قراءة هادئة في نص ساخن..ملاحظات حول تقرير بيكر – هاملتون

د. صالح ياسر

أخيرا، وبعد انتظار ليس بالقليل، صدر تقرير لجنة بيكر - هاملتون وهي اللجنة التي أُسست بقانون من الكونغرس الأمريكي في آذار/مارس 2005، حيث كان الجدل محتدما حول الوجود الأمريكي في العراق وخصوصا مع تصاعد الانتقادات للممارسات التي تعرض لها المعتقلون والمدنيون العراقيون نتيجة الحرب الدائرة. ومن هنا حدّد المشرعون الأمريكيون للجنة هدفا واضحا يتمثل في "إعطاء تقييم متبصر للحالة الراهنة والمستقبلية في العراق، بما في ذلك تقديم الاقتراحات والمشورة بخصوص الموضوع".
وحظي هذا التقرير باهتمام إعلامي كبير في العاصمة الأمريكية، واشنطن، وفي معظم عواصم منطقة الشرق الأوسط والعواصم الدولية، بالرغم من التسريبات العديدة التي كشفت قسماً من مضمونه وتوصياته قبل أن يصدر.

في مسعى التقييم الأولى لتقرير بيكر – هاملتون يمكن القول أن هذا التقرير عبارة أول دراسة شاملة عن الوضع الراهن في العراق، وهو يعبر عن جهد ساهمت فيه مؤسسات وشخصيات ورجال سياسة بارزون. ويمكن القول انه يمثل توافقا بين الحزبين، ولكن من دون أن يعني ذلك تطبيق كل مفرداته، وتوصياته وأحكامه. ويمكن تجاوز بعض جوانبه، مثلما يسعى الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش ، من خلال البحث عن مراكز قرار مختلفة.

وتكمن أهمية التقرير، بالإضافة الى الملاحظات أعلاه، هو إقراره بخطورة الوضع في العراق وتعقيده، وبأنه لا توجد حلول ناجزة بل محاولات. فالتحديات بالعراق كما يشير التقرير " على درجة عالية من التعقيد "، ومن هنا يستنتج التقرير بأنه " لا توجد عصا سحرية لحل جميع المشاكل العالقة في العراق. ولكن هناك بعض الخطوات التي يمكن اتخاذها لتحسين الوضع هناك وحماية المصالح الأمريكية" .

وبمقابل ذلك لا يمكن تجاهل هذا التقرير، فهو سيترك تأثيراته على التطورات السياسية الحاصلة في العراق والمنطقة، إذ يحتوي في داخله على مجموعة من التصورات والخيارات بشأن القضية العراقية وما تتركه من انعكاسات على الوضع الإقليمي والدولي. كما انه يقدم حلولا مقترحة للخروج من الأزمة السياسية المستعصية، قد لا تكون بالضرورة متطابقة مع الإدارة الحالية التي يقودها الجمهوريون بزعامة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بوش. هذا مع العلم أن التقرير أكد على أن التوصيات التي احتواها " تقدم طريقة جديدة لتعامل الولايات المتحدة مع العراق والمنطقة. فهذه التوصيات شاملة وبحاجة لأن تنفذ بشكل منظم، كما يجب إلا تتم بمعزل عن بعضها أو بشكل منفصل ".

