بداية، لا بد من الاشارة الى انه لا يمكن فهم الجوهر والمغازي الفعلية
لنظرية (الفوضى البناءة) دون ربطها بالتحولات الجذرية التي شهدتها
الاستراتيجية الامريكية بعد احداث 11 سبتمبر 2001، وهذا يستدعي عرضا
مكثفا لأبرز معالم هذه الاستراتيجية فهي:
- الانفراد بالتفوق العسكري المطلق بما يحقق السيطرة الاستراتيجية
الكاملة. لاشك أن قراءة متفحصة لجوهر العقيدة العسكرية الجديدة تكشف لنا
أنها لا تطول فقط إحداث ما يسمى بـ "الثورة في المسائل العسكرية" بل
توظيف هذه التقنيات الجديدة لتحقيق " تفوق نوعي على الخصم " يتيح ضمان
مبدأ " السيطرة الاستراتيجية " بالمطلق.
- التخلي عن " استراتيجية الردع والاحتواء " التي حكمت السياسة الأمريكية
إبان "الحرب الباردة " وتبني استراتيجية " الهجوم الوقائي ". ويعد هذا
تحولا مهما في الفكر الاستراتيجي الأمريكي. واستنادا إلى تصريحات مسئولين
أمريكيين كبار فإن المبدأ الاستراتيجي الجديد يبتعد كثيرا عن سياسة الحرب
الباردة التي كانت تقوم على الردع والاحتواء ليصبح جزءا من أول
استراتيجية للأمن القومي تقوم على فكرة الهجوم الوقائي. واعتبر العديد من
المحلّلين هذا التوّجه أكبر تغيير في الاستراتيجية الأمنية - العسكرية
منذ حقبة أربعينات القرن العشرين حين أسس الرئيس هاري ترومان الـ (سي آي
إي) والـ(اف بي آي) والبنتاغون. فهذه الاستراتيجية ستبتعد عن مبدأ عمره
أكثر من نصف قرن في السياستين الدفاعية والخارجية الأمريكية هو الاحتواء
والردع، وتقترب من نظرية (التدخل الدفاعي) و(الهجوم الوقائي).
- صياغة تعريف جديد للأخطار التي على الولايات المتحدة مواجهتها. فجمع في
" معسكر الأعداء " نفسه " المنظمات الإرهابية " ذات "التطلعات الدولية"
والدول التي تساندها وخصوصا تلك التي يمكن أن تمدها بأسلحة الدمار الشامل
(النووية والبيولوجية والكيميائية) والتي تقوم هذه الدول بتطويرها.
فالخطر لا يتحدد فقط بمصدره بل أيضا بطبيعته.
وارتباطا بذلك باتت الولايات المتحدة تدرس احتمال استخدام السلاح النووي
ضد دول غير نووية، أو ردا على هجمات بأسلحة كيمياوية وبيولوجية أو عند
حدوث " تطورات عسكرية مفاجئة " ذات طبيعة غير محددة.
- توظيف المفاهيم والشعارات الإيديولوجية واعتمادها كأدوات أساسية في
خدمة الاستراتيجية الأمريكية في الخارج.
- استكمال بناء أدوات السيطرة العسكرية على مراكز الطاقة في العالم بدأً
من الشرق الأوسط وصولا إلى نفط آسيا الوسطى. وبهذا تستطيع الولايات
المتحدة الأمريكية التحكم في السياسة العالمية عبر الهيمنة الاقتصادية.
هنا لابد من التذكير بأن هذه الأفكار ليست في مجملها جديدة. فهناك إدارات
أخرى سعت إلى تفضيل هذه الركيزة أو تلك. لكن الشيء المهم هنا هو انه لم
يصل التفكير الاستراتيجي قبل اليوم إلى بلورة هذه الركائز بهذا القدر من
التماسك والوضوح والحماسة، إلى درجة يمكن معها القول أننا نشهد انقلابا
في التفكير الاستراتيجي في الولايات المتحدة الأمريكية.
