دخل
الشعب العراقي منذ الايام الاولى من دخول الجيش البريطاني في صراع ومقاومة
ضارية للمحتلين، وثورة العشرين الخالدة مثال على الاجماع العراقي وتوحيد
صفوفه لتحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية. الا ان الوحدة الوطنية التي
تكونت (عملياً) من جميع الطبقات الاجتماعية، آنذاك، لم تحافظ على نفسها ولم
تتطور الى وضع جديد، من حيث التنظيم والقيادة السياسية، ولم تشترك القوى
الكردستانية فيها لانها كانت تواجه مهمة قومية مستقلة عن العراق الذي لم
تلحق به كردستان الجنوبية التي كانت خاضعة للاحتلال والوصاية البريطانية،
والتي كانت تأمل وتناضل بقيادة الشيخ محمود الحفيد. كانت ثورة العشرين
الوطنية تعاني من مشاكل معقدة ومن اخطاء كثيرة، حيث دخل رؤساء عشائر كثيرة
في مساومات مع المحتلين البريطانيين على حساب القضية الوطنية وتمكين
المستعمرين من إبقاء احتلالهم ونفوذهم على البلاد، او بشكل آخر كانت هذه
المساومات تهدف الى ابقاء السيطرة الاستعمارية تحت غطاء اقامة دولة عراقية
مستقلة ولكنها مرتبطة بمعاهدات واتفاقيات مع بريطانيا تجعل من هذه
الاستقلالية مسألة شكلية فحسب.
ان هذه التحولات في تغيير الوضع لاصطفاف القوة السياسية والاجتماعية قد اثر
تأثيراً سلبياً على الحركة الوطنية العراقية، بحيث صارت القوى الوطنية
المعارضة للاحتلال والاستعمار ضعيفة وعاجزة عن مقارعة الاستعمار والسلطة
العميلة، والشعور بالضعف يدفع صاحبه الى الدخول في مساومات مذلة او الجلوس
على التل. في مثل هذه الظروف الصعبة والمعقدة التي واجهت الحركة الوطنية
العراقية انبثق الحزب الشيوعي العراقي، كقوة سياسية وطنية صلبة لا يساوم
المستعمرين على حساب القضية الوطنية، ولم يكن انبثاقه مفاجأة عرضية او
وقتية او مرحلية، انما فرضته الحياة الاجتماعية والطبقية، ليلعب دوره، قوة
سياسية وطنية ضد الاستعمار والعمل على تعبئة قوى الشعب الاجتماعية
والسياسية في تحالف وطني واسع وزجها في معركة سياسية لتحقيق الاستقلال
الوطني الناجز.
ان ولادة الحزب الشيوعي العراقي، بعثت النشاط والثقة في القوى الوطنية
الوسطية المترددة وغير المساومة والمعارضة للمساومات المذلة على حساب
القضية الوطنية التي اجرتها القوى الرجعية مع المستعمرين البريطانيين، ولكن
موقف هذه القوى كان يتذبذب باستمرار بين الايجاب والسلب، حسب تطور الحركة
الوطنية، ولكنها كانت ملتزمة بشعارها (لن انفرد بالتحالف مع اليسار ما لم
يأت اليمين الى هذا التحالف)، ان هذا الاتجاه صعب وخطير، ولكن الحزب
الشيوعي، ذا النفس السياسي الطويل، كان يعمل بجد على تحقيق ما تريده القوى
الوسطية، عن طريق اتصالاته المستمرة والعلاقات الودية لاقناع قوى اليمين
المعارض للاستعمار والسلطة الرجعية بضرورة قيام هذا التحالف حتى على الحد
الادنى من الاهداف المشتركة.
اصدر الحزب الشيوعي (الميثاق الوطني) الذي اقره الكونفرانس الاول للحزب
كبرنامج الحد الادني لتحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية، الذي يمكن ان
تجتمع عليه كل القوى الوطنية (اليسار والوسط واليمين) الا ان ما كان يطمح
اليه الحزب الشيوعي وتقتضيه مصلحة الحركة الوطنية، لم يتحقق، بسبب الموقف
السلبي للقوى الوطنية الاخرى من الحزب الشيوعي، الا ان الحزب لم يبخل ببذل
الجهود المتواصلة للم القوى الوطنية في تحالف سياسي واسع، ادراكاً منه ان
مرحلة التحرر الوطني لها قواها الاجتماعية والسياسية ذات المصلحة المشتركة
ولها اهداف اجتماعية وسياسية مشتركة، ولان اياً من القوى الوطنية غير قادر
لوحده على تحقيق تلك الاهداف في ظروف حركة التحرر الوطني العراقية.