المنطلقات والفرضيات الكبرى للتقرير

1. في توصيف الأزمة
في مسعاه لبلورة خياراته وأحكامه، ينطلق التقرير من تحليل الوضع الراهن الذي يمر به العراق، وما يميزه هو الأزمة المتفاقمة والمتنوعة الصُعد الاقتصادية والسياسية والأمنية. ويمكن التعبير عن ذلك بجملة من المعالم المتمثلة بالتدهور الأمني المتعاظم، وتفاقم الإرهاب والتخريب، وتنامي الاستقطاب والعنف الطائفي المتبادل والذي اتخذ مديّات واسعة في الأشهر الأخيرة, هذا إضافة الى تردي الخدمات، وتفاقم مستويات المعيشة والغلاء والبطالة والتضخم الجامح، وتأثير العامل الإقليمي والدولي..... الخ. ويلخص التقرير الوضع بالإشارة الى " إن التحديات بالعراق على درجة من التعقيد، والعنف القاتل يتزايد في حدته وشراسته، يغذيه التمرد السني والميليشيات الشيعية وفرق الموت والقاعدة وعصابات الإجرام المنتشرة. ويشكل العنف الطائفي التحدي الأكبر أمام الاستقرار في البلاد " (ص 8 من التقرير).
واستنادا هذا التحليل، ورغم ما يبذل من جهود يستنتج التقرير ما يلي (ص 32 من التقرير):
-" ...... إن الوضع ما زال غامضاً ويتردى باستمرار ".
-" وان الحكومة العراقية الآن غير قادرة على الحكم والاستمرار والدفاع عن نفسها بدون دعم الولايات المتحدة " .
-ثم " ...إن العراقيين غير مقتنعين بأنهم يجب أن يتحملوا مسؤولية مستقبلهم "
-وان " .... جيران العراق ومعظم القوى الدولية غير مقتنعين للعب دور فاعل وبناء في دعم العراق ".
-وأخيرا " إن قدرة الولايات المتحدة لإيجاد الحلول تتراجع وان الوقت يمر بسرعة ".

وبالمقابل يحذر التقرير من أن استمرار الوضع على هذا المنوال ستكون عواقبه وخيمة على العراق والولايات المتحدة الأمريكية والمنطقة والعالم. ويتجلى ذلك في ما يلي (ص 46):
-المزيد من الفوضى ومعاناة الشعب العراقي ؛
-تضعضع الدولة ؛
-معارضة عراقية اكبر ضد الولايات المتحدة ؛
-وانتقال الأزمة للدول المجاورة ؛
-وإمكانية ظهور دكتاتورية جديدة في العراق ؛
-تفاقم التدخلات الإقليمية وخصوصا تركيا وإيران ؛
-إمكانية اشتعال حرب إقليمية أوسع في المنطقة ؛
-واستيلاء إيران على آبار النفط ؛
-احتمال اندلاع صدام شيعي/سني في كافة أرجاء العالم الإسلامي ؛
-وقلاقل شيعية في دول يتواجدون فيها ؛
-وزيادة أسعار النفط ؛
-وتصاعد الإرهاب ودور القاعدة, التي أصبحت تعمل بحرية في العراق والتي قد تزداد هجماتها في أوروبا .
-وكل هذا " سيضعف موقف الولايات المتحدة دوليا إذا انحدر العراق اكثر باتجاه الفوضى ". كما أن " الفشل في العراق سيسيء الى مصداقية أمريكا ونفوذها في المنطقة التي هي مركز العالم الإسلامي ومنطقة حيوية لمصادر الطاقة العالمية ".

والاهم من ذلك فان صائغي التقرير، واستنادا الى النظرة الاستراتيجية الأمريكية العالمية البعد ورؤيتها للعالم من منظار مصالحها الاستراتيجية، والتي تبلورت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، يحذرون من تأثيرات هذه التطورات على موقف الولايات المتحدة على الصعيدين الإقليمي والدولي وفي الولايات المتحدة ذاتها. وفي هذا المجال يؤكد التقرير على " ... إن موقف الولايات المتحدة قد يعاني اكثر إذا عمت الفوضى العراق, مما سيضعف تأثيرها في البلاد العربية والعالم الإسلامي. ويزيد من عملية الاستقطاب في داخل الولايات المتحدة، كما يحصل حالياً ".
ويؤكد هذه النظرة ما جاء في التقرير (ص 15) من إشارات واضحة حول جملة من القضايا من بينها:
-" يعتبر العراق من الأهمية بمكان لأمن المنطقة والعالم، وكذلك بالنسبة للمصالح الأمريكية "؛
-كما انه " يحظى بثاني اكبر احتياطي بترولي في العالم " ؛
-ثم انه " قاعدة للإرهاب الدولي فيها تنظيم القاعدة " ؛
-كما أن العراق يمثل " جزءاً مهما في السياسة الخارجية الأمريكية، وهو ما يؤثر على صورة الولايات المتحدة في المنطقة والعالم ".

