ماذا كتب المؤرخون عنها ؟
ندرج أدناه
قسماً يسيراً مما تيسر الاطلاع عليه عن مؤامرة الشواف وهي منتقاة لاشخاص
غير منحازيين للحزب الشيوعي ومنهم من حاربه وساهم في التآمر عليه .
يقول حنا
بطاطو:
"
كل هذه القوى المختلفة
تتجاذب في ما بينها في بدايات العام 1959، لكن الاستعدادات العملية
للثورة (المؤامرة)
لم تبدأ الا بعد استقالة القوميين والمحافظين في 7 شباط. وكانت الفكرة في
البداية تعتمد على تصفية قاسم جسديا في شوارع بغداد ثم يضع الضباط أيديهم
على النقاط الهامة للدولة. ولكن تم تبني خطة مغايرة في النهاية. وكان على
قوى المتمردين في حامية الموصل، أي في اللواء الخامس، أن يتسلموا
القيادة. ثم أن يذيعوا _ بعد السيطرة على المدينة - بيانا ثوريا، معطين
بذلك إشارة لشركائهم في بغداد لكي يحتلوا، بقيادة رفعت الحاج سري،
وزارة الدفاع ويعتقلوا قاسم، وينفوه أو يقضوا عليه ويتسلموا السلطة. في
الوقت نفسه، كان على ضباط آخرين، بمن فيهم الزعيم ناظم الطبقجلي آمر
الفرقة في كركوك، أن يعلنوا دعمهم للانتفاضة. وعرض كبار الملاكين كل ما
تحتاجه العملية من مال. وعلى كاهل الأحزاب والبعث خصوصا، ألقيت مهمة
تنظيم الشارع. وأخذ شيخ شمر الأكبر على عاتقه نقل أسلحة ومحطة إذاعة من
حدود الإقليم السوري "
.
ذكر المحامي
جاسم مخلص :
" وأصبحت
مديرية الاستخبارات العسكرية التي كان مقرها في وزارة الدفاع مركزا
لتجميع الضباط الناقمين الذين شكلوا أحد مراكز القوة وساهموا في التآمر
على الثورة، نتيجة قيادة رفعت الحاج سري لهذه الدائرة المهمة، وقد شارك
هو نفسه في هذا التآمر وقيادته لاحقاً
.
ويعتبر أول من بادر الى
التآمر العقيد رفعت الحاج سري والزعيم الركن ناظم الطبقجلي والعقيد الركن
عبد العزيز العقيلي ثم انضم إليهم المقدم الطيار محمد سبع والعقيد الركن
عبد الوهاب الشواف والرئيس الطيار عارف عبد الرزاق والعقيد نعمان ماهر
الكنعاني والرئيس الأول خليل إبراهيم وفريق كبير من الضباط ذوي الميول
القومية "
.
وعن
دراسة بعنوان
(
ثورة الموصل
)
يقول محمود الدرة
:
" واتصل الضباط
مع زعماء الاحزاب القومية واشتركت فيها، وتقرر أن يقوم أعضاء هذه الاحزاب
والمؤيدون لها بتنظيم المظاهرات للسيطرة على الشارع والتصدي لكل حركة
مناوئة إضافة الى حماية المراكز الهامة من اي عمل تخريبي. وقد وافق على
خطة الحركة هذه رئيس مجلس السيادة الفريق الركن محمد نجيب الربيعي دون أن
يطلع على تفاصيلها "
ويقول
الدرة
أيضاً إن الشواف سلمه في لقائهما الأول مسودة بيان أعده. طالب فيه (قاسم)
بتأليف مجلس قيادة الثورة وبتغيير وزاري يعين فيه العميد الركن ناجي طالب
وزيرا للدفاع ونائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة. واستبدل بعض الوزراء
بوزراء قوميين. فقرأه (الدرة) وقال معلقا
"انه
عريضة مرفوعة للزعيم يطالبه موقعوها بالتنازل عن بعض مناصبه وبتعديل
وزاري فحسب ولا أظنه بيانا منسجما وروح الثورة التي تعمل في نفوسكم
ونفوسنا الهادفة الى القضاء على حكم (قاسم) جملة وتفصيلا ". وعندها فوضه
الشواف بصياغة بيان آخر.