ناضل الحزب الشيوعي، منذ ولادته من اجل اطلاق الحريات الديمقراطية بما فيها
الحياة الحزبية، وقد كان لانتهاء الحرب العالمية الثانية التي ساهمت الدولة
العراقية في مجهودها الحربي ليس عسكرياً، بل سمحت لدول الحلفاء استخدام
الاراضي العراقية، له تأثير على سياسة الدولة العراقية الداخلية بمبادرتها
السماح لتأسيس احزاب وطنية مجازة، لتعمل بصورة علنية، وقد قيم حزبنا
الشيوعي العراقي هذه الخطوة، تقييماً ايجابياً، بالرغم من عدم الغاء قانون
مكافحة الشيوعية، حيث قدم طلباً لاجازة (حزب التحرر الوطني) بقيادة المناضل
الشهيد حسين الشبيبي. ولكن السلطة لم تجز هذا الحزب كما لم ترفض اجازته
رسمياً، لذلك واصل العمل باسم الهيئة المؤسسة طالما لم يصدر امر الغاء طلب
الاجازة، وقد قام حزب التحرر الوطني بنشاط سياسي وتنظيمي واعلامي واسع،
فأصدر برنامجه وكراس الجبهة الوطنية واقتصادنا الوطني والاستقلال والسيادة
الوطنية، وغيرها من النشاطات الاعلامية. وتركزت نشاطات حزب التحرر الوطني
على العمل من اجل قيام الجبهة الوطنية بينه وبين حزب الشعب بقيادة الرفيق
الراحل عزيز شريف وحزب الاتحاد بقيادة الراحل الاستاذ عبدالفتاح ابراهيم
والحزب الوطني الديمقراطي بقيادة الراحل كامل الجادرجي، الا ان المساعي لم
تثمر بسبب المواقف السلبية من الحزب الشيوعي وكونه حزباً ممنوعاً قانوناً
ويعمل بصورة سرية ولكون حزب التحرر الوطني هو الوجه العلني للحزب الشيوعي
العراقي والذي لا يتمتع بالشرعية الرسمية.. الخ.
وعلى هذا الاساس إلتجأ حزب التحرر الوطني الى الشارع والقيام بتقديم عرائض
تحتوي على عشرات الالوف من التواقيع الى الحكومة تطالب بإجازة حزب التحرر
الوطني والقيام بتظاهرات بمناسبات وطنية واضرابات عمالية واسعة لعمال السكك
الحديد وعمال الميناء وعمال النفط في كركوك، وغيرها من النشاطات في عام
1946 حيث كانت هذه السنة سنة نشاطات سياسية وطنية واسعة ضد الاستعمار
البريطاني وضد قواعده العسكرية في العراق ولالغاء معاهدة 1930 العراقية
الانكليزية الجائرة وضد وعد بلفور وإنشاء دولة اسرائيل في فلسطين، وكانت
هذه النشاطات تهدف ايضا الى جر الاحزاب الوطنية الى العمل المشترك وعلى
الاقل جر قواعدها.