وبرغم المقاربة المركبة للأمور فان مكمن الخلل فيها أنها لا تضع الأزمة البنيوية الراهنة في إطارها الصحيح باعتبارها منتوج جملة من العوامل والأسباب، موضوعية وذاتية، راهنة وتعود الماضي، أي الى الفترة التي هيمن فيها النظام المقبور. إن القراءة التي اعتمدها التقرير مسكونة بالراهن بل على وجه الدقة بجزء من الراهن، على أهميته، ولكنها تهمل الماضي والقوى التي ساهمت في تشكيله، وما ترتب عليه من مشاكل واستقطابات. منعا للالتباس لا بد من التذكير بان الجميع يشعر بوجود حالة استعصاء، وإذا كان هناك من حل عملي وملموس فانه لا يمكن أن يتم إلا من خلال إشراك من ابعدوا أو أقصوا من العملية السياسية ويرغبون بالاشتراك فيها والقبول بالآليات الديمقراطية وفي مقدمتها التداول السلمي للسلطة. وهذا يشكل دعما لفكرة المصالحة، مع التأكيد على تقديم من تلطخت أياديهم بدماء العراقيين في زمن النظام المقبور الى محاكم عادلة. والمشكلة أن التقرير يقدم مقاربة هدفها على ما يبدو ليس بلورة حلول مشتقة من حركة الواقع العراقي وتناقضاته الفعلية تتيح التوصل الى توافق سياسي عقلاني يأخذ بالاعتبار مصالح جميع العراقيين ممن لم تتلطخ أيديهم بدماء أبناء شعبنا وبناته، قدر خلق الظروف لاخراج الولايات المتحدة من المأزق الذي تمر به استراتيجيتها وسياساتها التي تطبقها في العراق منذ احتلاله.

2. السيناريوهات المطروحة لحل الأزمة

ومما يؤكد الاستنتاج أعلاه هو طبيعة الخيارات الأربعة التي يطرحها صائغوا التقرير للخروج من الأزمة الراهنة (راجع ص 37 – 39) والتي تتمثل في:
-الانسحاب التدريجي.
-الاستمرار في البقاء.
-إرسال المزيد من القوات. وقد اعتبر التقرير أن هذا الإجراء لن يخفض العنف في العراق إذ انه سيزداد حالما تترك القوات المنطقة. وبالمقابل وحسب وجهة نظر صائغي هذا التقرير فان إجراءاً كهذا من شأنه إضعاف قدرات الولايات المتحدة في مناطق أخرى كأفغانستان مثلا.
-تقسيم العراق الى ثلاثة أقاليم: وهذا اخطر الخيارات المطروحة، وهو في الحقيقة سيناريو رعب لما يحمله من تداعيات ليس فقط محلية الطابع بل وإقليمية. ورغم أن صائغي التقرير لا ينصحون بدعم مثل هذا التوجه كخيار سياسي أو فرض هذه النتيجة على الدولة العراقية، غير انهم لا ينفون اعتماده من طرف الولايات المتحدة في حال ما حتمت الظروف الارتكان إليه كوسيلة لضبط الأوضاع, بما يخفف من النتائج الإنسانية واحتواء العنف, والتقليل من الآثار الإقليمية. ومن هنا خطورة هذا الخيار وطابعه المرعب.

لقد حاول التقرير وضع الجميع في سلة واحدة (الأمريكان والعراقيين)، من حيث تحمل مسؤولية ما آل الوضع إليه. وهذا المقاربة خاطئة لأنه ليس من الصحيح المساواة بين المحتل وبين الشعب العراقي وقواه السياسية التي شاركت في تدشين العملية السياسية وسعت لتحمل مسؤولياتها تجاه الوضع الجديد، بغض النظر عما ارتكبته القوى المهيمنة من أخطاء، ولكن مفاتيح تسيير هذه العملية بقيت خاضعة للطرف الذي هندس خيار الحرب واحتل البلاد، والذي شرع المجتمع الدولي احتلاله بموجب قرار مجلس الأمن 1483.