قال
الدرة:
" ولما عدت بما كتبته، قرأه وخفف من لهجة الفقرة التي تشير الى صلة
الثورة الوثيقة بالحركة القومية المتحررة المتمثلة في
الجمهورية
العربية المتحدة
وخفف كذلك من
لهجة الهجوم على اليساريين الذين فرطوا بمبادئهم بتعاونهم مع الحاكم
بأمره. وكتب بخط يده فوق كلمة (قائد الثورة) التي وضعتها في نهاية
البيان: العقيد الركن عبد الوهاب الشواف. فجرى بيني وبينه نقاش حاد طويل
حول اسم قائد الثورة وكان من رأيي (الذي هو رأي الضباط القوميين في
بغداد) أن يعلن البيان باسم العميد الركن ناظم الطبقجلي وان يكون الشواف
النائب المتكلم باسم قائده فرفض
اقتراحي بقوة وعناد. وسمعته خلال النقاش يردد مرتين كلمة (انه متردد
و...) .
يقول
جرجيس فتح الله : .
"
لقد كان لكل من الشواف ورفعت الحاج سري وناظم
الطبقجلي أسباب شخصية للقيام بانقلاب عسكري، وقد سبق لي الحديث عن هذه
الأسباب، لكن هذا لا يعني بأن ما قاموا به من تآمر ابتداء من الموصل، كان
مجرد انفعال شخصي أو محاولة للانتقام من عبد الكريم قاسم الذي لم يمنحهم
مناصب كبيرة كما أعتقدوا أو للانتقام من شخصين أو أكثر من المسؤولين
المقربين منه، فقد كان ما أعدوا له عملا تآمريا بكل المواصفات وقد استغرق
الإعداد له داخليا وخارجيا فترة طويلة، فقد اتصلوا بعدد كبير من الضباط
في مختلف الوحدات والألوية العسكرية المنتشرة في جميع أنحاء العراق "
.
يقول
ليث الزبيدي :
"
منذ
اليوم الثاني للثورة أخذ العقيد الركن عبد الوهاب الشواف يفكر بالتمرد
والإطاحة بكل من عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، فشرع بالاتصال
بالضباط الأحرار الذين كانوا ناقمين لعدم إخبارهم بموعد الحركة، ولعدم
تشكيل مجلس قيادة الثورة، فضلا عن اعتقاد الشواف بأنه أولى منهما بممارسة
السلطة، سيما وانه حاول تنفيذ الثورة من قبل "
.
يستمر
الزبيدي:
" وقد كانت
الحركة واسعة وشملت أغلب معسكرات الجيش في العراق، فقد أيدها قائد الفرقة
الثانية الزعيم ناظم الطبقجلي وقائد الفرقة الأولى العقيد عبد العزيز
العقيلي وآمر اللواء الثالث من الفرقة الثانية منير فهمي الجراح، وكان من
منظميها العقيد رفعت الحاج سري مدير الاستخبارات العسكرية والعقيد عبد
اللطيف الدراجي آمر الكلية العسكرية والعقيد طاهر يحيى مدير الشرطة
العام. وأيدها الزعيم الركن ناجي طالب الذي استقال من الوزارة في السابع
من شهر شباط "فبراير" عام 1959 مع الوزراء من ممثلي حزب البعث وحزب
الاستقلال كجزء من التمهيد والإعداد للمؤامرة. وشارك في الأعداد لها
الرئيس الأول المتقاعد محمود الدرة عضو حزب الاستقلال."
ونجح رفعت
الحاج سري الذي كان مديرا للاستخبارات العسكرية بان يجعل من هذه المديرية
المهمة الموجودة في داخل وزارة الدفاع مركزا للضباط القوميين الناقمين
والموالين له كجزء من الاستعداد للمؤامرة، فضلا عن الاستعدادات العسكرية
وتجميع الأنصار في كل من حامية الموصل والفرقة الرابعة في كركوك التي
تعتبر من أهم الفرق العسكرية .
