شهادات شهود
عيان
يقول
الشاهد شاكر عزيز
في محكمة الشعب:
"
كما
انهم قاموا باعتقال عدد كبير من الشيوعيين وأنصارهم
في مدينة الموصل وقصباتها بعد المظاهرة التي شهدتها المدينة.
وطلب
آمر حامية عقرة المقدم علي توفيق في اليوم التالي للمظاهرة أن يذهب أحد
منا الى الحامية وعندما عاد سألناه، عما حصل له، فأخبرنا بأن آمر الحامية
اتهمه بنهب بيوت الضباط والاعتداء عليها بالسلاح ليلاً.
وهذا غير صحيح .
استغربنا هذا
الاتهام لأننا كنا راغبين بالتعاون معه لذلك ذهبت لزيارته في بيته مع أحد
الأصدقاء وأخبرنا بأنه أرتكب خطأ في حقنا.
وقد اعتقلت ما بين الساعة الثانية والثانية والنصف ليلة 7/8 آذار
(مارس)
1959 وساقوني مخفورا الى الحامية ولم يسمحوا لي بارتداء ملابسي وأخرجوني
من البيت بملابس النوم وذهبت معهم حافي القدمين وأخذوني الى الحامية. ثم
نقلوني من الحامية الى الثكنة الحجرية وأدخلوني الى غرفة اعتقال الضباط
التي سبقني الى الاعتقال فيها عدد من الضباط ووصل عددنا لاحقا أربعة عشر
ضابطا.
كانت الحراسة
شديدة علينا والضابط المسؤول عن اعتقالنا في المعتقل هو الملازم الأول
كامل إسماعيل، وكان الحرس في صباح يوم الأحد حتى إذاعة بيان الشواف
يعاملوننا كأننا من الخونة
".
يقول الشاهد
هاشم قاسم عن ليلة المؤامرة ( المحاكمات) ص 71 :
" جاء امر
بإعطائي واجب الدورية من الساعة التاسعة حتى الساعة العاشرة داخل الفوج
في المعسكر، فبقيت أتجول. وفجأة جاء العريف صالح رشيد فأخبرني بخطورة
الموقف وبيّن لي اعتقاده بأن هؤلاء يريدون السيطرة على جهاز المخابرة.
فذهبت وأنا أتجول بين السرايا قمت بحث الجنود على اليقظة والحذر وعلى
الانتباه، خصوصا وان الجنود أنفسهم لاحظوا المواقف التي سارت بالبلد
والاعتداءات والتسامح الذي أبداه الضباط اتجاه استفزازات البعثيين. فكان
جميع الجنود وضباط الصف ممتعضين من هذا الموقف ويريدون الانقضاض عليهم
بأي لحظة وبأي وقت. فكان الواجب أن أدعوهم الى الحذر واتصلت بالملازم عبد
الوهاب مصطفى وأخبرته بوجود حركة غريبة داخل اللواء والفوج، فقد رصدت
تحركات لمسلحين يحملون مخازن طلقات وحركة سيارات عسكرية غير مألوفة
وعندما ذهبت الى السرية الرابعة للاستفسار عما يحدث وعن سبب رجوعهم،
أخبروني
ان الفوج الثاني احتل جميع قواطع المدينة بينما سحبوا الفوج المذكور الى
المعسكر. وشاهدت السيارات محملة بالجنود المسلحين متجهة الى البلد فسلمت
الخفارة الى الملازم الذي يليني في الخفارة وذهبت الى الغرفة السرية وقلت
للملازم جميل محمد ونائب الضابط سليمان عبد الله: أخواني كونوا حذرين.
وشاهدت سرية
الإسناد وهي سرية الضابط المشارك في المؤامرة عبد الله الجبوري تتهيأ
للنـزول مسلحة بعتادها الكامل ومدافع الهاون والفيكرزات (مدافع رشاشة).
فسألت الجنود عن وجهة هذه الهاونات والرشاشات الساعة الحادية عشرة الا
ربعا ليلا، فأخبروني بأنهم لا يعرفون شيئا وان آمر السرية هو الذي أمرهم
بالنـزول وعندما سألت آمر السرية عن الوجهة أخبرني هو الآخر بأنه لا يعرف
".
مما يدلل على
أن الجنود كانوا يجهلون وجود مؤامرة وينفذون أوامر الضباط المتآمرين.
يستمر
الشاهد:
"في الساعة
الثالثة من صباح يوم الثامن من آذار
(مارس)
جاء آمر السرية والملازم قاسم أحمد العاشور وهو ضابط استخبارات، فأيقظوني
من النوم وأمروني بارتداء ملابسي.