3. التوجهات الكبرى للخروج من المأزق الراهن – الحلول والتوصيات

يطرح تقرير بيكر - هاملتون نوعين من التوجهات:
•التوجه الخارجي والمتمثل ببناء إجماع أو توافق دولي، يقوم على أربعة عناصر كبرى:
1.أسلوب " الهجوم الدبلوماسي الجديد. وبحسب التقرير (ص 9) فان تحقيق ذلك يستلزم من الولايات المتحدة " إن تتبنى خطا دبلوماسيا جديدا لبناء توافق دولي بشأن استقرار العراق والمنطقة، على أن يتضمن هذا النهج والهجوم الدبلوماسي كل الدول التي لها مصلحة في تجنب الفوضى في العراق بما فيها دول الجوار ".
2.الدعوة الى قيام " المجموعة الدولية لدعم العراق ". بحسب صائغي التقرير، فان " الهجوم الدبلوماسي الجديد " لا يمكن أن يحقق النجاح المنشود " الا إذا تضمن مشاركة فعالة من هذه الدول التي من مصلحتها المباشرة حماية العراق من الوقوع في حالة الفوضى " (ص 50). ومن اجل تشجيع مشاركة هذه الدول يدعو التقرير الى وجوب أن تعمل الولايات المتحدة فورا على تشكيل " المجموعة الدولية لدعم العراق "، " كوسيلة من وسائل الهجوم الدبلوماسي الجديد " (التوصية 4)، والتي يتعين أن تشمل كل الدول التي تشترك حدودها مع العراق بما فيها سوريا وإيران ودول أساسية أخرى في المنطقة بما فيها مصر ودول الخليج، والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن والاتحاد الأوربي. كما يمكن إضافة دول أخرى مثل ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية (التوصية 5).
3.التعامل مع سوريا وإيران: يؤكد التقرير على انه يتوجب على مجموعة الدعم الدولية " إن تعمل بنشاط للتعامل مع سوريا وإيران من خلال حوارها الدبلوماسي بدون أي شروط مسبقة " (ص 54). وتؤكد التوصية رقم (9) أن التعامل مع هاتين الدولتين يستلزم استخدام سياسة " العصى والجزرة "، أي التهديد بفرض عقوبات يقابله استخدام الحوافز للحصول على نتائج بناءة. وبحسب التقرير فإن من بين تلك الحوافز التي تستطيع الولايات المتحدة تقديمها للدولتين المذكورتين لدفعهما الى اتخاذ خطوات ملموسة لتحقيق استقرار العراق ما يلي:
-مساعدة الدولتين في الدخول في المنظمات الدولية بما فيها منظمة التجارة العالمية.
-فرص تقوية علاقات دبلوماسية مع الولايات المتحدة.
-إمكانية تغيير استراتيجية الولايات المتحدة تجاه البلدين من الدعوة الى تغيير النظام فيهما الى التركيز على تحقيق اصلاحات اقتصادية وسياسية.
-توفير الفرص لإمكانية تحقيق سلام حقيقي بين سوريا وإسرائيل من خلال المفاوضات بينهما, وبمشاركة أمريكية " كجزء من مبادرة لسلام عربي – إسرائيلي ".
4.الإطار الإقليمي الأوسع. الفكرة المنطلقية هنا هي أن الولايات المتحدة لن تستطيع تحقيق أهدافها في الشرق الأوسط ما لم تنظر الى مشكلات المنطقة في إطار ارتباطها الوثيق وتأثيرها المتبادل. ولهذا تؤكد التوصية رقم (13) على انه " يجب أن يكون هناك التزام متجدد ومستمر من قبل الولايات المتحدة لتحقيق سلام عربي – إسرائيلي شامل على كل الجبهات: لبنان وسوريا، والتزام الرئيس بوش عام 2002 لحل إقامة الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية ".

ب . التوجه الداخلي ويقوم على فكرة محورية قوامها "مساعدة العراقيين لأنفسهم"، حسبما يذكر التقرير، والذي يعتبر أن السؤال الأهم هنا حول مستقبل العراق هو مدى تحمل العراقيين. في هذا المجال يتضمن التقرير عددا من التوجهات وهي أساسا:
1-خطوات التنفيذ والأداء، وهذا ما تعبر عنه التوصيات 19 – 23 والتي أرادت توجيه الرسائل التالية:
-يتوجب على الولايات المتحدة أن تعمل عن قرب مع القيادة العراقية لدعم تحقيق أهداف محددة، أو خطوات نحو تحقيق المصالحة الوطنية والأمن والأداء الحكومي.
-ليس هناك من دعم مطلق للحكومة العراقية بل الأمر مرهون بمدى ما تحققه من نجاح في المجالات الثلاثة أعلاه وطبقا للمواعيد المتفق عليها بين الطرفين الأمريكي والعراقي.
-إن أي تخلف في تنفيذ المواعيد المتفق عليها سيعني أن على " الولايات المتحدة تخفيض الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي للحكومة العراقية " ( التوصية رقم 21).
هل يمكن التعامل مع هذه التوصيات بمثابة تهديدات مبطنة حول إمكانية الخوض في حلول تعود بالعراق إلى المربع الأول في العملية السياسية؟ سؤال سيجيب عليه مسار التطورات اللاحقة.

