وقاية الأحداث من الانحراف

 تحقيق/ سلام السوداني

إن تزايد حالات جنوح الأحداث في مجتمعنا وبمعدلات عالية وخصوصاً ما نتج من ممارسات وافرازات النظام الديكتاتوري المباد وما جلبه على البلاد من ويلات و حروب ودمار مما يجعل من هذا الموضوع إطاراً لمشكلة تستحق البحث ولا بد من إعارتها القدر المهم من العناية والاهتمام لكون الأحداث الجانحين فئة من المواطنين تعاني من اختلالات سلوكية وبيئية يحتم الواجب الوطني والإنساني دراسة حالتهم وتقديم كل ما من شأنه المساعدة على تكييفهم وتقويمهم، إضافة إلى أن الأحداث الجانحين أكثر تقبلاً للإصلاح من الكبار إذا ما حسن اختيار وتطبيق البرامج العلاجية، وبهذا نعمل  على تخليص المجتمع من شرورهم، ولا بد أن تتكامل الأجهزة التي تتعامل مع الأحداث وأن عدم تواجد هذه الأجهزة معناه فقد حلقة من الحلقات المترابطة للعملية العلاجية وأن تشكيل جهاز شرطة متخصص للأحداث يشكل حلقة مهمة من هذه الحلقات، ولا بد من تشخيص العوامل الكامنة وراء الانحراف وهذه العوامل كثيرة وأهمها العوامل البيئية التي تشمل الأسرة والمدرسة والحالة المعيشية التي يعيش فيها الحدث والعمل الذي يمارسه إضافة إلى العوامل الفردية المتصلة بنمو الحدث بدنياً وعقلياً وحالته الصحية والنفسية ولا بد أن تنهض كل من الأسرة والمدرسة وبقية المؤسسات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني بواجبها حيال الحدث لوقايته من الانحراف ومعالجته إن اشتط في طريقه، ولتسليط الضوء على هذه المشكلة المتفاقمة والمنتشرة بين الأحداث في العاصمة بغداد وبقية المحافظات كان لنا عدة لقاءات مع عدد من شرائح المجتمع للوقوف على الأسباب والمعالجات.

 < (محمود علي توفيق) مرشد تربوي قال: أن الاختلال العاطفي في الأسرة أو فقدان الترابط والتواصل بين أفرادها وشقاق الزوجين أو انفصالهما وتعدد الزوجات وانعدام القيم الروحية والأخلاقية أو ضعفها كلها أمور تحرم الطفل من الرعاية اللازمة وتؤثر مباشرة في شخصيته وقد تؤدي إلى الانحراف، فمن الأشياء المألوفة إن الطفل يقلد والده والطفلة تقلد والدتها في تصرفاتها، نستنتج من ذلك إن الطفل إذا ما وجد المثل الطيب لما (يحب) أن يكون عليه السلوك من قبل الوالدين وأفراد الأسرة عموماً فانه يكون بعيداً عن مهاوي الانحراف بل أنه حتى إذا ما تورط في الانحراف فأن الأخلاق السامية والمثل التي تعلمها من والديه لها تأثيرها الكبير ولا بد أن تقوم منظمات المجتمع المدني والمنظمات الشبابية في كافة المناطق بالعمل على توجيه الآباء وأولياء الأمور بضرورة الاهتمام بأولادهم وشمولهم بالرعاية الكافية وكذلك مجالس الآباء والمعلمين ويقع عليهم قسطً من هذا الواجب في الحث المستمر لأولياء أمور الطلبة على التعاون مع إدارات المدارس في معالجة بوادر الانحراف التي تكتشف من قبل أعضاء الهيئة التعليمية.  

< (منجي حسين عطية ألشمري/ مدرس إعدادية يقول:. أنا أعزو السبب إلى المدرسة لان المدرسة تستضيف الطفل في سن مبكرة وتستغرق كل مراحل حداثته فتؤثر في تنميته وتهيئته للمستقبل وكذلك المواد الدراسية ونوعها ومدى مناسبتها لعقل الحدث وقدراته الذهنية وهيئة التدريس ومدى تأهيلها علمياً وتربوياً والطريقة التي يواجهون بها الحدث والصور السلوكية التي يرسمونها له بتصرفاتهم وعلاقاتهم، لذا ينبغي أن لا تقف المدرسة وهي المؤسسة التربوية العريقة عند حد التعليم وإنما عليها الإسهام بنصيب اكبر في بناء شخصية الحدث بناءاً سليماً وأن تكون داراً للتعليم والتربية وأن تتناسب المواد الدراسية وقدرة الحدث حيث ينشأ عن ذلك الرغبة لديه في العلم والاستزادة والاستعداد لمتابعة الدروس وعدم النفور أو الهرب منها، وإذا كان التنويع في المواد الدراسية غير ميسور في المرحلة الابتدائية فانه يمكن أن يتيسر في المراحل اللاحقة، لذلك ينبغي الحرص من جانب المعلمين أو المدرسين في الكشف عن كل انحراف ينم عن سلوك بدأ من الحدث داخل الصف أو خارجه وذلك عن طريق الاتصال الفردي بين المعلم وولي أمر الطالب وكذلك يجب الاهتمام بالناحيتين الرياضية والترفيهية والاهتمام بالمعلم والمدرس وتأهيلهم تربوياً باعتبارهما مسؤولين لا عن التدريس فقط بل عن رعاية الطلبة وتوجيههما التوجيه السليم.  < (لؤي باسل حسين/ منتسب شرطة) يقول:  