وعندما أصبحت
خارج الغرفة رأينا وضع فوهات الرشاشات بظهورنا، فتأكدنا من اعتقالنا.
واتهمنا آمر الفوج الذي كان في عداد المتآمرين، بالتحيز أثناء المظاهرات
وأعتبر وجودنا في الفوج يؤدي الى البلبلة وأخبرنا بقرار اعتقالنا في
الثكنة الحجرية التي نقلونا إليها فوجدنا فيها ثلاثة ضباط معتقلين هناك
وهم الرئيس جاسم والملازم الدكتور سامي الدوري والرئيس سعدي جميل.
وبقينا هناك
حتى الصباح فبلغ عدد الضباط المعتقلين أربعة عشر. وحتى هذه اللحظة لم نكن
نعرف بوجود انقلاب في الموصل الى أن أبلغنا به من المتآمرين وهم يستمعون
الى محطة الموصل، بعدها تكاثر عدد المعتقلين بالغرفة الداخلية للقلعة
الحجرية.
والادهى من
ذلك هو مشاركة الأغوات والإقطاعيين والتجار معهم، ففي الساعة الحادية
عشرة من ليلة 7/8 آذار
(مارس)
وصلت ثلاث سيارات الى مشاجب الفوج الثالث صاحبها الرئيس ناجي الحجية
وشلال آغا ومحمد سعيد آغا وجرى تحميلها بالأسلحة التي أشرف على توزيعها
عبد الله الجبوري والعقيد خليل سلمان وكانت هذه الأسلحة تشمل رشاشات
بورسعيد وبرونيك ".
يستمر الشاهد
في قوله :
" انخدع
عدد كبير من الجنود في حامية الموصل بمؤامرة الشواف واعتقدوا أول الأمر
بوجود مؤامرة ضد عبد الكريم قاسم تستهدف إسقاطه، الا انهم سرعان ما تخلوا
عن الشواف واتحدوا ضده بعد سماعهم للخطاب الذي ألقاه من إذاعة الوصل، فقد
توجه مجموعة من جنود كتيبة الهندسة مع جنود آخرين من مختلف الوحدات
العسكرية والسرايا الى القلعة الحجرية فأطلقوا المعتقلين من الضباط فيها
وتمت إذاعة البيان الذي أصدره عبد الكريم قاسم من بغداد واعادة قراءته من
دار الإذاعة اللاسلكية في مدينة عقرة حول قيام عبد الوهاب الشواف آمر
جحفل اللواء الخامس بالتآمر على سلامة الجمهورية العراقية بمعاونة دولة
أجنبية وصدور الأمر بإحالته على التقاعد، فقد قام لفيف من شباب القصبة
بمظاهرة سلمية تأييدا لتلك الإجراءات وعند وصول المتظاهرين الى الطريق
المؤدي الى حامية عقرة، أطلق بعض المتآمرين النار على المتظاهرين ما أسفر
عن جرح كل من محمد الحاج علي وصدقي محيي الدين من أهالي القصبة.
وارتفعت
معنويات الجنود والضباط وأهالي الموصل المدافعين عن الثورة عندما قصفت
الطائرات مقر اللواء وتبين بعدها أن عبد الوهاب الشواف قد جرح جراء هذا
القصف فكان ذلك بداية نهاية المؤامرة. فقد توجهت أربع قاذفات من قاعدة
الحبانية الى الموصل لقصف مقر اللواء ونجح قائد إحدى القاذفات (خالد
سارة) بإصابة المبنى الذي كان الشواف في داخله فأدى ذلك لإصابته بجراح
طفيفة توجه الشواف بعدها الى المستشفى للعلاج فطعنه المضمد محمد يوسف
بحربته فرماه أرضا. وعندها، اختطف رشاشة وأطلق منها النار فأسفر ذلك عن
قتل الشواف. وعندما توجه الجنود الى القلعة الحجرية لاطلاق سراح الضباط
والمدنيين المعتقلين فيها وجدوا أن آمرهم
الشهيد
عبد الله الشاوي
قد استشهد
وعثر على
الشهيد
كامل قزانجي
مقتولا. وقد قتل حرز ايضاً
".
يقول الشاهد
فارس اسماعيل
(المحاكمات
ص 138
) :
" يتحمل
المتآمرون مسؤولية كاملة عن بدء الصدامات المسلحة التي حدثت في الموصل.
