التقيته أواسط السبعينات في مقهى الجندول في مدينة
الحلة، حيث كنا نلجأ إليها للدراسة والتحضير للامتحانات بعيدا عن بيوتنا
المكتظة بساكنيها ،وجدته يساريا أكثر مني فهو سليل أسرة الخليلي المعروفة،
بتعاطفها وانتماء إفراد كثيرون منها للحزب الشيوعي .
تميز بحب الفقراء وتعاطف معهم وخاصة زملاءه الطلاب، إذ كان يشتري لنا
سندوتشات العنبة من جيبه فيجود بمصروفه الذي يأخذه من أسرته ،فينفقه على
أصدقائه باندفاع وسخاء شديد.
يحب قراءة الكتب الأدبية ،وخاصة الشعر الذي كان يقرأهُ بشغف وبشراهة، من
الشعراء أحب الشاعر العظيم مظفر النواب،وكان يستنسخ دواوينه باليد ،وقرأ
للماغوط وجمال ألغيطاني ، وكذلك كان يحب شعر المتنبي.
ولد الشهيد في الحلة عام 1958 ومن أسرة نجفية معروفة بحبها للأدب والثقافة
، ومنهم الأديب القاص جعفر الخليلي والأديب عبد الغني الخليلي الذي رحل في
منفاه الجليدي (السويد) قبل خمسة سنوات، وعُرفت هذه الأسرة بحبها للناس
وخاصة الفقراء، ولهذا السبب ارتبط كثير من إعلام هذه العائلة بالحزب
الشيوعي ،لكونه كان يدافع عن حقوق الكادحين،منهم الراحل فاروق الخليلي
،شهيد الاغتراب،ومنهم المناضل الرائع فيصل الخليلي سجين قصر
النهاية،والمناضل الكاتب فائق الخليلي ، والشهيد فارس الخليلي الذي قضى في
نقرة السامان.
أعود للشهيد فاخر الخليلي صديق العمر، والذي أشعر بمرارة فقدانه حتى اليوم
رغم مرور قرابة ربع قرن على رحيله المبكر،حيث استشهد في كردستان ،في بشت
شان في نيسان عام 1983 وهو يدافع عن رفاقه ليغطي انسحابهم في معركة غير
متكافئة، انضم لحركة الأنصار من اجل إسقاط الديكتاتورية ،ورفض الانضمام
للحزب الشيوعي عندما كان متحالفا مع البعث في السبعينات وكان يحذر من
النتائج الوخيمة لهذا التحالف لكنه كان يدفع لنا التبرعات المالية فهو كان
شيوعيا فكرا.
بعث لي برسالة عن تجربة حركة الأنصار ،وكان شديد الإعجاب بجيفارا، يحكي
رفاقه عن اندفاعه وإيثاره في العمل اليومي وفي لحظات القتال ، حيث كان يضع
نفسه في الإمام في الواجبات ويحرس نيابة عن المرضى والمتعبين ،وكان يحمل
على ظهره عند استشهاده كتاب جيفارا وديوان مظفر وديوان السياب ، الذي زرت
وإياه بيته في جيكور عام 1979.
كان لايحب الانتهازيين والبيروقراطيين الذي لايخلوا الحزب من وجودهم وكان
متحمسا للعمل الثوري ومندفعا ولكنه كان يؤمن بإمكانية تطهير الحزب منهم
خلال العمل المسلح الذي لا يمكن أًًَََُُن يتقبلوه أو يتقبلهم.
أيها الخليلي الخليل ، أيها الشهيد المظلوم ، كل الشهداء مظلومين ،لكن
الشهيد الغريب والذي لاتفرض عليه الشهادة، لا تأتيه بل يذهب لها، لهؤلاء
أنحني بإجلال ، سلاما للشهداء، علي والحسين ،وأبو ذر وجيفارا وفهد والخليلي
وغيرهم سلاما أيها الإبطال بكم تنطوي الصفحات اللئيمة في التاريخ والتي
يكتبها الطغاة.
الشهيد فاخر الخليلي ،أتذكر دفاعه عني عندما تم إبعادي إلى الصحراء في
سوريا ، اتصل بالحزب وألح في طلبه بالدفاع عني،واتصل بأصدقاءه من عائلة
ألجواهري منهم عاصم ألجواهري ، وبالفعل تمت إعادتي من الصحراء وأنقذ حياتي
.
كان مرهف الحس شديد التهذيب ،في غاية الطيبة والخلق، مثاليا لايحب منتصف
الأشياء لايهادن ولايخاف ،عندما تم ترحيله مع أسرته في عام 1980 وعند مرور
سيارتهم إمام منظمة حزب البعث في الحلة بصق عليها ، لاحقتهم سيارة المنظمة
ولكن الحارس الذي أوقف السيارة حذرهم من الأمر وتركهم يكملوا طريقهم إلى
المنفى ألقسري.
سلاما أيها الشهيد الخليلي يافاخر مثل أسمك ،رحم الله من سماك ومن رباك.
دمشق الأحد 17/9/2006