2. تحقيق المصالحة الوطنية وفق جداول زمنية كما يلي:
-التصديق على قانون انتخابات مجالس المحافظات، وتحديد تاريخ الاقتراع ؛
-المصادقة على قانون اجتثاث البعث ؛
-إقرار قانون الميليشيات ؛
-الاستفتاء على التعديلات الدستورية ( إذا لزم الآمر) ؛
-المصادقة على قانون العفو ؛
-استكمال جهود المصالحة الوطنية ليتم أجراء الانتخابات المحلية للمحافظات بحلول حزيران 2007.

3.القوات الأمنية والعسكرية: وتعتبر التوصيات 40 ولاحقا بمثابة برنامج محدد يقدم معالجات تفصيلية لهذه الجوانب، يبدأ بالمطالبة بزيادة ميزانية الأمن في الموازنة العراقية، ثم تحقيق سيطرة الحكومة العراقية على الجيش ( نيسان 2007 )، ليتم وتاليا سيطرة العراقيين على أمن المحافظات (بحلول كانون 2007), وصولا الى اعتماد العراق على قدراته الذاتية بحدود كانون الأول 2007 ليتحول دور الولايات المتحدة آنذاك الى توفير الدعم والإسناد وترك القيادة للعراقيين.

بعض الملاحظات على التقرير وتوصياته

إن القراءة المكثفة السابقة لمختلف جوانب تقرير بيكر - هاملتون يتيح بلورة جملة من الملاحظات من بينها:

الملاحظة الأولى. يمازج صائغو التقرير في المقترحات والحلول والتوصيات التي ثبتوها بين تقديم التنازلات أو اعتماد الضغوط كوسيلة وحيدة للتوافق وحل العنف. ولكن المشكلة البنيوية الطابع تتعلق بحدود التنازلات المقدمة وأيضا حدود الضغط، ولمن تقدم التنازلات ومن سيتم الضغط عليه. القراءة البسيطة للتقرير، ومن دون تكليف النفس أي عناء، تتيح الاستنتاج دون أية مواربة إن التنازلات ينبغي أن تقدم لجميع من يعمل خارج العملية السياسية باستثناء القاعدة فقط، وهو ما أشارت إليه التوصية رقم (35) بوضوح عندما ثبتت انه " يجب أن تتخذ الولايات المتحدة خطوات فعالة لإشراك جميع الأطراف في العراق، ما عدا تنظيم القاعدة ".

الملاحظة الثانية. إن التوصيات بشأن الجدول الزمني (راجع التوصيات من 24 الى 44) بعضها مقبول ويمكن الكشف عنه من خلال قراءة تلك التوصيات. ولكن البعض الآخر من تلك التوصيات يعيد القضايا الى نقطة الصفر وتعبر عن روح استعلاء واستصغار لدور العراقيين وهذا يتطلب النقد بقوة، وخصوصا ما يتعلق بالاستحقاقات الدستورية وما أنجزوه من محطات على صعيد العملية السياسية وصولا الى الاستفتاء على الدستور وإجراء الانتخابات لمرتين. وبغض النظر عن جملة الملاحظات بشأن الانتخابات وما شابها من تجاوزات ونواقص جدية، وما آلت إليه من نتائج واستقطاب، وأيضا بشأن الدستور وما يعتريه من نواقص تخل بطابعة المدني والديمقراطي والموقف من المرأة، بغض النظر عن كل ذلك لا بد من تقييم هذه المحطات في إطارها التاريخي الملموس والظروف التي جرت فيها، ولا توجد ضرورة للعودة بالأمور الى المربع الأول. نعم يمكن التذكير بضرورة تحسين العمليات الانتخابية وتخليصها من الشوائب والثغرات والتجاوزات التي حدثت فيها، وأيضا يمكن التفاهم بين الفرقاء السياسيين العراقيين حول التعديلات الدستورية المقترحة، ولكن كل هذه ينبغي أن يتم بإرادة العراقيين وحدهم وليس عبر جداول تعد لهم من طرف الآخرين وتفرض فرضا بهدف إرضاء آخرين. ونفس الأمر ينطبق على المقترحات الواردة بشأن توزيع الموارد وفي مقدمتها القطاع النفطي والتصرف بمخزونه كمورد استراتيجي (وهذا يحتاج الى معالجة خاصة)، وصلاحيات الحكومات المحلية والحكومة المركزية وغيرها.