فلم يتورعوا عن توزيع الأسلحة من مشاجب السلاح الخاصة باللواء على
المدنيين من المشاركين معهم في المؤامرة، خارقين واجبهم العسكري مخالفين
جميع القوانين العسكرية والمدنية التي تحرم توزيع السلاح للمدنيين. وأخطر
ما في هذا الموضوع هو نقلهم للمعركة من داخل المعسكر الى الشارع أي انهم
خططوا لاحتلال المدينة بالعناصر المؤيدة لهم من العسكريين والمدنيين
الذين شكلوا جبهة معادية لثورة 14 تموز والحزب الشيوعي واليساريين".
يقول الشاهد
فاضل عباس (المحاكمات ص105 و 122
)
" وبدأ
الجنود بقيادة ضباط الصف يهتفون باسم عبد الكريم قاسم، فسرت عدوى
الهتافات بين الوحدات سريان النار في الهشيم مما أثر على معنويات الشواف
والضباط الذين يساندونه.
ويعرف الشواف
وضباطه جيدا أن من غير الممكن أن ينتصروا الا بتجريد كتيبة الهندسة
بقيادة المقدم عبد الله الشاوي من سلاحهم. ولم ينجحوا في ذلك الا بعد
قتال عنيف مع جنود الكتيبة المذكورة واعتقال الشاوي وثلاثة من ضباطه
وواحد وعشرين من ضباط صف الكتيبة. أخيرا هجموا على كتيبة الهندسة وفي هذه
الأثناء ذهبت لأنظر. درت بالقرب من مطبخ كتيبة الهندسة رأيت ملازم عبد
الوهاب مصطفى آمر مفرزة تصليح اللواء الخامس يعض على إصبعه ويريد البكاء
وقال لي: هل هؤلاء عندهم غيرة؟ كأنهم يهجمون على إسرائيل، الا يخجلون،
وعلى من يهجمون؟ في هذه الأثناء جاءوا بجندي من كتيبة الهندسة مخفورا
كأنه قاتل، بالقرب من مقر الشواف وكان الجندي يهتف ماكو زعيم الا كريم...
وقاد الهجوم على كتيبة الهندسة العقيد خليل ومحمود عزيز وجميع آمري
السرايا والضباط
...
وقام المتآمرون بنقل الأسلحة من مشاجب كتيبة الهندسة بالسيارات الى مقر
اللواء في الموصل".
أما في بغداد
فقد جاء بعض الضباط المتآمرون على مديرية الاستخبارات العسكرية بوزارة
الدفاع لتنفيذ بقية الخطة في العاصمة.
وجاء في كتاب
الذاكرة التاريخية ص278:
"دخلت
على المرحوم رفعت الحاج سري وقلت له: سيدي بيّن لنا بصراحة لماذا لا ننفذ
واجبنا لان الشيوعيين يتجمهرون في باب وزارة الدفاع واحتلوا معظم شوارع
بغداد؟ فأجاب: لقد قام الشواف بالثورة قبل أوانها ولم نتفق معه على هذا
الموعد لأننا غير مهيأين وان إزالة عبد الكريم قاسم من الوجود يؤدي الى
سيطرة الشيوعيين على الحكم لانه رغم قلة الوحدات التي نعتبرها مضمونة
والموجودة في بغداد لم يتصل أي منهم ليستفسر عن واجبه أو عن الوضع رغم
تعهدهم للشواف مباشرة ".
وزعت الأسلحة
على المتآمرين منذ ليلة 8 / 9 آذار
(مارس)
فاستكملوا استعداداتهم ، فضلا عن الأسلحة التي تسلموها من الجمهورية
العربية المتحدة والتي وزع جزء منها على عشائر شمر، حيث عثر عليها بين
أيدي القتلى منهم بعد القضاء على المؤامرة.
وتشير الأدلة
التي جمعها الحزب الشيوعي بعد فشل المؤامرة الى أن المتآمرين قرروا إطلاق
النار على المظاهرات التي قامت احتجاجاً على المؤامرة، مما يثبت انهم
كانوا البادئين بإطلاق النار واعتقلوا أعضاء اللجنة المحلية للحزب
الشيوعي في مدينة الموصل كما أوضحنا. كما أن المتآمرين هم الذين بدأوا
بإطلاق النار من داخل معسكر الغزلاني ومن مقر اللواء باتجاه جميع السرايا
الأخرى التي اعتبروها غير مؤيدة لهم، فأسفر ذلك عن استشهاد الملازم
جميل صالح. وقد اعتقل العقيد عبد الرحمن جلميران في داخل
المعسكر عند حضوره مؤتمر اللواء بأمر من المتآمرين لانه شيوعي. وخدعوا
الجنود وضباط الصف الذين اعتقلوا العسكريين غير المؤيدين لهم عندما
أشاعوا بأنهم ضد الجمهورية وأرسلوهم الى القلعة الحجرية.