ان المستعمرين والقوى الرجعية الحاكمة كانوا يرون في نضال حزبنا الوطني
خطراً اساسياً على مصالحهم ولذلك ركزوا على تشديد الاجراءات ضده ومحاولة
ابعاد القوى الوطنية عنه بتخويفهم بقانون مكافحة الشيوعية ومع عدم تجاوب
الاحزاب الوطنية لاقامة الجبهة الوطنية، الا ان هذه النشاطات بالاستناد الى
كسب اوساط واسعة من الجماهير واحياناً وقوف الاحزاب الوطنية ضد اجراءات
الحكومة القمعية للنشاطات السياسية والاضرابات العمالية المطلبية، قد ازعجت
المستعمرين والرجعية الحاكمة، فأقدموا على إلغاء هذا النزر اليسير من
الحريات، وبدأت حملة ارهاب واعتقالات واسعة وتقديمهم الى المحاكم، وفي
المقدمة اعتقال الرفيقين فهد وزكي بسيم والهيئة المؤسسة لحزب التحرر
الوطني، والحكم بإعدام الرفيق فهد وتبديله بالحكم المؤبد، بعد الاحتجاجات
العالمية. الا ان الحزب واصل نضاله الوطني الدؤوب في ظروف القمع والارهاب
بتوثيق صلاته القوية بالجماهير وحثها على النضال ضد الاستعمار والرجعية
الحاكمة وظنت الرجعية بان الفرصة ملائمة للدخول في مفاوضات صورية مع
المستعمرين الانكليز لتجديد معاهدة 1930، بعد ان جمدت الاحزاب الوطنية
نشاطها العلني، وتوجه وفد الحكومة العراقية الى لندن، متمثلة برئيس الوزراء
(صالح جبر) للتوقيع على معاهدة جديدة بدل معاهدة 1930 وسميت بمعاهدة (بورتسموث)،
وما ان اعلن ذلك النبأ حتى هرعت الجماهير الشعبية الى الشوارع لاعلان رفضها
للمعاهدة الجديدة وإلغائها، وتحولت المسيرات الشعبية الى وثبة وطنية عمت
جميع المدن العراقية، وجوبهت الوثبة في عام 1948 برصاص حكومة صالح جبر وسقط
على اثرها شهداء من ابناء الشعب كما سقطت المعاهدة الجديدة وحكومة صالح
جبر، وتشكلت لجنة التعاون والعمل المشترك بين حزبنا الشيوعي العراقي
والاحزاب الوطنية الاخرى.
ان المستعمرين والرجعية الحاكمة تراجعوا بصورة مؤقتة حيث تشكلت وزارة
(تخديرية) يرأسها (الصدر) وأخذت الحكومة تمهد للقوى الرجعية والقومية
اليمينية، بالاعتداء على المسيرات الشعبية والاضرابات العمالية واخذت
اللجنة التعاونية للاحزاب بالانحلال وعدم التجاوب للوقوف بوجه دعوات
الاستعمار، وانتهى دور (الصدر) وانيطت مهمة الحكومة الى مصطفى العمري
واعلنت الاحكام العرفية وشنت حملة اعتقالات واسعة للقوى الديمقراطية، وفي
المقدمة الحزب الشيوعي، وبصورة شكلية اعلنت الحكومات العربية الحرب على
اسرائيل، بعد ان قسمت فلسطين الى دولتين؛ اسرائيل وفلسطين، اصبحت اسرائيل
دولة معترف بها من هيئة الامم المتحدة، واخذت الحكومة المصرية والاردنية
بتقسيم فلسطين، حيث سيطرت مصر على خان يونس وغزة وضمت بقية اراضي فلسطين
الى دولة شرق الاردن، ثم اصبحت بعد ذلك (الاردن) وسحبت القوات العراقية الى
العراق، بعد ان ساهمت الحكومة العراقية بإنجاح هذا المخطط الاستعماري ولكن
ضمن هذا المخطط ضرب الحركة الوطنية الديمقراطية، ورأس رمحها الحزب الشيوعي
العراقي، حيث اعتقل آلاف الشيوعيين وزج بهم في السجون، وتم بدناءة تقديم
قادة حزبنا الشيوعي (فهد وصارم وحازم) بعد ان سحبوا من سجن الكوت الى
المحكمة العرفية في بغداد وصدر بحقهم حكم الاعدام ونُفذ فيهم في شباط 1949،
وكان ذلك اليوم يوم حداد الشعب العراقي بعربه وكرده وقومياته الاخرى، ويوم
انتصار المستعمرين والرجعية الحاكمة العراقية، بالقضاء على قادة الحزب
الشيوعي الذين ضحوا من اجل حرية وطنهم وسعادة شعبهم.
ان تاريخ الحركة التحررية الديمقراطية العراقية يرتبط بنضالات الحزب
الشيوعي العراقي، فهذه وثبة كانون 1948 وانتفاضة تشرين 1952 تتويجاً بثورة
14 تموز التحررية، وجميع الاضرابات العمالية والطلابية الهامة في سبيل
الاستقلال الوطني والحريات الديمقراطية وفي سبيل حقوق العمال والجماهير
الفلاحية والطلابية المعيشية وتحسين ظروف العمل والارض والتعليم ومكافحة
الامية وحقوق المرأة..