الملاحظة الثالثة. ينطلق التقرير من ضرورة السعي للبحث عن مخارج تنهي الأزمة وبالتالي توفر الشروط المقبولة لانسحاب القوات الأمريكية في العراق الذي ينبغي أن يقترن ببناء الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية القادرة على ضمان الأمن بعد رحيل القوات الأجنبية. ولكن قراءة التقرير وما يتضمنه من مقترحات في هذا المجال تدلل على أن " الريح تسير باتجاه آخر "، فالأمر لا يتعلق ببناء تلك المؤسسات بما يمكنها أن تكون الأدوات الوحيدة لاستعادة السيادة والاستقلال الناجزين، بل أنها ستظل لفترة طويلة أسيرة الوصاية والتبعية للجانب الأمريكي تدريبا وتأهيلا وتسليحا. ويتجلى ذلك في جملة من المؤشرات:
•تشير التوصية رقم (44) الى ما يلي " يجب توزيع الضباط والأفراد العسكريين الأمريكيين الأرفع تأهيلا على الفرق العراقية المدربة، ويجب أن تتواجد الفرق الأمريكية مع الوحدات العراقية نزولا الى مستوى السرية ".
•وارتباطا بذلك تنص التوصية رقم (43) على ضرورة " أن تتغير الأولويات العسكرية في العراق مع إعطاء الأولوية القصوى لمهمة التدريب والتزويد بالمعدات والمساندة ولعمليات مكافحة الإرهاب ". يعني ذلك الأولويات ستتغير لكن الإستراتيجية باقية !.

الملاحظة الرابعة. إجراء تغيرات بنيوية الطابع في وزارتي الداخلية والدفاع وتتعلق بما تضمنته التوصيات 50 - 54 من هيكلية جديدة للوزارتين تقوم على ما يلي:
•نقل الشرطة الوطنية وقوات الحدود من وزارة الداخلية الى وزارة الدفاع. والمبرر في ذلك – حسب التقرير – هو أن قوات الشرطة الوطنية في هذه المرحلة تقوم بعمليات قتالية في مواجهة القوى الإرهابية مما يتطلب إدماجها ضمن جهد وزارة الدفاع. في حين أن مهمة حماية الحدود هي مهمات تدخل في إطار صلاحيات وزارة الدفاع وليس في صلاحيات وزارة الداخلية.
•سحب صلاحيات المحافظات فيما يخص الشرطة، من حيث الجوانب المالية (الرواتب). والمبرر في ذلك هو، كما جاء في التوصية 52، " للحد من الفساد واختراق الميليشيات للمؤسسات الأمنية ......فمن شأن ذلك أن يحسن من المحاسبة والانضباط التنظيمي، ويحد من مسؤولي الشرطة الإقليمية، ويقوي علاقة الانتماء والولاء بين ضباط الشرطة والحكومة المركزية ".
-هذا مع العلم أن وزارة الداخلية ستخضع لإشراف أمريكي في مجال التدريب والتأهيل، ويعني ذلك ضمان إعادة إنتاج السيطرة الأمريكية على هذه الوزارة كما هو الأمر بالنسبة لوزارة الدفاع.