يقول عبد
الواحد يوسف في المحاكمات ص 50:
" بدأ
تذمر الضباط في حامية عقرة منذ اعتقال الخائن عبد السلام عارف إذ كانوا
يعتبرونه هو الذي قام بثورة 14 تموز وأدعوا
بأن ما قام به رشيد عالي الكيلاني ليس مؤامرة واتهموا الشيوعيين بتدبيرها
لضرب القومية العربية وابعاد فكرة الوحدة. واتهموا كل من عارضهم بتهمة
الشيوعية وقاموا باضطهادهم ومعاقبتهم"
و " أخذت
الشائعات تدور بالحامية بين ضباط الصف والجنود بان ضباط الصف المعتقلين
قد قتلوا في الموصل. وكاد أن يؤدي ذلك الى انقسام الفوج وحدوث الكارثة
واصطدام الطرفين خاصة وان أفراد الفوج كانوا مسلحين جميعا " .
وأظهر الضباط
وضباط الصف الشيوعيون درجة عالية من الانضباط والالتزام وحاولوا عدم
استخدام السلاح وإنقاذ الأرواح بالتفاوض فمثلا أرسلوا عددا من ضباط الصف
الى الموصل لاستعادة المعتقلين منهم واعادتهم الى حامية عقرة واتصلوا
بآمر اللواء الذي طمأنهم عن سلامة المعتقلين ووعدهم بإطلاق سراحهم
وإرجاعهم إليهم.
وعند امتداد
التآمر الى مدينة عقرة نفسها ذهب عدد من الشيوعيين الى القصبة وحاولوا
تهدئة الموقف وطلبوا من الأهالي المحافظة على الهدوء والسكينة مما ساهم
في منع اثارة صدام عسكري مسلح في حامية عقرة والذي لو كان قد حدث لأدى
الى مجزرة أكبر مما حصل في الموصل ورغم أن الضباط الشيوعيين
والديمقراطيين في حامية عقرة كانوا على معرفة مسبقة بضباط الصف الذين
تعاونوا مع الضباط الذين كانوا على علاقة بالمؤامرة، فقد اعتقلوهم بعد
فشل المؤامرة وليس قبل ذلك.
إن مؤامرة
الشواف هي تطبيق لخطة مسبقة تسمى خطة أمن الموصل فقد جاءت السيارات وظلت
الوحدات في الإنذار وتقدم الفوج الثاني كقوة ضاربة الى الموصل، وكان
يفترض أن تكون الوحدات المؤلفة من السرية الرابعة وسرية الفوج الثالث
وسرية إنذار الموصل، لكنها سحبت من المدينة وأرجعت الى الفوج.
ويقول الشاهد
هاشم جاسم في (المحاكمات ص 71) :
"
وفي
صباح يوم الاثنين كنت خارج المعتقل في دورة المياه التي يطل شباكها على
الشارع فسمعت صوت إطلاق نار كثيف، فمددت رأسي لاستطلع، فشاهدت أحد الجنود
يخر صريعا. واستمر إطلاق النار الا أني لم أتبين الشخص الذي
ُأطلق
عليه الرصاص، لكني عرفت لاحقا انه الشهيد عبد الله الشاوي. وعندما
خرجت شاهدت محمود عزيز مضرجاً بالدم يقود مجموعة من الجنود أوقفهم في
صفين متوازيين بحوزتهم رشاش متوسط وينادي الضباط لقتلهم. فبقيت لحظة ثم
دفعني الجنود الحرس وذهبت الى المعتقل. وفي الساعة التاسعة والنصف تقريبا
خرج الى الطابق الثاني محمود عزيز قائلا (وين هم هذولة) فقالوا له انهم
في الغرفة، لكنه فتح باب الغرفة المجاورة. فجأة رن جرس التلفون فذهب للرد
قائلا: هلو صديق، اشلون الموقف والظاهر جاء الجواب غير حسن، فرد عليه
(أخوي شد حيلك، ضب حزامك سينجلي الموقف عما قريب) على أساس أن تأتيهم
النجدة من الجمهورية العربية المتحدة…
وبعد أن أنهى
حديثه التلفوني توجه الى يسار غرفة الاعتقال ، فسمعنا صوت إطلاق نار
وعلمنا بعدها بأنه اغتال الشهيد كامل قزانجي".
إن قتل
العقيد عبد الله الشاوي وكامل قزانجي لهو دليل آخر على أن المتآمرين هم
أول من بدأ عمليات القتل والاغتيال .
المصدر كتاب " سلام عادل – سيرة مناضل " ج1