جماهير واسعة من أبناء شعبنا الطيبين . لذلك أرى أن تقبل فكرة الشيوعية والحزب الشيوعي مرهون بوعي الناس الفكري والطبقي وكذلك بسياسة الحزب العامة المعلنة للناس ، ومرهون أيضا بسلوك ونشاط أعضاء الحزب وأصدقائه ومؤازريه.  

من هنا نقول أن فكرة تغيير اسم الحزب ارضاء للإسلام السياسي ، أو للمتدينين المستقلين محض هراء .  

     أما إذا كان التغيير استجابة لتغيير قد حصل داخل الحزب فكرا وسياسة، تكون الفكرة مقبولة ولكن مسيرة الحزب الحالية تنهج الطريق نفسه ، متجاوزة النتوءات التي رافقت نضال الحزب الطويل ومجددة برامجها استلهاما منها للواقع العراقي وقراءته قراءة علمية بكل افرازاته الجديدة  ابتداء من حقبة النظام البائد الذي ولى تاركا ارثا ثقيلا بالأزمات السياسية والأخلاقية حيث أفسد كل شيء، ونزع الأيمان من النفوس بكل القيم العظيمة المتوارثة في المجتمع العراقي.. ومرورا بطريقة التغييرعن طريق الحرب والإحتلال وسنوات التغيير وانتهاء بالنتائج التي أفرزتها  العملية السياسية وما رافقتها من توجهات طائفية مقيتة ومحاصصة كان من نتائجها بوادر حرب أهلية  قذرة . وبالتالي نحن أمام عملية اصلاح كبرى  

     دعاة تبديل الأسم ينطلقون من نظرية مراعاة الواقع الإجتماعي الحالي والمد الإسلامي السياسي وبما ان واقع الحال هو ليس نتيجة حتمية وانما جاء بسبب هيمنة الفكر الصدامي وبسبب غياب التيار اليساري الديمقراطي وكذلك انعدام تأثير التيار الإسلامي المعتدل لأكثر من ثلاثة عقود ، لهذا أرى إن  الإستجابة لهذا الواقع سوف يجرنا إلى أخطاء كبيرة ، علينا تجنبها في الوقت الحاضر . أقول ذلك وأنا كنت من دعاة تغيير أسم الحزب عندما كنا نحضر للمؤتمر الخامس ولابد من الإعتراف أنني كنت متأثرا بتجربة الأحزاب الشيوعية التي غيرت أسماءها وبرامجها وسياساتها وقياداتها . وكنت أظن أن العودة إلى جماهيرنا بثوب آخر سيكون تأثيرنا على الشارع أكبر من لو عدنا بثوبنا القديم ، لقد كتبت مقالا بهذا الخصوص نشر في مجلة الثقافة الجديدة العدد 242 في شباط عام 1992. ولكن يبدو أن تقديراتنا كانت خاطئة – وأقصد أنا وكل الذين طرحوا هذه الفكرة -. ومن خلال متابعتي لما يكتب في طريق الشعب قرأت مقالا للرفيق والصديق العزيز جاسم الحلوائي تحت عنوان (تغير الإسم ليس في مصلحة الحزب) وهذا موقف جديد فقد عرفته من دعاة التغيير عندما كنا نعمل معا في بلغاريا عام (1990-1993) وهو أحد الأربعة الذين صوتوا مع تغيير الإسم في المؤتمر الخامس ، ويرى الرفيق الحلوائي :" إن الظروف التي استجدت بعد سقوط النظام الدكتاتوري وضعت الحزب أمام متغيرات واسعة وغير مسبوقة في كل تاريخه ، لقد وضعته بمنطلقاته الجديدة على المحك ، وأصبح الحزب أمام مهمة كسب الرهان على ابقاء اسمه القديم والتصرف كحزب معاصر بمنطلقات جديدة . " ط. ش العدد45 /2006  ويبدو لي أن موقفه قد تغير بعد ان زار العراق ووجد أن الحزب الشيوعي العراقي - تحت إسمه هذا-  استطاع أعادة تنظيمه في كل المدن والقرى والقصبات بسرعة غير متوقعة ، ربما لأولئك الذين لا يعرفون هذا الحزب حق المعرفة وكيف أن جذوره تمتد عميقا في الأرض العراقية وبهذه المناسبة بودي أن أذكر الحادثة الأتية : عندما كلفت من قبل الحزب بعد سقوط النظام مباشرة وبالتحديد يوم 14/ 3/ 2003  بإعادة التنظيم في بابل وبدأت عملي بالتحرك على الرفاق القدامى وكانت الإستجابة جيدة من قبل الغالبية . وبعد  اسبوعين عدت إلى كردستان والتقيت بالرفيق حميد مجيد موسى وأخبرته بالنتائج قال لي : جهود جيدة ومفرحة . قلت له : أريد أن أخبرك بشيء وهو أنني كنت أردد دوما  المقولة التالية: ( أن الحزب الشيوعي مثل الثيل  لايمكن اجتثاثه) ولكنني لم أكن في قرارة نفسي واثقا كل الثقة أو مصدقا  بخاصة بعد كل التصفيات الجسدية والفكرية والسياسية التي مارسها النظام يمكن أن يخضر عرق الحزب بهذه السرعة ولكنني الآن صدقت هذه المقولة ومؤمن بها كامل الإيمان .  

     اليوم وتحت اسم الشيوعي  يصل الحزب إلى مجلس النواب مرتين وإلى عددغير قليل من مجالس المحافظة والمجالس الأقضية والأحياء وإلى الوزارة وإلى مراكز مهمة في الدولة وله نفوذ في في العديد من منظمات المجتمع المدني والمنظمات الديمقراطية والمهنية وله وجود في كل المحافل التي تعقد على عموم الوطن ونفوذه الجماهيري يتسع يوما بعد يوم على الرغم من المحاربة والتضييق ومحاولة التهميش والجرائم التي ارتكبت بحق بعض قياديه وكوادره وأعضائه . بينما لم يستطع كثير من الأحزاب التي دخلت العراق تحت إسم الديمقراطي والإشتراكي والجمهوري وغيرها من التسميات إن تصل إلى  مثل ما وصل إليه الحزب الشيوعي العراقي  فلماذا  نغير اسمنا إذن !؟ نعم  مطلوب التغيير والتجديد في سياستنا وبرامجنا . المطلوب أيضا السلاح الفكري من خلال النقاش والإستماع للرأي والرأي الآخر والإطلاع والدراسة على كل ماهو جديد على الأصعدة : الفكرية والسياسية والتنظيمية . بما يحقق وحدة الحزب وفعاليته وتأثيره . التجديد مطلوب بشكل مستمر ودائم ولكن دون إفتعال أو تقليد وينبغي عدم الإبتعاد عن جوهر الواقع العراقي  .