الملاحظة الخامسة تتعلق بالموقف من دول الجوار. فالتقرير وجد أنه من الصعب على صائغيه طلب المساعدة من دول الجوار لإيجاد مخارج للوجود الأمريكي في العراق من دون تقديم غطاء سياسي يتميز ببعض التطمينات للقوى المعنية. لقد بينت التجربة أن الولايات المتحدة تعرف أنه من الصعب الذهاب إلى دول الجوار وطلب المساعدة منها مجاناً ومن دون مقابل. لذلك يلاحظ أن لجنة بيكر – هاملتون اعتمدت سياسة البذخ في تكثير النقاط وتنويع الاقتراحات وبعثرتها على عشرات القضايا المترابطة حتى تجد ذاك الغطاء الذي يبرر لها اللجوء إلى العديد من دول المنطقة لمساعدتها على الخروج من المأزق الذي تعاني منه الاستراتيجية الأمريكية في العراق.
بيد أن السؤال المهم الذي يطرح نفسه بحدة هو: هل أن الحوار مع هذه الدول منتج ومثمر ويمكن أن يفضي إلى حلول عملية؟ من الصعب التكهن بذلك في الوقت الحاضر, لأن هذه الدول لهما إستراتيجيات لا تتعامل مع الشأن العراقي من خلال المصالح العراقية البحتة بل من خلال أجندات خاصة بها ومشتقة من استراتيجياتها الكبرى. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لن تقوم إيران بتغيير سياساتهما تجاه العراق إلا مقابل " هدايا ثمينة " من الجانب الأمريكي. فعين هذا البلد ستكون مفتوحة على هديتين ثمينتين: التقنية النووية، ودور إقليمي أكبر لإيران.

الملاحظة السادسة. لب الاقتراحات ولب المشكلة: الجدول الزمني لانسحاب القوات غير واضح فليس هناك من تواريخ محددة بل مشروطة بتطور الأوضاع.

قراءة التقرير من أوله الى آخره تكشف انه لم يطالب بالانسحاب الفوري أو عن تخلي أمريكا عن التزاماتها ومسؤولياتها في العراق والمنطقة. إذ يؤكد في المقدمة بكل وضوح ودون أي مجال للتأويل أنه "على الولايات المتحدة أن تعالج ما أمكنها المشاكل العديدة في العراق..... للولايات المتحدة علاقات ومصالح طويلة المدى معرضة للخطر في الشرق الأوسط وهي بحاجة إلى أن تبقى في قلب المعركة." (ص6).

وبسبب تجاهل هذه النقطة يمكن القول إن الرئيس الأمريكي بوش يستطيع الآن التعامل مع اقتراحات التقرير، الذي اعتبره قاسياً، بارتياح ومن دون ضغط مباشر. فاللجنة أعطته فرصة للمناورة. فالتقرير ليس إلزاميا ولكنه حاليا لا يستطيع تجاهله أو إهماله، وبالمقابل يستطيع بوش اخذ "الوقت المناسب " لدراسته وتقليبه وتطعيمه بأفكار واقتراحات مضادة. أن على بوش أن يتعاطى الآن مع 79 توصية وأمامه فرصة زمنية تزيد قليلاً على السنتين لمعالجة كل قضايا المنطقة. وبحسب العديد من المحللين فانه حين تكون الاقتراحات كثيرة والوقت المتبقي ليس كافياً والنقطة المركزية في الموضوع ليست واردة في التقرير فمعنى ذلك أن مجالات المناورة لا تزال مفتوحة أمام بوش بدءاً من تحديد موعد الانسحاب وصولا إلى ذاك " الحريق الإقليمي " الذي توقع حصوله وزير الدفاع الأمريكي الجديد في حال فشل المشروع الأميركي في العراق.

الملاحظة السابعة. إن المقترحات التي تضمنها التقرير بشأن إعادة انتشار القوات ينبغي أن توضع في إطارها الصحيح وقرائتها استراتيجيا. فالمقترحات التي بلورها صائغو التقرير تستهدف في الجوهر خدمة المصالح الإستراتيجية الأمريكية وترسيخ المصالح الأمريكية في المنطقة وليس المس بهذه الإستراتيجية وبتلك المصالح. فحتى ولو خرجت " القوات متعددة الجنسيات " وفي مقدمتها القوات الأمريكية فان التوصيات تؤكد على ضرورة وجود قوى للقوات الأمريكية وضمان استمرار تواجد القواعد العسكرية في الخليج العربي الذي تستهدف منها إعطاء رسائل مختلفة لمن يهدد " امن الخليج " الذي يقع في قلب المصالح الحيوية للولايات المتحدة في منطقة تنام على بحيرات من النفط وتتحكم بالطرق البحرية الكبرى.

