22 عاماً على استشهاد المناضل البطل أحمد يحيى بربن (أبو سلمى)

د. علي أبرهيم

* وصلت بلغاريا في حزيران عام 1979 في الوقت الذي غادرها (أبو سلمى) إلى لبنان تنفيذاً لوجهة الحزب بالعودة إلى العراق، فخسرت لقاءه، لكنني سمعت أخباره الطيبة من خلال رفاقه وأصدقائه ومحبيه، مما زادني شوقاً لرؤيته. وأقترب الأمل في لقياه عندما بلغت بالسفر إلى بيروت، وهناك عرفت أن (أحمد) قد أنهى الدورة التدريبية الأولى وانتقل مع رفاقه الشيوعيين إلى محطة أخرى في طرابلس شمال لبنان انتظاراً لموعد السفر إلى العراق والالتحاق بقوات الأنصار الشيوعيين، لم يكن العمل الفدائي جديداً على أحمد فقد كان ثورياً منذ نعومة أظفاره حيث التحق بالمقاومة الفلسطينية في عمان عام 1969 متطوعاً مع الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، أيماناً منه بعدالة قضية الشعب الفلسطيني. وبينما كان لي شرف الانضمام إلى الوجبة الثانية التدريبية في منطقة الناعمة القريبة من بيروت، وكنت أسمع أخباره من بعيد، ويسرني أنها كانت موضع فخر واعتزاز. * وفي صيف العام نفسه التقيته صدفة في (السيدة زينب) بدمشق. حيث كنت أروم اللقاء بوالدتي وبعض من عائلتي وكان (أحمد) يودع والدته، ذلك اليوم لا ينسى حيث شهدت وداع الأم لأبنها. بصعوبة صعدت الحافلة فهي متأرجحة بين البقاء معه أو العودة معه، وعندما وجدت أن الحالتين مستحيلتان رضخت للأمر الواقع على مضض، صعدت السيارة وهي باكية، ومازال أحمد يصبرها من وراء الشباك وحين تحركت السيارة لم تتمالك نفسها فعضت على إصبعها بقوة وبقي أحمد يردد"سنعود...سنعود" ذهبت ومعها رسالة مني إلى الأهل أخبرهم بوجودي في الشام وانتظار زيارتهم وبعد أيام حصل اللقاء وله قصة أيضاً... بقيت مع أحمد تحدثنا كثيراً عن السياسة والأصدقاء في العراق ومصائرهم وعن المستقبل المنظور للعراق فوجدته ممتلئاً عزماً وتصميماً ولم يعبر عن أي تردد أو قلق بل شجعني على مواصلة المسيرة والعودة إلى كردستان، المكان الممكن للتواجد به حالياً والانطلاق منه إلى العمق العراقي، رأيته مؤمناً بنهج الحزب الجديد قائلاً: "لا طريق لمجابهة العنف الرجعي إلا بالعنف الثوري" ثم توادعنا فقد كان ملتزماً بضرورة العودة إلى بيروت. * اللقاء الثاني في بداية الثمانينيات في قاعدتنا الأنصارية في كردستان التي تقع على الشريط الحدودي بين تركيا والعراق وكنا نطلق عليها أسم (قاعدة هيركي)، قدم من (قاعدة كوسته) تبعد عنا ما يقارب يومين أو أكثر مشياً على الأقدام وهي الأخرى تقع على الشريط الحدودي نفسه. وعرفت أن (أبا سلمى) هو أحد قادة هذه القاعدة حزبياً وإداريا وكان ناجحاً من قبل رفاقه، ومقاتلاُ من الطراز الأول، مقداماً لا يهاب الموت، رصيناً في طروحاته.