وتوجد أدلة
قاطعة على قيام رفعت الحاج سري بالاتصال بالضباط ومفاتحتهم للانضمام الى
المؤامرة ومنهم العقيد الركن المظلي المتقاعد عدنان محمد نوري
الذي
يقول:
" في احدى
الأمسيات طلبني المرحوم
رفعت وبيّن
لي
تدهور الوضع من
جراء تصرفات الشيوعيين وتغلغلهم في القوات المسلحة وانحراف عبد الكريم
قاسم عن الخط القومي وظهور شعارات
تتناقض
وأهداف
الثورة.
وسألني
عن رأي
في ذلك
فأجبته
مؤيداً فقال
سوف يبلغك
الرئيس فاروق صبري عن واجبك في المستقبل.
وبعدها
أخبرني
الرئيس فاروق صبري عن وجود خطة لوضع حد لتصرفات عبد الكريم قاسم وسماحه
للشيوعيين بالتهجم على الرئيس عبد الناصر ومعاداة الجمهورية العربية
المتحدة من خلال الشعارات التي يطرحونها وبهذا اتفقت أهدافهم وأهداف
الاستعمار العالمي في معاداة الوحدة العربية واحتقار كل ما هو عربي.
وهذه
الخطة يحتفظ
بها
رفعت الحاج سري
وقد وقع عليّ
الاختيار ان اكون
في زمرة
التنفيذ وإن الرشاشات جاهزة وموجودة في الاستخبارات العسكرية وسيساعد عدد
من ضباط صف الهندسة المرتبطين بالمرحوم رفعت الحاج سري.
وبعد مدة
بلغت ان واجبي كما هو
ولكن الثورة ستكون أما
في
الموصل وأما من كركوك وحال سماعي بقيام الثورة علي أن ألتحق في مديرية
الاستخبارات في الحال للقيام بواجبي
...
وعندما أعلنت الثورة كنت في طريقي الى مديرية الاستخبارات العسكرية وكان
ذلك حوالي الساعة العاشرة صباحا إذ كنت مكلفا بواجبي في منطقة بغداد
الجديدة وسمعت من الناس إن هناك ثورة في الموصل فرجعت حالا الى مديرية
الاستخبارات العسكرية كما هو متفق وقد صادفت في المديرية المرحوم نجيب
الربيعي الذي قابل المرحوم رفعت الحاج سري وخرج معه ودخلنا على المرحوم
رفعت فطلب منا التريث وانتظار الأوامر "
.
وكجزء من
استعدادهم للمؤامرة اتصلوا بحزب البعث، ويقول فؤاد الركابي
"إن
الرائد الركن صبحي عبد الحميد وهو ضابط قومي بارز سأله قبل شهر من
الانقلاب، أبوسع حزبه أن يتعاون في انقلاب يرمي الى الإطاحة بقاسم؟ ويعني
بالضبط محاولة اغتياله. في مبدأ الأمر مالت القيادة الى استحسان الفكرة،
ولكنها وبعد دراسة دامت بضعة أيام قررت رفضها، نظرا لما تنطوي عليه من
مجازفة ومخاطر. أو بكلمة أخرى أرجأت البحث فيها الى حين. ولذلك لم يشارك
في أحداث الموصل غير قلة من البعثيين وكانت بالأساس عملا عسكريا صرفاً.
إذ لم يكن لديهم من الضباط في الجيش العراقي الا اليسير "
.
وفي الحقيقة
فإن فؤاد الركابي لم يكن راغبا بتسليط الضوء على دور البعثيين في مؤامرة
الموصل، لكنه لم يكن راغبا أيضا في القول بان ليس للبعثيين أي علاقة بهذه
المؤامرة نظرا للوقائع والشهادات التي تبطل ذلك ولاعتبارات سياسية معروفة.