الملاحظة الثامنة. تبني صاغوا التقرير لنظرة مركبة للوضع الإقليمي. قدم التقرير مقاربة جديدة للوضع الإقليمي تتمثل بالترابط بين المشكلات والحاجة الى حلول مشتركة لها. والمنطلق في هذا ليس المشاكل هذه بحد ذاتها بل أن صائغي التقرير يربطون بين أهداف الولايات المتحدة في المنطقة والمشكلات الكبرى التي تعيشها. ويمكن التعبير عن هذا التطور في جملة من القضايا من بينها:
1.نظرة جديدة للصراع العربي – الإسرائيلي. يبلور التقرير (ص 58) الأطروحة التالية وهي انه " لن تستطع الولايات المتحدة تحقيق أهدافها في الشرق الأوسط إلا إذا تعاملت مع مسألتي الصراع العربي – الإسرائيلي بشكل مباشر ". ولإنجاز هذه المهمة يطرح التقرير ثلاث آليات محددة (ص 8):
-الأولى تتعلق بوجوب تبلور " التزام أمريكي متجدد ودائم لتحقيق السلام العربي الإسرائيلي على المسارين السوري واللبناني ".
-الثانية تتعلق بتحقيق التزام الرئيس الذي طرحه في يونيو 2002 بالحل " القائم على وجود دولتين مستقلتين إسرائيلية وفلسطينية وذلك على المسار الفلسطيني ". ويعد هذا تطورا في الرؤية الأمريكية وهو اعتراف بأنه ما لم تحل القضية الفلسطينية حلا عادلا فلن تعرف المنطقة الهدوء والاستقرار. إن تذكير التقرير بمؤتمر مدريد وقراري 242 و 338 وبمشكلة اللاجئين الفلسطينيين ومطالبته بعقد مؤتمر دولي للسلام إنما يبلغ رسالة لإسرائيل وللإدارة الأمريكية التي تدعمها دون تحفظ، بأن الحلول القائمة على التصرف المنفرد من إسرائيل والزعم بغياب شريك للسلام أو التلاعب بالمسارات كلها أمور لا تخدم الاستقرار بالمنطقة. هذا مع العلم أن هذا الجانب من التقرير يتوافق مع تحركات أوروبية تدفع بهذا الاتجاه، وهو لا يبتعد عن المسعى لخلق مناخ " مناسب " لإزالة " الألغام " من أمام الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة وما تعانيه من مصاعب. وبهذا المعنى ينبغي فهم هذه المقاربة.
-والثالثة تتعلق بالمحادثات المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين والسوريين.
2.الربط بين مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ومناطق أخرى وتحديدا في أفغانستان. وهنا يشير التقرير (ص 10) الى انه " وبينما تطور الولايات المتحدة موقفها من العراق والشرق الأوسط، عليها أيضا أن توفر دعما سياسيا واقتصاديا وعسكريا لإفغانستان ".
3.ارتباط الموقف في العراق بما يجري من إحداث في المنطقة. هنا يشير التقرير الى جملة من القضايا (ص 41):
-تعقد الجهود الأمريكية في أفغانستان بهيمنة الاهتمام الأمريكي بالعراق.
-تفاقم الرفض الداخلي للوجود الأمريكي بالعراق خلال العمليات العسكرية التي نفذتها إسرائيل في الأراضي اللبنانية.
-كل ما يخص سوريا وإيران يرتبط في العراق بالموقف الأمريكي.
-السنّة في الدول العربية قلقون من تنامي النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة.

الملاحظة التاسعة. مقاربة قاصرة للصراع الدائر في العراق. التقرير يواجه مشكلة استراتيجية/بنيوية الطابع تتمثل في واقع أنه ما يزال ينظر للصراع الدائر في العراق اليوم بأنه صراع " سني – شيعي " وليس صراعا اجتماعيا – سياسيا حول قضايا كبرى تتعلق بشكل ومضمون الدولة العراقية الجديدة والوجهة التي يتعين أن يتخذها بناء الاقتصاد الوطني، والحاجة الى عقد اجتماعي جديد يتيح بناء دولة ديمقراطية عصرية وعراق ديمقراطي فيدرالي حر ومستقل وغير خاضع لأية وصاية.

12/12/2006