حول النظام الداخلي  للحزب الشيوعي العراقي وبرنــامجـه1-2

د. مجيـــد الراضــي

   وجهت لي أكثر من دعوة كريمة لمناقشة ما ورد في هاتين الوثيقتين المهمتين في حياة الحزب الشيوعي العراقي ونشاطه العملي، واني  لأعتزبهذه الدعوة وأعتبرها منطلقا يسمح لي، بل ويحملني واجب ابداء الرأي بصراحة ودونما لف أو دوران.   ان الحزب، أي حزب سياسي ذي دوافع انسانية ـ كما هو معروف ـ تجمع طوعي لأفراد وجماعات ترى من واجبها المساهمة في قيادة المجتمع في مكان معين، وتسهيل عملية تطوره نحو ما يخدم أغراض المجتمع البشري في توفير حياة هانئة لافراده بأقل ما يمكن من تصادم مع التكتلات والاحزاب الاخرى. وهذا ما يخرجه عن طابع التجمعات النفعية ذات الاغراض الضيقة أو المحدودة في اطار فئة معينة من الناس مثل النقابة او أي اتحاد مهني على سبيل المثال لا الحصر، ناهيكم عن المافيات او مجموعات الجريمة المنظمة.

   والحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه في النصف الاول من ثلاثينيات القرن الماضي كان حزبا سياسيا ذا دوافع انسانية ووطنية بامتياز، بالاضافة الى دوافعه الطبقية والفئوية باعتباره كان ولا يزال يؤكد انه يسعى الى التعبير عن مصالح العمال والفلاحين والفئات الفقيرة من الشعب والمثقفين التقدميين، بل ان فضل انشاء هذا الحزب يعود لهؤلاء الاخيرين الذين لا يزالون يشكلون النسبة الغالبة في قيادته وكوادره الاساس. هذا وضع يعتبر امتيازا ومطعنا في الوقت ذاته، امتيازا للفئة المثقفة العراقية التي ربطت ـ بدوافع انسانية ـ مصيرها بالطبقات الفقيرة من المجتمع العراقي، ومطعنا، للأنها رغم كل الجهودالمضنية لم تستطع ان تمد جذورا عميقة، بما فيه الكفاية، في اوساط العمال والفلاحين، وان تحولهم من طبقة في ذاتها حسب التعبير الماركسي الى طبقة من اجل ذاتها تدرك مصالحها وتناضل من اجلها وتفرز قياداتها المستقلة لقيادة هذا النضال. لقد حدث تطور كبير في القرن الماضي في تركيبة الطبقة العاملة وبخاصة في البلدان الراسمالية المتطورة واصبح شغيلة الفكر جزءا من الطبقة العاملة، بل ان العنصر الذهني في كثير من المهن والوظائف أخذ يتجلى بوضوح اكبر تدريجيا بحيث لم تعد ثمة فجوة كبيرة بين شغيلة الفكر واليد. غير أن هذه الحال لا تمس بلدنا بالشيء الكثير، اذ لا يزال التطور الاقتصادي والاجتماعي بالمقاييس العالمية ضئيلا جدا.

     هذه ملاحظة أضعها أمام أنظار قيادة الحزب ـ ولا أشك في انها على علم بها ـ ما دامت تصر على انها تمثل العمال والفلاحين والفئات الفقيرة بالدرجة الاساس.

     وما تقدم لا يمنعني من القول اننا بحاجة اليوم، وفي ظل الظروف الراهنة في العالم وبلادنا ولاجيال عديدة قادمة، الى حزب للشعب كله، حزب للديمقراطية والعدالة الاجتماعية يضم في قيادته وصفوفه الطليعة الواعية من العمال والفلاحين والمتنورين من الفئات الفقيرة وممثلي الفئات الصناعية والتجارية المتوسطة والصغيرة جنبا الى جنب المثقفين التقدميين من ذوي التطلعات الانسانية، وهناك في بلادنا اليوم مئات بل آلاف من هؤلاء المثقفين المهدورة طاقاتهم الابداعية دون طائل. ان آفاق مثل هذا الحزب رحبة في الاوضاع التي تمر بها بلادنا، وكذلك قابليته على النماء والتحول الى اداة فعالة في حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

     واذا انتقلنا الى مناقشة مشروع النظام الداخلي، فليس لدي الكثير من الملاحظات وهي في معظمها ذات طابع لغوي.