وانضم الإعلام
البعثي الى حملة التنديد والتشهير بثورة 14 تموز ومساندة مؤامرة الشواف
عندما ظهر وكجزء من التمهيد لمؤامرة الموصل مقال رئيسي في جريدة
(الصحافة) وهي لسان حزب البعث في لبنان بتاريخ الخامس من شهر آذار
(مارس)
أي قبل بدء المؤامرة بثلاثة أيام جاء فيه
"
إن الضباط
الأحرار العراقيين أخذوا في الآونة الأخيرة يوزعون نشرات وكراسات ينتقدون
فيها نظام قاسم ويهاجمونه فيها"
وربما كان هذا المقال أحد الأسباب التي نبهت قاسم الى الخطوات التي كان
المتآمرون يخطونها الى ما يحاك في الخفاء ضده دون أن يشعر.
وشأن هاني الفكيكي
كشأن فؤاد الركابي لم ينف أو يؤكد بشكل قاطع مشاركة حزب البعث في
المؤامرة " فقد خضع الشواف لضغوط إقطاعيي الموصل وبعض الضباط في لوائه
وعناصر موصلية كان البعثيون يتحفظون عليها ويصفونها بالارتباط بجهات
أجنبية "
.
ذكر إسماعيل
العارف في كتابه
(
اسرار ثورة تموز ص 286):
"
ويحضرني
ألان ما جرى في لقائي بالملحق الجوي الأمريكي بواشنطن في أواخر خريف
1958.فبعد حديث قصير أدخلت في روعه إنني متذمر من الوضع في العراق لكي
اكتشف ما لديه من معلومات طازجة عن الأوضاع في المنطقة العربية إذ انه قد
عاد لتوه من سوريا فقال إن الوضع في العراق سينتهي قريبا… الأسلحة تهرب
من سوريا الى العراق عن طريق حلب ودير الزور ونحن نتعاون بتجهيز بعض
الأسلحة الخفيفة ووسائل الاتصال لتوزيعها على العشائر العراقية القريبة
من الحدود السورية" .
وجاء في تقييم
لحنا بطاطو :
" وسبب معارضة
شيوخ عشائر شمر من آل الياور الذين يعيشون في لواء الموصل لثورة 14 تموز
ومشاركتهم في المؤامرة لإسقاطها،
هو صدور قانون الإصلاح الزراعي في الثلاثين من شهر أيلول (سبتمبر) عام
1958 الذي صادر معظم أراضيهم الزراعية في المنطقة. ويعتبر هذا القانون
أحد الأسباب الرئيسية للتحرك المعادي للثورة. فقد انتقلت الأراضي في
الحكم الملكي في معظمها الى أيدي كبار الملاكين (أصحاب الطابو) الذين
يسمون محليا (الأغوات) أو (البيكات) أو (البكوات)، الذين يعيشون عادة في
الموصل. والشكاوي كثيرة من الطريقة التي تمت بها هذه العملية. ويسمع
الإنسان قصصا عن فلاح أعطي
25%
من قيمة أرضه الحقيقية، وإذا ما رفض البيع سيق الى السجن بتهمة قتل ملفقة
في جريمة لم تحصل أبدا وبقى هناك لسنوات، الا إذا غير رأيه وباع. ويبدو
أن إدخال نظام (الطابو) منح أقطاب المدينة فرصا لسلب الفلاحين مساحات
واسعة من الأرض بواسطة وثائق بيع مزورة…. الخ.
شكلت الرهونات
سلاحا آخر من الأسلحة المفضلة آنذاك. ومهما كانت الأسباب فان الأرض قد
انتقلت بكاملها تقريبا الى أيدي أصحاب الطابو، الذين كثيرا ما يكونون
أسياد أرض غائبين، حتى انهم لم يروا الأرض التي يملكونها.
وإذا كان
الفلاحون يوما قد اعتادوا تقبل الهزيمة، فانهم أصبحوا في العام 1959 في
مزاج مختلف. وكان لثورة تموز وما تلاها أن تسارع كثيرا في اكتسابهم للوعي
السياسي. كما أن تيارات شيوعية تسللت الى صفوفهم. ولم يبق مزارعو آلبو
متيوت بعيدا عما يجري، وأصبح صالح متيوت، وهو رجل دين، عضوا في حركة
أنصار السلام في العام 1958 ونجح في جركل القبيلة وراءه.
