وفي محكمة
الثورة قال الشاهد شاكر الحاج عزيز
اثناء محاكمة المتهمين في مؤامرة الشواف
:
"
أما
بخصوص الأجانب
هؤلاء الأشخاص من رؤساء العشائر أو قسم من المتنفذين في مركز القضاء فكان
دائما يأتي إليهم القنصل الأمريكي ويجتمع بهم بعد ثورة تموز هؤلاء كان
عندهم اتصالات مع قنصليات جهات أجنبية.
وطبعا بعد
ثورة تموز نحن راقبنا هؤلاء الأشخاص خوفا من أن يقوموا بعمل أو يجوز أن
هناك اتصالات سرية لان القنصل الأمريكي انتقل قبل الانقلاب بعشرة أيام
الى عقرة وبعدها الى زيبار. رأينا بالعكس آمر الحامية العقيد زين
العابدين يذهب دائما معه. ومع هؤلاء الإقطاعيين المتنفذين ويذهب الى
دعواتهم" .
يواصل الشاهد
شاكر الحاج عزيز قائلا :
"
ويوجد
من الادلة ما يثبت بان المتآمرين استعدوا لمؤامراتهم قبل تنفيذها بفترة
طويلة وتقاسموا المهمات بينهم، فمثلا كان واجب العقيد يونس زين العابدين
والمقدم يوسف كشمولة والرئيس صديق على الصفار الاتصال بالاقطاعيين ورؤساء
العشائر من الذين صودرت أراضيهم بعد صدور قانون الاصلاح الزراعي وجاهروا
بعدائهم للثورة . واتصلوا بأحمد آغا الزيباري وسيدي خان رئيس خان رئيس
عشائر الهركية ومحمد فارس آغا وفائق وعوني ولدي مصطفى ملة جبرائيل وغيرهم
من الذين عرفوا بعدائهم للبارزانيين .
وتولى
هاشم الحاج حمو الدباغ مهمة إلقاء المحاضرات على الجنود وضباط الصف
وقراءة كتب عفلق عليهم كجزء من الاعداد للمؤامرة. ونشط الملازم الاول غني
فتحي بنشر الدعايات ضد سياسة الجمهورية وحكومتها وقادتها مدعيا بأنهم
خلقوا قومية جديدة وان الاكراد يجب ان ينصهروا ويتخلوا عن لغتهم وعاداتهم
بمرور الزمن وانتقدوا علنا الملا مصطفى البارزاني، ومن سمح له بالعودة
الى ارض الوطن امام الضباط والجنود لتحريضهم، ودافعوا علنا عن فاضل
الجمالي وسعيد قزاز وبهجت العطية مطالبين بإطلاق سراحهم " .
ورد في كتاب
حنا بطاطو الكتاب الثالث :
" حدثني ثابت
حبيب العاني عما دار في لقاء له مع رفعت الحاج سري في مديرية الاستخبارات
العسكرية بوزارة الدفاع بعد الثورة وتحديدا بعد صدور قانون الإصلاح
الزراعي في الثلاثين من شهر أيلول عام 1958:
(
فتبين لي انه كان مستاء من الأوضاع السياسية لسببين هما دور الشيوعيين
وسيطرتهم على الشارع والسبب الثاني صدور قانون الإصلاح الزراعي ومصادرة
ملكيات الإقطاعيين. وكان يعتقد أن هذا القانون يخالف الشريعة الإسلامية)"
يقول ليث
الزبيدي في بحثه عن
(
ثورة 14 تموز 1958 ص368):
"
وقد
ساعد الوضع في الموصل، حيث مقر الشواف، في تشجيعه على القيام بحركته فقد
كانت العوائل المحافظة القديمة في المدينة تعادي النظام الجمهوري الجديد
وتعتقد بأنه متسامح مع الشيوعيين. وان قيام الحركة في الموصل لم يكن سوى
بدء الإشارة للقيام بحركة على نطاق واسع تتركز في بغداد وتعم جميع أنحاء
القطر. أما سبب اختيار الموصل منطلقا للحركة فلأن
أغلب الضباط فيها ذوو
ميول قومية فضلا عن تأييد سكان المنطقة لهم وبعدها عن العاصمة وتأييد
الفرقة الثانية بقيادة الطبقجلي لهم .