لا بد أن يكون دور القضاء مهماً جداً فالقضاء يقدر وسيلة العلاج ويشرف على تنفيذها ولا بد أن يكون القاضي يتصف بصفات معينة كالصبر والعطف على الصغار وأن يتحلى بالصفات العلمية وعلى قدر كاف من الدراسة المتخصصة بالطب النفسي والخدمة الاجتماعية ولا بد أن يساعد القاضي شخص آخر يكون خريج فرع الاجتماع أو الخدمة الاجتماعية أو التربية وعلم النفس وما أكثرهم في التعرف على الحدث ودراسته اجتماعياً ونفسياً واقتراح العلاج المناسب كالإيداع في المؤسسات الإصلاحية أو المدرسة الإصلاحية أو مدرسة الفتيان الجانحين.   

< (سعد عماد رؤوف/طالب جامعة)يعقب: أن للمنظمات الاجتماعية والشعبية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات والجمعيات دور مهم وفعّال في وقاية وعلاج انحراف الأحداث ويمكن أن تسهم في عملية وقاية الأحداث من الانحراف وذلك عن طريق إشغال أوقات فراغهم وتصريف طاقاتهم الفائضة وتثقيفهم وتوعيتهم وفق برامج تربوية علمية موجهة ويمكن أن تعطي مراكز الشباب نتائج مثمرة بهذا الشأن إذا ما هيأت لها الكوادر البشرية المتخصصة في مجال الخدمة الاجتماعية والإصلاح لان الحروب الكارثية التي أشعلها النظام المباد والتي  خلقت لنا الكوارث والأمراض الاجتماعية حيث تركت الأحداث بدون أباء فبقي الأطفال بلا رعاية وتوجيه.  

< (علياء حسن محمد/موظفة)تقول: لا بد أن تلعب وسائل الأعلام الكثيرة والمتنوعة، دور التثقيف المستمر بطريق تلقائي ترويحي تقبله النفس ولا تمله وتقبل عليه الناس كجزء من حياتها الحديثة والعصرية، فأن هذه الوسائل تلعب دوراً مهماً وكبيراً في مجال الجريمة سواء بالدفع إليها أو الابتعاد عنها، لذا ينبغي إن توجه إلى هذه الوسائل كل عناية وإصلاح مثلاً البرامج الإذاعية والتلفزيونية، الكتب، الأعلام السينمائي، مسرح الطفل.  

<(خمائل حسن رضا/ربة بيت)تقول: تسهم التوعية الأخلاقية والتهذيب الخلقي في توجيه الأحداث وضرورة التزامهم بقيم المجتمع وتلعب التوعية الأخلاقية في إصلاح الإنسان وتقويمه، ولا بد أن تكون لدى الواعظ القابلية التي تمكنه من التعامل مع الأحداث لإكساب ثقتهم والتأثير في نفوسهم.  

وأخيرا نقول: أن الشرطة الوطنية أداة الدولة الرئيسية في تنفيذ القوانين وفي حماية امن وراحة المجتمع فأنها وبطبيعة الحال معنية قبل غيرها بمعالجة ظاهرة انحراف الأحداث ، ولان عمل الشرطة يتسم دائماً بالقسوة والعنف فلا بد من إنشاء شرطة خاصة بالأحداث تتخرج من كلية الشرطة عبر دورات مكثفة ودروس علمية واجتماعية ونفسية وسلوكية ويختار لها العناصر الجيدة مما يسهل مهمتها في رصد ومقاومة انحراف الأحداث يضاف إلى ذلك المكانة المرموقة للشرطة في الدولة يمكنها من الحصول على تعاون فعّال من جانب المؤسسات الأخرى المعنية في تقديم الخدمات وحيث إن انحراف الأحداث في العراق أصبح ظاهرة ملموسة وخطرة جداً، لا بد إن تولي الجهات المختصة والمعنية بالخصوص (وزارة الداخلية- العدل- التربية- التعليم العالي)، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني والأحزاب والمؤسسات الشبابية والنسائية والعمالية والفلاحية اهتمامها ورعايتها واتخاذ ما يلزم لمكافحة هذا الداء الذي اخذ ينخر الجسد العراقي الأصيل.