في التنويعات التطبيقية لتلك الاستراتيجية توالدت مفاهيم عديدة، حيث
يواصل الجناح المحافظ المسيطر حاليا على مجريات السياسة الأمريكية جهوده
لتطبيق نظريتي "التفكيك النظيف" و" الفوضى البناءة " بهدف إعادة رسم
الخريطة الجغرافية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط لتكون بمثابة نموذج
يطبق فيما بعد على المناطق الأخرى. وهي نظريات وضعتها وروجت لها مراكز
أبحاث ودراسات أمريكية في مقدمتها معهد واشنطن.
ومن اجل فهم افضل لهذه القضية ينبغي العودة الى ما حدث في عام 1996 حيث
وضعت في اميركا ورقة سياسية بعنوان " الاختراق النظيف "، صاغتها لجنة
برئاسة ديك تشيني الذي عاد فيما بعد ليشغل منصب نائب الرئيس الاميركي في
عهد الرئيس جورج دبليو بوش.
إن إشاعة هذا المصطلح (الفوضى البناءة) على نطاق واسع يؤكد أن المرحلة
الثانية من الاستراتيجية الكونية لـ (المحافظين الجدد) تحولت إلى خطة يتم
الشروع في تنفيذها بالفعل على أرض الواقع. وإذا كانت المرحلة الأولى من
هذه الاستراتيجية جرت تحت شعار "الحرب على الإرهاب" ، فإن المرحلة
التالية من هذه الاستراتيجية ستجري تحت شعار "الحرب على الاستبداد ونشر
الديمقراطية" وتستهدف إسقاط " انظمة الاستبداد "، وإدخال إصلاحات سياسية
بعيدة المدى في العالم العربي. الفرق بين المرحلتين أن الأولى تطلبت
استخداماً مكثفاً للقوة العسكرية واحتلالاً فعلياً للدول المستهدفة، أما
الثانية فستعتمد على الوسائل غير العسكرية في المقام الأول، ولكن من دون
استبعاد كلي للقوة العسكرية.
ومن وجهة نظر تاريخية لا بد من التذكير بأن أول من قام بصياغة مفهوم "
الفوضى البناءة " هو مايكل ليدن, العضو البارز في معهد " امريكان
إنتربرايز ", المعروف بكونه " قلعة " المحافظين الجدد في
واشنطن,والمؤسسة الهامة في بناء وصياغة مشروعات الرئيس الامريكي جورج
دبليو بوش السياسية في الشرق الأوسط,وهو أيضا المنبر الذي اعتاد الرئيس
ان يختاره كثيرا ليعلن فيه مشروعاته السياسية الكبري في المنطقة.
ومايكل ليدن هذا هو أحد اصحاب النفوذ في دائرة المحافظين الجدد. وأحد
أبرز الذين يعهد إليهم المركز بوضع التصورات وكذلك الخطط التفصيلية,
التي تبني عليها أحيانا السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط عامة.والدول
العربية خاصة. واذا كان اسم ليدن قد ارتبط بعد الحادي عشر من سبتمبر
بنظرية " التدمير البناء ", فإنه قد عرف أيضا بأنه تولي في عام2003,
قيادة مجموعة عمل من خبراء معهد " امريكان انتربرايز ", والتي قامت
بإعداد " مشروع التغيير الكامل في الشرق الأوسط ",والمقرر ان ينفذ في
فترة عشر سنوات,ويشمل اجراء "اصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية "شاملة
في كل دول المنطقة.
