من خلال متابعتي لمدة تقارب الخمسين عاماً، رأيت
إن منظمة الشطرة هي واحدة من ابرز المنظمات في هذا المضمار. لما تتمتع به
من علاقات واسعة بين الجماهير. ويمكن القول وبعيداً عن المبالغة، إن
الإنسان عندما يتجول في المدينة- أسواقها. محلاتها العامة- يسمع كلمة من
هنا. وهمسة من هناك. أو قول مأثور على طريقة (الحسجة) التي يشتهر بها أهل
الجنوب، ويتردد فيها اسم الحزب أو شيء من مآثره ونضالات رفاقه. وكم من صديق
للحزب جاء من المدن المجاورة أو الريف البعيد، أو رفيق مقطوع عن الحزب جاء
إلى المدينة لغرض الاتصال بالحزب خاصة في الأيام الصعبة –وما اكثرها- وقد
شبه احد الرفاق مدينة الشطرة بأنها (مقر الحزب المفتوح دائماً) ومن بين
الأشخاص الذين قصدوا المدينة لهذا الغرض الفلاح (عبد صاحي) ومن حسن الصدف
انه التقى بالرفيق الراحل (محسن مطرود) فما كان من الأخير إلا إن أخذه إلى
احد الرفاق. جلس الثلاثة في أحد أركان المقهى صيف عام 1962، ومن خلال
الحديث معه تبين انه من مربي الماشية. سبق وان كان يتنقل في البادية من
مكان إلى آخر طلباً للعشب والماء، ولا يعرف حياة الاستقرار، معتمداً على
نفسه وسلاحه في حماية عائلته وقطيعه. وصادف إن هلكت ماشيته فاضطر للعمل في
الفلاحة لدى احد الملاكين في منطقة آل جهل غرب مدينة الشطرة، وبما انه يألف
علاقات الاستقلال والاضطهاد السائدة بين الفلاحين والملاكين والتي تصل
أحياناً إلى درجة الاستهانة بكرامتهم وقد وجد من الصعوبة عليه إن يتقبل هذا
الواقع الجديد، وهو الذي تربى على الاعتزاز بكرامته والتفاخر بأهله
وعشيرته. بل أكثر من هذا إن العلاقة بينه وبين الملاكين والإقطاعيين كانت
تتسم بالتقدير والاحترام أيام العهد الملكي المباد، وقبل صدور قانون
الإصلاح الزراعي، فقد كان مربو الماشية مضطرين للجوء إلى الملاكين
والإقطاعيين بعد هلاك الشعب بالبادية لرعي ماشيتهم في الأراضي العائدة لهم
بعدداً حصاد محصول الحنطة والشعير، مقابل إعطائهم عدد من رؤوس الغنم وكميات
من الدهن الحر. ولا يفارقون ديارهم ليل نهار. كان الرجل يطرح معاناته بألم
شديد ويتحسس المشاهد من خلال حديثه مدى الثورة المحبوسة في داخله والتي
يروم تفجيرها للتخفيف من معاناته. وأخيرا أوضح انه جاء يفتش عن الحزب لأنه
سمع إن الحزب الشيوعي يدافع عن الفلاحين وحريص على تحقيق مصالحهم وانه
مستعد للانضمام إلى صفوفه. وفعلاً نظمت له استمارة ترشيح. وسلمت له جريدة
الحزب وعدد من البيانات. وكلف بالاتصال بالفلاحين وخاصة الفقراء منهم.
وقراءة الجريدة والبيانات على الفلاحين وإحصاء عددهم. كما حدد له موعد
ومكان اللقاء الآخر. وفعلاً جاء بالموعد المحدد ومعه احد الفلاحين الشباب
يظهر عليه انه فلاح فقير. وقال: هذا فلاح فقير يطلب الانتساب للحزب. وهذا
بدل اشتراكه(خمسين فلساً) واخرج ورقة صغيرة من جيبه كتبت فيها إعداد رتبت
على شكل عمودي، تبين أنها عدد الفلاحين الذين قرأت عليهم الجريدة
والبيانات، وعند الاستفسار منه عن الشخص الذي قرأ الجريدة والبيانات، ذكر
إن احد أبنائه يجيد القراءة وكان يرافقه بالتجول على مضائف الفلاحين
وتجمعاتهم، فالأبن يقرأ والأب يحصي عدد الحاضرين. وبعد مغادرتهم المكان
يطلب من ولده تثبيت العدد على الورقة. استمر الرفيق الذي أعطي اسماً حزبياً
(ضاري) يعمل بهمة ونشاط كبيرين وتمكن بالتعاون مع الحزب ومساعدته من تشكيل
لجنة حزبية تقود المناطق الريفية التي كانت خالية من التنظيم وسميت (لجنة
أطراف ريف الشطرة) إن رفاقنا الفلاحين خاصة من الشباب مدعوون للاستفادة من
تجربة هذا الرفيق المناضل والتحلي بمعنوياته العالية، وان مثقفينا وكافة
قراء جريدة طريق الشعب مدعوون هم أيضا وإيصال الجريدة بعد قراءتها إلى
إخوانهم الذين يطمحون إلى قراءتها إلا إن الجانب المادي يحول دون ذلك -
أرجو أن لا تستغربوا من ذلك – ولا بد هنا تذكير الجميع بدعوات الحزب
السابقة التي كانت تؤكد على عدم أتلاف أو إحراق جريدة الحزب وبياناته.
وجعلها تتلف وتتمزق من خلال من يد إلى أخرى.