     لقد شجب المشروع مبدأ عبادة الفرد بشكل عرضي وتطرق في المادة الاولى الفرع (هـ) الى مبدأ تجديد القيادة فقال (... كما يتعين الاخذ بمبدأ التجديد لهذه الهيئات في كل دورة ...الخ). وعندي ان هذا التناول هو محاولة خجولة، وجاء من باب رفع العتب، والرأي، هو ان ينص النظام الداخلي صراحة على وجوب تجديد الهيئات القيادية بنسبة لا تقل عن الثلث في كل دورة، وذلك لحماية هذه القيادات من الركود ومن المتسلقين والخاملين. ولم تحدد آلية لتأكيد الديمقراطية في بناء الحزب وحياته الداخلية وبغية حمايته عن الامراض البيروقراطية، ومن هذه ظاهرة التمسك بالموقع الحزبي ـ من المهد الى اللحد ـ واعذروني من هذا التعبير، بحيث لا يزال اشخاص بلغوا ارذل العمر يطالبون، علنا أو ضمنا، بموقعهم في قيادة الحزب. وانني اقترح ان ينص على عدم جواز انتخاب العضو القيادي في اللجنة المركزية ـ المكتب السياسي ـ سكرتير اللجنة المركزية أكثر من ثلاث دورات متتالية ، بغية تدريب الكوادر على القيادة وتحمل المسؤولية، ودرءا لخلق بطانات ومحسوبيات. ومن الضروري ان يوضع حد أعلى للتقاعد في القيادة لا يتجاور 65 سنة، كما هو معمول فيه في الحزب الشيوعي البريطاني مثلا. وينسّب اعضاء القيادة المتقاعدون للعمل كخبراء في مختلف ميادين النشاط الحزبي للاستفادة من خبراتهم.

    ينص المشروع المادة (4): واجبات عضو الحزب:

"2 – يسعى الى تطوير مداركه بالمعارف الماركسية ويحرص على الارتقاء بثقافته العامة، واغناء معرفته بتأريخ الحزب والطبقة العاملة والحركات الوطنية والديمقراطية في العراق والعالم."

     هذا مبدأ رائع، ولكن يبدو لي انه مهمل الان ليس على نطاق الاعضاء بل أحيانا على مستوى القيادة، ولكي لا يكون كلامي مطلقا على عواهنه، أقول شاهدت برنامجا تلفزيونيا (في القناة العربية) حول ثورة 14 تموز 1958 سئل فيه عضو بارز في المكتب السياسي عن حقيقة ما يقال من ان الجيش العراقي حين زحف من جلولاء على بغداد مارا بمدينة بعقوبة أطلق سراح السجناء الشيوعيين ليساهموا في الثورة، فأجاب انه لم يسمع بذلك، في حين ان قيادة ثورة 14 تموز 1958 لم تكن موحدة، في اقل تقدير، ازاء الموقف من الشيوعيين رغم انها كانت بحاجة ماسة جدا الى دعمهم في الشارع، ولم يطلق سراح الشيوعيين الا تدريجيا وبصورة فردية واستغرق ذلك شهورا، كما ان الحزب بقي يطالب باطلاق سراح الشهيد المحامي حمزة سلمان عضو اللجنة المركزية الذي اعتقل في عشية ثورة 14 تموز، وهو يشرف على نقل مطبعة الجبهة الوطنية في بغداد. ناهيكم عن ان حكومة الثورة ضمت ممثلين لكل احزاب جبهة الاتحاد الوطني فيما عدا الحزب الشيوعي العراقي. ان مثل هذا الجهل بتاريخ الحزب والحركة الوطنية غير مسموح به لدى الكوادر السياسية، فكيف بقيادة الحزب ؟

ملاحظات لغوية عامة بعضها ينطبق على لغة البرنامج ايضا:

1. هل النظام بائد أم مباد؟  لقد حسم الجدل حول هذه الصفة بعد قيام ثورة 14 تموز 1958، وشارك في الحوار اللغوي آنذاك العلامة مصطفى جواد وأكدت صفة (المباد)، لان النظام قد أبيد من خارجه، بفعل فاعل، ولم يسقط بفعل عوامل داخلية فيصبح بائدا.