وحين انفردنا وبدأ حديثنا الخاص عن محافظتنا ومصائر الأصدقاء ومن استشهد ومن ما زال مختفياُ يقاوم الدكتاتورية أحسست بألم يعصر قلبه، ثم عرجنا إلى معاناته أو هموم العمل الأنصاري أخبرني بأن طموحاته في تطوير العمل تصطدم بمعوقات ترتبط بتمسك بعض الرفاق القدامى بأساليب كلاسيكية في العمل، ويبدو أن (أحمد) كانت له تصورات وطموحات تتجاوز تجاربنا الأنصارية القديمة دون أن تتوفر فرصة أقناع الرفاق بها وتحقيقها. لم تمض مدة طويلة على لقائنا ذلك حتى سمعت بنبأ أسره مع رفيقه (جمال) تأملت كثيراً وهذا كل ما أستطيعه في تلك الحقبة العصيبة من تاريخ حزبنا وشعبنا ونحن في تلك البقاع النائية من وطننا العزيز المحاصر من قبل النظام الدكتاتوري وكلنا مشاريع استشهاد. ومما زاد من ألمي وحزني هو نبأ اعدامهما يوم 17/1/1985. * وقبل إعدامه استطاع تهريب الرسالة الآتية إلى ذويه أنقلها نصاً لما فيها من تعبير عن الصمود والأمل والمحبة لحزبه وأهله وهو في زنزانة الإعدام: "الموصل- غرفة الإعدام- 31/3/1983 أهلي الأعزاء... حبي وتقديري لكم جميعاً، أشكركم جداً على مشاعركم النبيلة، ومساعدتكم لي وهكذا كنتم دائماً معي في كل الظروف. اليوم هو أخر يوم من آذار، تعرفون معزة هذا اليوم عندي، واليوم أنا في غرفة الإعدام أحييت هذا اليوم مع صديقي (جمال)، حيث أن هذا اليوم يعتبر عيد ميلادي الحقيقي... إن ما سببته والدتي ولكم جميعاً يؤلمني كثيراً، وإني أود أن لا تأتوا للمواجهة وذلك للظروف الصعبة وطول الطريق وإزعاجاته. أود أن أظفر بفرصة الحياة ثانية لأعمل لإسعادكم وراحتكم إلى الأبد... نعم حلم ولكنه يتحقق حتماً... تحايا وحب للوالد العزيز قبلوه رجاءً، والدتي الطيبة القلب المعذبة بسببي، لكم جميعاً أبو علي الورد وأم علي الحنونة أم سيف ودعمها المستمر لي ولكلنا، وأبو سيف الذي أتمنى أن نلتقي سوية ونتعارف أكثر وبظروف أفضل. أبو أحمد وأم أحمد وأمنياتي لهم بالسعادة والصحة. أم نورس وأبو نورس وجماره الطيب، بتول وزوجها، أبو طارق وأم حيدر العزيزة." * المشهد الأخير هو يوم اعتقال المجرم صدام حسين: كنت في مقر محلية بابل للحزب الشيوعي العراقي والفرحة تغمرنا رفيقات ورفاقا وأصدقاء، وبينما كنا منهمكين في التحضير للخروج بمظاهرة تجوب شوارع المدينة تعبيراً عن فرحة الشعب العراقي إذا بي أرى امرأة عجوزاً تنزل من سيارة أجرة تتكئ على كتفي امرأتين تتوسطهما، تحمل بيدها لافته صغيرة تشبه العلم دخلت المقر وهي تهلهل وتوزع الحلوى وترينا اللافتة وقد رسم عليها مزهرية وعلمت من أخيه (جعفر) أن هذه اللافتة أخذها الشهيد من بدلة السجن التي كان يرتديها، ورسمها احتفالاً بالذكرى 49 لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي وكتب عليها عبارة "الموصل الإعدام 1983" وقالت والدته "لقد طرزها بيده في غرفة الإعدام" ثم وقفت أمام صورة ولدها (أحمد) التي تتوسط مجموعة من صور شهداء الحزب في محافظة بابل، وهي تشرح سبب مجيئها: "جئت لأوفي نذراً أوصاني الشهيد (أحمد)، قال لي في آخر زيارة له: "حين يسقط النظام أرجوك أن تذهبي إلى مقر الحزب وتسلمي لرفاقي هذه الراية". ولكنها ظلت متمسكة بها وكأنها تمسك بولدها الرفيق الشهيد (أحمد يحيى بربن) أبكاني هذا المشهد وأذهل الجميع وأبكاهم. المجد لك يا شهيدنا البطل والنصر الأكيد للقضية التي كرست كل حياتك من أجلها.