ومثلما قلنا
في السابق فان الإقطاعي أحمد عجيل الياور شيخ شمر الساكن في الموصل
كان
قد
عارض قانون الإصلاح الزراعي والقوانين التقدمية الأخرى التي سنتها
ونفذتها حكومة ثورة 14 تموز. وقد كان الياور على صلة وثيقة ببعض
المسؤولين السوريين. وكان معظم ضباط مقر اللواء الخامس الذي عين الشواف
لقيادته من أبناء مدينة الموصل المتعصبين قوميا ويتزعمهم المقدم عزيز
أحمد شهاب والرئيس الأول محمد عزيز ويوسف كشمولة وإبراهيم سيد علي
الكيلاني ونافع داود. وبإحصاء الانتفاضات المسلحة لا نجد لواء من ألوية
العراق يبزّ لواء الموصل بتلك العداوة وهي التي دعت الحكومات العثمانية
والبريطانية والعراقية الى استخدام قواتها المسلحة لقمعها في إقليم
كردستان".
كيف نفذت المؤامرة
:
قبيل
اندلاع مؤامرة الشواف، كان في نية منظمة انصار السلام في العراق، ان تبعث
وفد من أعضاءها الى الحلة، في قطار اصطلح على تسميته بقطار السلام،
لأقامة مهرجان لدعم الجمهورية وتوجهها الديمقراطي، الا ان وصول اخبار
التآمر في الموصل الى قاسم، دفعته الى طلب توجيه قطار السلام الى الموصل
. وقد
وصل القطار الى الموصل يوم الخامس من شهر آذار
(مارس)
وبعد نزولهم من القطار عقدوا مهرجان السلام في ساحة المحطة، وقد شاركت
جماهير واسعة بشعائر الاحتفال والابتهاج وارتفعت شعارات السلام . وغادر
المشاركون في الاحتفال والمهرجان في يوم السابع من آذار دون حصول أي
صدامات أو اضطرابات في المدينة، مما يثبت بالدليل القاطع عدم مشاركة
أنصار السلام في ما حدث في المدينة من أحداث لاحقاً،
ولكنه
لعب دورا مهما في رفع معنويات التقدميين من الجنود والطلاب والضباط وكثير
من القوى الجماهيرية.
يقول حنا
بطاطو
-
الكتاب الثالث ص 173:
"
وفي
حوالي الساعة الثانية من بعد الظهر، في يوم السابع من آذار تدفق البعثيون
ومؤيدوهم من النبي شيت، بقيادة فاضل الشقرة، عبر شارع فاروق وهاجموا عددا
من المكتبات اليسارية ومقهى علي الحجو مكان لقاء الشيوعيين واحرقوه كلياً
.... وعند فجر الثامن من آذار تم اعتقال حوالي 60 شيوعيا، بينهم كل اعضاء
اللجنة المحلية تقريباً للحزب الشيوعي في الموصل"
.
ويقول
اسماعيل العارف :
"
واستدعيت العناصر المنتخبة من القوميين وأهالي الموصل والعشائر الى معسكر
الغزلاني لتسلم السلاح والملابس العسكرية، فتألفت منهم جماعات مسلحة قامت
بإلقاء القبض على الزعماء الشيوعيين واليساريين واودعوا السجون في
الثكنات العسكرية التي اعدت لذلك".
يقول
الشاهد فاضل عباس
(محكمة
الشعب ص140)
"
وفي
ليلة تنفيذ المؤامرة بدل المقدم يوسف كشمولة الحراس من الأكراد بالعرب
وأفهمهم بنفسه كذباً
إن العشائر الكردية في هذه الليلة ستهجم على المعسكر بالاتفاق مع الضباط
وضباط الصف الأكراد في داخله لذبح العسكريين العرب".