2. كافة تأتي في الاخير دائما فنقول مثلا: الاقطار كافة وليس كافة الاقطار.

3. النظام الداخل ص : 2 يزيد عن الشهر، والصحيح: يزيد على الشهر.

4. ص3 (ج) : والاستماع الى الآراء المخالفة والاستفادة منها واحترامها. وهنا جانب من الاستعمال المجاني للغة، فالاستفادة من الآراء هي أقصى درجات احترام الرأي اذ قد أحترم رأيك ولكني لا استفيد منه، والمنطق يقول (الاستماع الى الآراء المخالفة واحترامها والاستفادة منها).

العضوية ص4:

المادة (2) في شروط العضوية: كل مواطن او مواطنة بلغ/بلغت الثامنة عشر ، والصحيح (الثامنة عشرة)

1. اقترح ان تكون الصياغة: يقبل برنامج الحزب ونظامه الداخلي ويسترشد بهما.

2. ص7 فقرة 4: كل من اعضاء الخلية، والخلية مسؤولة عن كل عضو فيها. تصبح :" كل عضو من اعضاء ... والخلية مسؤولة عن نشاط كل عضو فيها".

في مناقشة البرنامج

     الاشتراكية اليوم هدف بعيد وبعيد جدا، ويكفي ان نعرف انه لم يعد مطروحا امام اي حزب او حركة سياسية في اي بلد من بلدان العالم مهما بلغت درجة تطوره السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فكيف الامر في بلادنا التي تراجع فيها التطور عشرات السنين الى الوراء؟ غير انني لا أطالب بحذفه من البرنامج، (.......). وما يهمني هو الاهداف العملية والمرحلية التي يحقق انجازها خطوة – مهما كانت قصيرة – الا انها تقربنا من الهدف البعيد ولو انجا واحدا. والقصد من وراء هذا الحديث ينبغي ان لا نخدر احساس الناس بضرورة العمل على تحسين ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية بانتظار تحقيق الاشتراكية (......).

      ان للناس حقوقا، كما عليهم واجبات، ومن حقهم ان يعيشوا حياة حرة كريمة تليق بالانسان، وواجبنا ان نساعد في التوصل الى افضل السبل في النضال لتحقيق هذا المطلب الاولي العادل.

     ليس بهذه السهولة يمكن التخلص من مفهوم الاشتراكية ولا من اسلوب تحقيقها في العراق – مثلا-، ومن المفيد النظر الى كيفية طرحها في البرنامج. من الناحية النظرية يبدو لي ان البرنامج يطرح فكرة "مثالية" تماما عن طريق بلادنا الخاص الى الاشتراكية اذ يقول انه ( سيكون محصلة عمل فكري وسياسي تراكمي ومتدرج...الخ). وأنا أزعم ان هذا التصور غريب عن الفكر العلمي، اذ كيف يحدد العمل الفكري الطريق الى الاشتراكية قبل توفر مستلزمات تحقيقها. ان العمل الفكري الجاد ، .....، يمكن ان يساعد في رسم الطريق المباشر لتحقيق الاهداف التي نضجت الاسس المادية-الاقتصادية والاجتماعية- الضرورية لها، مثلما تساعد القابلة الماهرة على ان تلد المرأة – التي اكتمل حملها- طفلا سليما باقل ما يمكن من اللآلام، ناهيكم عن تعريض حياة الام والوليد الى الخطر. ولنتذكر ان النظرية ليست سوى مرشد في العمل. كما يتراءى لي ان البرناج يعزل مسألة انتقال بلادنا الى الاشتراكية عن المحيط الاقليمي والعالمي، وخطورة ذلك تأتي من انه ربما كان البعض لا يزال يعتقد بامكان بناء الاشتراكية في بلد واحد او عدة بلدان دون نضوج مستلزمات الانتقال الى الاشتراكية على النطاق العالمي.