ولكن العامل
الأول الذي أطلق الاستنكار الدفين طويلا كان محاولة كبار الملاكين التغلب
على قانون الإصلاح الزراعي.
وبالنسبة الى
الملاكين كان هذا هو المعنى الحقيقي لمؤامرة الموصل…
وما
من مجال للجدل في أن الشريحة الأكثر نشاطاً
من بين الملاكين كانت والى درجة ملموسة، وراء الثورة (يقصد المؤامرة)
وكان من بين شخصياتها الأبرز أحمد عجيل الياور شيخ عشائر شمر الأكبر.
وكان قانون
الإصلاح الزراعي الجديد قد هدد موقعه الاجتماعي في قلبه. ولم يكن ليفقد
بهذا القانون إجمالي الـ 346747 دونما التي يملكها هو وعائلته فحسب، بل
كانت سيطرته على رجاله القبليين الثلاثين ألفا ستتهدد أيضا. وربط أبناء
عمه، آل الفرحان، الذين يملكون 310314 دونما، أنفسهم به، وكذلك فعل آل
الشلال، وهم من شمر أيضا، والخضيريون مشايخ قبيلة جحيش، والناصر مرزا
زعماء اليزيديين، وكلهم من ملاكي الأراضي وتملك كل جماعة منهم 62363 و
84592 و 47358 دونما على التوالي. ودخل معهم آل كشمولة الذين يملكون
42178 دونما ويسيطرون على حي المنقوشة، والاغوات الذين يملكون 39509
دونمات ويسيطرون على حي باب البيض .
وانضم الى
المؤامرة كذلك كل من عبد الرحمن السيد محمود والحاج هاشم، وهما تاجران
ثريان من الموصل، والزعيم المتقاعد حسين العمري والمحامي سامي باش عالم،
وكلاهما من عائلة العمري الشهيرة التي أفقدتها ثورة تموز سموها الاجتماعي
"
.
يستمر بطاطو:
" وكانت الأحزاب
القومية منخرطة هي أيضا - بالطبع - في هذه المسألة. وكان الأقل فعالية هم
القوميون العرب، الذين كانوا ما زالوا يشكلون جماعة صغيرة. وكانت الجماعة
التالية قوة هم الاستقلاليون، الذين شكلوا جزءا عضويا من طبقة الملاكين.
وكان قاسم مفتي، سكرتيرهم في الموصل يتحدر من عائلة (أسياد) قديمة وكان
هو نفسه ملاكا للأراضي. ولكن قدراتهم كانت مالية أساسا. وكانت الجماعة
الأهم منهم هي تلك المؤلفة من العناصر المرتبطة أيديولوجيا بالإخوان
المسلمين والتي كان يمولها التاجر الثري عبد الرحمن السيد محمود. وعلى
العموم فان البعث وحده (الذي كان أعضاؤه العاملون في المدينة يعدون 150
يضاف إليهم أربعة أمثالهم من المؤيدين الملتزمين) كان قادرا على أن يدخل
الى اللعبة موارد تنظيمية فعلية على مستوى الجمهور وأن يستفيد من التعاطف
الحماسي لقطاعات واسعة من (المواصلة) مع عبد الناصر. وأعطت الروابط التي
أقامها الحزب مع الضباط دور ومغزى إضافياً. وفي المراتب الأعلى للبعث كان
يمكن العثور على رجال مرتبطين بطبقة ملاكي أراض. ومثلا كان والد عدنان
عبد النافع، أحد قادة الحزب المحليين، يملك 4041 دونما وكان سكرتير فرع
الحزب، عادل البكري، طبيبا أبنا لعائلة معروفة من ملاكي الأرض"
.
