عباس
لابد شاب من سكنة ريف الشطرة منطقة ابو العجول- التي تتصف بأرضها الخصبة
المعطاء، ذات الإنتاجية العالية لأجود أنواع العنبر والتي دارت حولها
صراعات حادة بين الفلاحين من جهة والسراكيل من جهة ثانية. استمرت سنين
عديدة. مما دفع السلطات المحلية وبأمر من وزارة الداخلية تحريم زراعة مساحة
محددة من الأرض بالمنطقة تعتبر افضل بقعة لزراعة الرز في المحافظة ان لم
تكن على نطاق الريف العراقي، وأقامت مخفراً للشرطة من اجل منع التجاوز
ولاستتباب الأمن.
نشأ عباس في هذا الجو الملتهب وتأثر به، ولاحظ بعينه البؤس والشقاء الذي
يعاني منه الفلاحون، والاستقلال والاضطهاد والمسلط عليهم، ووجد في الأفكار
التقدمية التي كان المعلمون يطرحونها في المدرسة وخلال احتكاكهم بالفلاحين.
عاش عباس يتيماً محروماً من عطف وحنان الوالدين، وعانى من الغربة رغم انه
عاش في بيت أخيه الكبير للمعاملة القاسية التي تعرض لها، كونه يحمل افكاراً
تقدمية تتعارض كلياً مع أفكار أخيه.
وبعد إكماله المرحلة المتوسطة التحق بإعدادية زراعة الشطرة وهناك وجد ضالته
فقد احتك بالطلبة الشيوعيين وتعرف على أفكارهم. مما شجعه على الارتباط
بالحزب الشيوعي. وكان يردد دائماً (إنني وجدت الحب والحنان الذي حرمت منه،
وشعرت بالاحتضان الذي فقدته لدى الشيوعيين لذلك ارتبطت بهم. وسأبذل كل
جهودي من اجل خدمة الحزب) وفعلاً أوفى بعهده فقد كان دائماً في الصدارة من
بين رفاقه في التطوع لإنجاز أية مهمة يكلف بها كانت الصعوبات.
ومن المحطات المهمة في حياة هذا المناضل، قيادته المنظمة الحزبية في منطقة
ابو العجول وهي أفضل منظمة في ريف محافظة ذي قار آنذاك ابان محنة شباط
1963، وقيامه برشق مقرات الحرس القومي في الشطرة عدة مرات بالرصاص. ودس
العديد من البيانات الخطية في مقراتهم وفي المناطق الحساسة رداً على
تهويشاتهم القائلة بالقضاء على التنظيم الشيوعي. وبث الاشاعات ضدهم. كما
استلم مسؤولية المراسلة بين الناصرية وقيادة المنطقة الجنوبية لمدة أكثر من
سنتين.
اعتقل في الناصرية في أواخر عام 1966 وتعرض للتعذيب من قبل جلاوزة الأمن،
وظل صامدا دون ان يكشف أي سر من الأسرار الحزبية الكثيرة التي يعرفها. وبعد
إطلاق سراحه سيق الى الخدمة العسكرية ونسب الى مقر قيادة الفرقة الأولى في
الديوانية. نشط هناك بين الجنود وكسب العديد منهم كأصدقاء للحزب. ونظراً
للأهمية التي كان يوليها الحزب للتنظيم العسكري- ولكونه غير مرتبط بالتنظيم
العسكري. اقترض مبلغاً بسيطاً من أصدقائه لأنه لا يملك أجور السفر الى
الناصرية وفي الناصرية اتصل بالحزب واخبرهم عن نشاطه وطلب منهم ربطه
بالتنظيم العسكري وفعلاً تم له ذلك
استمر في عمله الحزبي الى ما بعد الضربة الموجعة التي تعرض لها الحزب أواخر
عام 1978. ونظراً لملاحقته المستمرة اضطر للسفر الى بغداد والسكن في منطقة
الحبيبية عام 1982 واشتغل في معرض بغداد الدولي بصفة عامل وعلى صلة تنظيمية
بالرفاق الموجودين في منطقة الحبيبية ومن خلاله نظمت الصلة بالرفاق
المتواجدين في الناصرية. وفي بداية عام 1984 اعتقل في بغداد وتعرض الى
تعذيب قاسٍ، اطلق سراحه في أواخر نفس العام. وبعد إطلاق سراحه أصيب بمرض لم
يمهله طويلاً ويروي احد الرفاق الذين كانوا على صلة به وهو من أصدقائه انه
استلم آخر رسالة حزبية منه وهو على فراش الموت، وهكذا انتهت حياة هذا
المناضل الذي عمل بكل ما لديه من طاقة لإسعاد الآخرين.
حياة عباس انها حالة من حالات كثيرة جداً سعوا من اجل التخلص من التخلف
والجهل والمرض والبؤس والشقاء الذي يمتلئ به الريف العراقي، حيث كان لا
يملك من عدة التغيير سوى أفكاره التي يكافح من اجل تحقيقها.