ومن المهم جداً ان الفت النظر الى موقف الحزب الشيوعي المبدئي من حل
المسألة الكردية، واعتبرها قضية شعب مناضل من اجل حقه في تقرير مصيره بنفسه
وحقه في توحيد أقاليمه المقسمة على الدول المجاورة قسراً، وفي المقدمة قيام
كيانات فدرالية او كونفدرالية في الاقاليم، أي كيانات اتحادية في كل اقليم،
أي حل القضية الكردية في اطار دول متعددة القوميات، واعتبر ذلك من مهمة
حركة التحرر الوطني العراقية واعتبر ذلك جزءاً اساسياً منها، لذلك لم يكتفِ
بالموقف السياسي المبدئي بل خاض نضالاً حازماً من اجلها وقدم تضحيات كثيرة
وغالية وساهم في ثورات وانتفاضات شعبنا الكردستاني من اجل حقه المشروع
لإقامة كيان سياسي فدرالي في عراق متعدد القوميات. كما دافع عن حقوق
القوميات الاخرى صمن الاتحاد الفدرالي، في الثقافة القومية والإدارة
الذاتية لها.
ان حزبنا كرّس نضاله من اجل التحرر الوطني واعتبره مرحلة تاريخية كاملة،
حدد لهذه المرحلة 1- اهدافها 2- قواها السياسية والاجتماعية 3- ضرورة توحيد
هذه القوى في جبهة وطنية شاملة 4- حل المسألة الكردية ضمن هذه المرحلة 5-
حدد اساليب النضال السياسية والاقتصادية والثقافية. ان المتتبع لتاريخ نضال
الحزب الشيوعي، منذ ولادته حتى هذا اليوم، يرى ان الحزب إلتزم بالنضال
الحازم ضد الاستعمار والرجعية في سبيل تحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية
واقامة نظام وطني ديمقراطي يحل المشاكل الاقتصادية بتصنيع البلاد وامتلاك
السوق الوطني وحماية الصناعة الوطنية من منافسة الشركات الاجنبية وفق العمل
بتخطيط وتنشيط القطاع العام والمختلط والخاص ويحدد لكل قطاع مهماته ونشاطه
الانتاجي، ويحل المشاكل الاجتماعية وخاصة توفير العمل للعاملين والقضاء على
البطالة ومساواة المرأة بالرجل وإقرار حق تقرير المصير للشعب الكردستاني
وحل مشكلة القوميات الاخرى في اطار دولة العراق الاتحادية وحل المسألة
الزراعية بزيادة حصة الفلاح في الارض وتطوير الزراعة وتنويعها وادخال
المكننة في الزراعة على نطاق واسع.
ان برنامج الحزب الشيوعي يعكس هذه المسائل بشكل واضح، وبالرغم من ان الحزب
هو حزب الطبقة العاملة والفلاحين والكادحين عموماً والمثقفين التقدميين
ويهدف الى بناء مجتمع العدالة الاجتماعية وبناء الاشتراكية، الا انه لم
يرفع هذا الشعار حتى اليوم، لانه لم تتوافر الشروط الاقتصادية والاجتماعية
لتحقيق هذا الهدف اذ يعتبره هدفاً بعيداً وتسبقه اهداف مرحلة التحرر الوطني
بالكامل، حتى اذا ما قدر للحزب ان يفوز بأكثرية الاصوات في الانتخابات
البرلمانية ويحق له ان يشكل الوزارة، وحتى اذا تحقق ذلك فإنه يدعو الى
تشكيل حكومة الائتلاف الوطني الديمقراطية وفق برنامج وطني ديمقراطي متفق
عليه. واليوم ايضاً يدعو الحزب الشيوعي العراقي لتحقيق الاستقلال الوطني
واقامة النظام الديمقراطي الاتحادي والقضاء على الارهاب وضد الطائفية. وفي
لقاء صحفي، قبل ايام، مع الرفيق (حميد مجيد موسى) نشر في "طريق الشعب"،
اجاب على الاسئلة التي وجهت اليه موضحاً سياسة الحزب واهدافه بشكل صريح
وواضح ونحن نتوجه الى عقد مؤتمر الحزب، ونشر برنامجه على الشيوعيين والشعب
الكادح وجميع القوى التي تهمه تفهم سياسة الحزب، لمناقشة وإبداء الرأي فيه
لانه برنامج وطني وديمقراطي يهم الجميع.
ان حزبنا الشيوعي العراقي يرفع عالياً شعار وطن حر وشعب سعيد المنبثق من
صميم حركة تحررنا الوطني الديمقراطي.
11/9/2006