"
وكان
أحمد عجيل الياور على علاقة وثيقة برجال العهد
السابق فقد كانت
عشيرة شمر تسكن في الصحراء على امتداد أنابيب النفط، أي انهم حرس لشركات
النفط ولحفظ الأمن في الصحراء للحكم الاستعماري في العهد المباد. وارتبط
أحمد عجيل الياور بعلاقة صداقة مع الوصي عبد الإله فقد كانا يدرسان معا
في كلية فكتوريا في الإسكندرية وقبيل ثورة 14 تموز كان يجتمع به وبغيره
من شيوخ العشائر. كما أن أحمد عجيل الذي كان يخدم مصالح الإنكليز
بالوراثة عن والده عجيل باشا الياور، من أكبر رجال العشائر أي شيخ من
شيوخ العشائر الذين أعتمد عليهم الإنكليز وأعتزوا بهم وحضر حفلات تتويج
لملوك بريطانيا في لندن".
ويذكر إسماعيل
العارف في مذكراته
،
والذي كان يعرف الشواف معرفة شخصية وله معه علاقة قوية :
"
إن
الشواف كان عصبي المزاج سريع التأثر، صريحا، متهورا في أكثر الأحيان،
يشتم ويسب معارضيه علنا وينتقدهم بلا خوف أو وجل، ولكنه كان قليل التروي
قصير الأناة ينفذ ما يعتقد به فورا وبلا تردد ".
يستمر
اسماعيل العارف:
"
إن
ما أثار حفيظة العقيد عبد الوهاب الشواف هوخبر تعيينه حاكما عسكريا عاما
للعراق في أول يوم الثورة ثم ألغى عبد السلام عارف الأمر وعينه آمرا
للقوات المرابطة في الموصل لعدم توافق مزاجه معه فتأثر من هذا التدبير
وأعتبره إجراء مقصودا لابعاده عن مركز السلطة. وكان المنصب الأخير برأيه
أقل مما يستحق فامتنع عن الالتحاق بمركزه ولكن بعض الضباط أقنعوه
بالإذعان ولو بصورة مؤقتة آخذين في الاعتبار ما كان يتعرض له العراق من
أخطار محتملة بعد إنزال الأمريكان والبريطانيين في لبنان والأردن واحتمال
تحرك دول حلف بغداد لضرب الثورة في العراق" .
ثم
يقول إسماعيل
العارف بان "عبد الوهاب الشواف كان مثقفا يؤمن بالديمقراطية ويميل الى
اليسار، الا أن تعيينه في منصب آمر حامية الموصل الثانوي دفعه الى الوقوف
بعدئذ ضد القوى اليسارية".
ويذكراسماعيل
العارف عن حديثه مع الخبير الامريكي في مذكراته ص167 و268
حيث قال الخبير الامريكي
:
"
وكانت
الجمهورية العربية المتحدة على علاقة وثيقة بما كان يجري من تآمر و أعتقد
بقدر ما لدي من معلومات أن القطاعات العسكرية الموجودة في منطقة الموصل
في العراق تعارض الحكومة المركزية وربما قامت بالثورة قريبا.
ثم
شجعته على المضي في الحديث وقلت له:
كيف تتعاون مع الرئيس عبد الناصر والولايات المتحدة في خصومة شديدة معه،
فقال إن الأمور تبدلت….. لان الخطر الشيوعي في العراق قد استفحل وأصبح
القضاء عليه من مصلحة الطرفين" وجرى هذا الحديث بين إسماعيل العارف مع
الملحق الجوي الأمريكي العائد من سوريا حديثا في إحدى الولائم
الديبلوماسية التي أقامتها القوة الجوية الأمريكية بواشنطن قبل حركة
الشواف.