ويقول
ثابت حبيب العاني:
"
كان
الشهيد مهدي حميد
الضابط المسؤول عن المقاومة الشعبية
في ذلك الوقت في مدينة الموصل واتصل بنا عن طريق التلفون يوم الثامن من
آذار وكنا وقتها في مقر
اللجنة
العسكرية في منطقة الشورجة. وأخبرنا مهدي بأن انقلاباً حدث في الموصل ضد
الحكومة وضد الجمهورية، بعدها انقطع الاتصال التلفوني، لكننا التقطنا ما
قاله مهدي واتصلنا بقيادة الحزب الذين اتصلوا بقاسم تلفونيا
وبالشهيد
العقيد طه الشيخ أحمد مدير التخطيط والحركات في وزارة الدفاع والشهيد
جلال الأوقاتي قائد القوة الجوية وأخبرناهما بما أعلمنا به الرفيق مهدي
حميد، فأستدعيا عبد الكريم قاسم الذي كان يحضر مؤتمرا لرابطة المرأة.
كانت خطة عبد
الكريم قاسم قيام اللواء الرابع أو اللواء الثالث الذي كان في أربيل
وعلى رأسه فهمي الجراح بالتوجه الى الموصل للقضاء على مؤامرة الشواف. رفض
هذه الخطة الشهيد جلال الأوقاتي وقال له لماذا لا تتوقع بأن فهمي الجراح
هو أحد المتآمرين وعلى اتفاق مع الشواف؟ واذا ما أعطيته أمرا بالتحرك
سينضم الى المؤامرة وستتوحد قواها في كل من الموصل واربيل. وطلب منه أمرا
بقيام القوة الجوية بهذه المهمة والقضاء على مؤامرة الشواف. وتردد قاسم
بمنح الشهيد الاوقاتي هذه الصلاحية حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل
من يوم التاسع من آذار
فأصدر
جلال الاوقاتي أمرا الى سرب الطائرات الذي كان خالد سارة أحد طياريه وهو
مرشح لعضوية الحزب الشيوعي. وروى لي خالد سارة إن طياري السرب شاهدوا
سيارة الشواف واقفة أمام الثكنة، فقدروا أن الشواف في داخلها فقصفوها
بالصواريخ. وسقط صاروخ على غرفة الشواف الذي انتقل الى غرفة نافع داود
وهو ضابط ركن ومن العناصر الخطيرة. وأصاب صاروخ ثان الغرفة التي كانوا
بها وفقد نافع داود بصره وجرح الشواف الذي ركض الى المستشفى وهناك قتل من
قبل الجنود وضباط الصف "
.
ويستمر
العاني:
"لقد
كان رد فعل عبد الكريم قاسم على المؤامرة سريعاً وخاطفاً، فقد أصدر سلسلة
من القرارات التي أربكت الشواف والمتآمرين الآخرين. فاحال في القرار
الأول العقيد عبد الوهاب الشواف على التقاعد فورا وجرده بذلك من السلطة
التي كان يمارسها على لوائه وعين بدلا عنه الزعيم يونس محمد طاهر. وأصدر
أمرا الى جميع الضباط والجنود التابعين للواء الخامس والقوات العسكرية
الموجودة في الموصل بإلقاء القبض على الشواف (لتعاونه مع الأجنبي ضد
مصلحة الوطن وتآمره على كيان الجمهورية الخالدة).
وقد أعيدت
إذاعة البيانات مرات عديدة من محطة إذاعة الجمهورية العراقية في بغداد
وصدر بيان من الحاكم العسكري يضع جائزة قدرها عشرة آلاف دينار لمن يلقي
القبض على الشواف حيا أو ميتا. ثم أصدر العقيد طه البامرني قائد المقاومة
الشعبية أمرا بمقاومة الخونة والمتآمرين ووجه الحزب الشيوعي منظمته في
الموصل
للدفاع
عن الجمهورية والقضاء على المؤامرة فبدأت المظاهرات في المدينة .