    ان نظرية امكان بناء الاشتراكية في بلد واحد – وهو اجتهاد لينيني استند الى التطور المتفاوت للبلدان الرأسمالية- قد حكم عليها التاريخ بالفشل، ولذلك فان المغامرات الثورية بما فيها من طابع رومانسي يستهوي الشباب ليست سوى حلم من أحلام الماضي بوصفها نزعة ارادوية غريبة على الفكر العلمي الذي يستلهم تطورات الواقع الملموس ولا يستند الى الافتراضات الخيالية، وهي بالاضافة الى ذلك، تقدم، وبخاصة في الظروف الدولية الراهنة، خدمة كبرى للرأسمالية المتوحشة بمنحها فرصة القضاء على ترسيخ التطورات الاقتصادية والاجتماعية التقدمية الممهدة للانتقال الى مجتمع فيه شيء من العدالة الاجتماعية. لقد مر وقت طويل جدا ونحن ندين النزعة  الاصلاحية في السياسة ونهج التطورات الاقتصادية والاجتماعية التدريجية ونعتبرهما تضليلا للعمال والفلاحين والفئات الفقيرة عموما من الشعب، وابعادا لها عن "القفز" نحو الهدف الاساس، ومن هنا نشأت نظرية "الطفرة الكبرى" وحرق المراحل، واصبحت "الجملة الثورية" والخطاب الرغبوي في فترة من الفترات هما المنهج السياسي، بل والاقتصادي والاجتماعي لكثير من الحركات القومية والوطنية فيما كان يسمى في العالم الثالث، وكان البعض يؤكد انه كلما ساءت الظروف الاقتصادية والاجتماعية للشغيلة اقتربت ساعة الخلاص. كل ذلك مقابل النهج السوفيتي البيروقراطي الفاسد والمنعزل عن الجماهير الشعبية ومطالبها الاساس، والمدعي انه يحكم باسم الشعب وطليعته الثورية، على الرغم من أنه كان قامعا لكل الحريات وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير عن الواقع المرير الذي يعيش فيه معظم الناس، ما عدا فئة صغيرة من المتسلقين والطفيليين المتسترة وراء متراس القيادة الحزبية. كانت التقارير الرسمية تتحدث عن عالم منسجم يتطور باستمرار نحو بلوغ ذرى التقدم في جميع الميادين ويفسح في المجال للانسان السوفيتي بالتطور الشامل وتحقيق كامل قدراته الخلاقة مثلما يحدث في بعض الروايات الخيالية ذات النزعة المثالية ، بينما كان الواقع ينوء تحت وطأة الارهاب السلطوي المستشري في كل مناحي الحياة. وباختصار كان الكشف عن النواقص جريمة بحق الشعب والوطن وخيانة لقضية الاشتراكية. في هذا الجو الفاسد الوخيم تربت القيادة السوفيتية الغرباتشوفية، بل يمكن القول ان هذه القيادة كانت الحصيلة النهائية للنظام الذي كان سائدا آنذاك، وأطاحت به فيما بعد دون التفكير فيما كانت ستؤول اليه الاوضاع سواء في البلدان الاشتراكية المزعومة او العالم. وما يسود اليوم في العالم من استهتار القطب الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الامريكية بمصائر البشرية هو ايضا نتيجة من نتائج اهارة ما كان يمسى بـ"المعسكر الاشتراكي". لا أزال اعتقد، وربما كنت مخطئا في ذلك، ان انهيار المنظومة الاشتراكية لم يكم امرا حتميا، وانه تحقق بفعل جهود داخلية-ذاتية وموضوعية- وكذلك جهود خارجية محمومة، وانه كان امام القيادة السوفيتية – لو كانت مخلصة- طريق صعب وقاس للخروج من الازمة الشاملة للنظام السوفيتي، وهو طريق اشاعة الديمقراطية في حياة الحزب والدولة والمجتمع بصفة عامة ونبذ سياسة سباق التسلح لتوفير الموارد اللازمة لتحسين حياة الشعوب السوفيتية اولا وقبل كل شيء. ولكنها اختارت طريق الاستسلام لسلطة رأس المال العالمي بزعامة امريكا.