يواصل
اسماعيل العارف :
"عندما عدت الى
واشنطن من هيئة الأمم المتحدة استأنفت دراستي الجامعية. وفي أواسط شهر
تشرين الثاني
(نوفمبر)
حينما كنت في قاعة الدرس أثيرت مناقشة حول الأوضاع السياسية في الشرق
العربي امتدت الى الحديث عن الثورة في العراق بين الطلاب والأستاذ الذي
كان خبيرا في السياسة العربية وخاصة شؤون سوريا والعراق. فانبرى أحد
الطلبة من ضباط الجيش الأمريكي يدلي بمعلومات خطيرة. وقال إن الثورة
العراقية تحتضر لأنها تتعرض الى مقاومة في الداخل والخارج من قبل عناصر
قوية معادية لها تؤيدها الجمهورية العربية المتحدة. فالتفت الأستاذ نحوي
وأومأ إلي ما إذا كنت أرغب في الإدلاء برأيي فأشرت بان لا وذلك حتى لا
أقطع حديث الضابط الذي كان يتضمن معلومات خطيرة تتعلق بسلامة الثورة. ثم
طلب الأستاذ من الضابط أن يتابع الكلام في الموضوع معه بعد انتهاء الدرس.
وبعد أن تفرق الطلاب انزوى الاثنان معا في جانب من القاعة وقفلت عائدا
الى داري. وحالما وصلت اتصلت هاتفيا بالأستاذ مستفسرا عما دار بينه وبين
الضابط من حديث بعد الدرس، فطلب أن يزورني في الحال ليخبرني بمعلومات
غاية في الخطورة. ولما حضر قال ان الضباط اخبره أن عصيانا مسلحا سينشب في
منطقة الموصل يتزعمه قائد منطقة الموصل العسكرية وتؤيده الجمهورية
العربية المتحدة بمباركة الولايات المتحدة الأمريكية من خلال قنوات غير
مباشرة وان سيلاً من الأسلحة يهرب الى الموصل من الحدود السورية. فقلت له
إنني اشك في صدق ذلك وقد استندت في هذا الرأي على معلوماتي القديمة عن
قائدا المنطقة العقيد عبدالوهاب الشواف وثقتي به لانه من الضباط الاحرار
المؤمنين بالثورة، وقد كان من المرشحين لاول هيئة كنا قد شكلناها سنة
1956ولكني ربطت بين تصريحات المسؤولين الامريكان وبين هذا الخبر المهم اذ
قبل اقل من اسبوع التقيت مصادفة بالملحق الجوي الأمريكي المنقول حديثا من
سوريا في حفل استقبال في أحد النوادي العسكرية للقوة الجوية وقد كان ثملاً
فاستدرجته لكي احصل منه على معلومات تخص الوضع في سوريا وموقف الولايات
المتحدة من الثورة في العراق فقال إن الجهات الأمريكية في سوريا تعاون
بطرقها الخاصة الجهود المبذولة لدعم القوى العسكرية المعارضة للثورة في
العراق . واضاف قائلا ان المسالة منتهية. وعلى اثر حصولي على تلك
المعلومات بعثت ببرقية الى مديرية الاستخبارات العسكرية وبكتاب الى قيادة
الثورة اعطيت صورة منه الى الاستخبارات ايضا وضمنته تلك المعلومات
ولكنني لم اذكر الاسماء وطلبت مراقبة الحدود الشمالية الغربية بالرغم من
اني كنت اعلم بأن الضباط الموجودين في الاستخبارات العسكرية بمن فيهم
المرحوم رفعت الحاج سري يعملون على تشجيع الحركة ضد الزعيم عبدالكريم
قاسم .
لم يكن يرد من
بغداد من المعلومات عن الاوضاع الداخلية للثورة سوى النـزر اليسير الذي
لايكفي لاعطاء صورة حقيقية عما يجري هناك، فكنت قلقا جدا على مستقبل
الثورة وصرت ابعث الى عبدالكريم قاسم برسائل تنصب على معالجة الوضع
السياسي بحكمة وهدوء."
يواصل اسماعيل
العارف في (ص380) من كتابه قائلاً :
"
وتم
الاتصال بالجمهورية العربية المتحدة عن طريق بعض موظفي سفارتها في بغداد
يتقدمهم الملحق العسكري ومحمد كبول . فكان وزير داخلية الإقليم الشمالي
(سوريا) للجمهورية العربي