لقد قرر
العقيد الشواف يوم 7 آذار
(مارس)
أن يتحرك فاتصل برفعت الحاج سري مدير الاستخبارات العسكرية وبالزعيم ناظم
الطبقجلي يخبرهما بقراره، الا انهمالم يكونا مستعدين لمعاونته ونصحاه
بالتريث، لكنه قرر المضي في تطبيق الخطة التي أعدها (خطة الحركة)، فأمر
قوات لوائه بالنـزول الى الشارع وتفريق المظاهرات بالقوة إذا اقتضى الأمر
وأبلغ آمر سرب الطائرات المرابط في الموصل المقدم الطيار عبد الله ناجي
الذي كان مشتركا معه في الحركة بالتحرك لقصف الأهداف المنتخبة في بغداد.
وأمر المسؤولين عن نصب محطة الإذاعة المرسلة له من سوريا بنصبها لإذاعة
البيانات التي أعدها للحركة قبل وصول قطار السلام غير إن جهود نصبها فشلت
أول الأمر لعدم وجود اختصاصي فني لتجميعها.
وفي الحقيقة
فان المتآمرين لم ينجحوا فنيا في نصب الإذاعة واستخدامها في إذاعة
بيانهم، الا بعد انتهاء اليوم الأول من بدء تنفيذ المؤامرة وأضطروا الى
الاتصال بسوريا، حيث أرسلت لهم طائرة من هناك حاملة فنيين لتشغيل الإذاعة
والأدوات الاحتياطية."
وهكذا نرى أن
لا علاقة بين قطارالسلام
في المدينة والمؤامرة فقد كان الشواف قد حسم أمر القيام بها، لكنه كان
بحاجة الى الذريعة فقط. والدليل الآخر على عدم وجود هذه العلاقة هو أن
الشواف أمر بنصب الإذاعة قبل يوم من وصول قطار السلام الى الموصل وهذا
دليل لا ترقى إليه شائبة على أن المتآمرين أعدوا لمؤامرتهم قبل ذلك بفترة
طويلة عندما اجتمعوا يوم السادس عشر من شهر شباط
(فبراير)
للتداول بشأن المؤامرة "فقد اجتمع كل من العقيد يونس زين العابدين
والمقدم الركن علي توفيق والمقدم يوسف كشمولة والرئيس صديق الصفار
والملازم زياد الجليلي بشيوخ عشائر الموصل واتفقوا على كلمة السر
لاجتماعاتهم المتعلقة للتباحث بشأن المؤامرة وتنظيم شبكتها من المدنيين
والعسكريين، حيث يتصل أحدهم بالآخر ويخبره بأن (العزيمة في بيت فلان)
ويحدد التاريخ، فيلتقون في اليوم المتفق عليه للغرض المذكور"
.
" وفي الوقت نفسه بدأ الشواف بكتابة البيان الأول للشعب العراقي بمعاونة
الرئيس الأول المتقاعد محمود الدرة. واستدعيت العناصر المنتخبة من
القوميين وأهالي الموصل والعشائر الى معسكر الغزلاني لتسلم السلاح
والملابس العسكرية، فتألفت منهم جماعات مسلحة قامت بإلقاء القبض على بعض
الزعماء الشيوعيين واليساريين.,, وأودعوا السجون في الثكنات العسكرية
التي أعدت لذلك فعمت الفوضى مدينة الموصل وأختلط الحابل بالنابل وأصبحت
المدينة بلا سلطة تحافظ على النظام فيها وتحمي أرواح المواطنين.
وقد
أذيع البيان الذي أعده الشواف وبتوقيع الشواف نفسه كقائد للثورة. كما
أذيع من محطة دمشق والقاهرة. ثم أشار في إذاعته الى أن الثورة نفذت
بالاتفاق مع قائد الفرقة الثانية ناظم الطبقجلي
"
.
المصدر كتاب " سلام عادل – سيرة مناضل " ج1