واضافة لذلك فإن مايكل ليدن هو القائل بان " التدمير البناء هو صفتنا
المركزية .. وأن الوقت قد حان لكي نصدر الثورة الاجتماعية ".وتعود
الخلفية النظرية لهذا المفهوم إلى محاولة ترتيب أفكار ومعتقدات المحافظين
الجدد وآبائهم الفكريين، وعلى رأسهم "ليو شتراوس"، المدافع عن الفلسفة
الكلاسيكية ومنطلقاتها الأخلاقية، والداعي إلى الدفاع عن مصالحها بالقوة،
مع أفكار أخرى لعل أهمها مقولة " فجوة الاستقرار " عند صمويل هنتنجتون
صاحب نظرية “صدام الحضارات " في معالجته للتنمية السياسية. فهذه الفجوة،
حسب هنتنجتون، تولد إحباطا ونقمة في أوساط المجتمع مما يعمل على زعزعة
الاستقرار السياسي. فالإحباط الاجتماعي يولد المزيد من اللااستقرار إذ ما
انعدمت الحرية الاجتماعية والاقتصادية، وافتقدت مؤسسات النظام القدرة
والقابلية على التكييف الإيجابي، لأن الإحباط ومشاعر الاحتقان التي تزيد
هذه الفجوة يتمخض عنها مطالب ليست سهلة للوهلة الأولى، وأحياناً غير
متوقعة، تفرض على مؤسسات النظام التكيف من خلال توسيع المشاركة السياسية
واستيعاب هذه المطالب، أما إذا كانت هذه المؤسسات محكومة بالنظرة
الاحادية، فإنه سيكون من الصعب الاستجابة لهذه المطالب إلا بالمزيد من
الفوضى، التي ستعمل في نهاية الأمر على استبدال قواعد اللعبة واللاعبين.
بكلمات أخرى، كان هنتنجتون يريد أن يصل الى أن التحديث السياسي، او
باللغة السائدة اليوم الإصلاح السياسي، يرتبط بالاستقرار, ولكن هذه
الحالة قابلة للانقياد إما نحو التكيف الإيجابي او تململ البنية السياسية
بأكملها واستبدال أخرى بها. هذا مع العلم أن مصادر " اللااستقرار البناء
" في الشرق الأوسط حسب روبرت ساتلوف تقاس على مسطرة المصالح الأمريكية.
وقد اجرى البروفسور توماس بارنيت احد اهم المحاضرين الرئيسيين في وزارة
الدفاع الأمريكية منذ سبتمبر2001, بعض التطويرات على نظرية " الفوضى
البناءة ". فقد لخص رؤيته لما كان يعرضه في البنتاجون, في دراسته التي
اعطاها عنوان " خريطة البنتاجون " المنشورة عام2004 . و بحسب عاطف
الغمري (الاهرام عدد 20/7/2005) فان النظرية التي يتناولها بارنيت تقسم
العالم إلى من هم في القلب او المركز ـ ويعني بهم الولايات المتحدة
وحلفاءها في الغرب ـ أما الآخرون فهم من سماهم دول الفجوة أو الثقب.
ويقول بارنيت انهم مثل ثقب الأوزون, الذي لم يكن ظاهرا قبل الحادي عشر
من سبتمبر2001 لكن الآن لم يعد ممكنا ان يغيبوا عن النظر.وتضم دول
الفجوة أو الثقب، بحسب بارنيت، "الدول المصابة بالحكم الاستبدادي,
والأمراض والفقر المنتشر,والقتل الجماعي الروتيني,والنزاعات المزمنة التي
تصبح بمثابة مزارع لتفريخ الجيل القادم من الإرهابين ".ويوضح بارنيت ان
استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة تتضمن:
•زيادة قدرة (دول القلب) علي الرد على اضطرابات النظام الدولي.
•العمل مع (دول القلب) علي ردع اسوأ صادرات دول الثقب مثل الإرهاب
والمخدرات والأوبئة.
•العمل على انكماش هذا الثقب.
ويحدد بارنيت الشرق الأوسط كمنطقة للبدء بتطبيق الاستراتيجية الجديدة،
ويقول إن الدبلوماسية لا تعمل في منطقة, لا توجد اكبر مصادر تهديد
الأمن فيها فيما بين الدول وبعضها, لكن هذه التهديدات تكمن داخل دول
المنطقة ذاتها.
ويصل البروفسور بارنيت إلي مرحلة " الفوضي البناءة ", حيث يتصور شكلا
معينا لامكان حدوثها, من نوع الانهيار الكبير أو التفكك الاقليمي.
وحسب خطة الاستراتيجية الجديدة يأتي التدخل المباشر من قوة خارجية في
حالة حدوث الفوضي, حيث يقول بارنيت " ان الشيء الوحيد الذي سيغير
المناخ الشرير ويفتح الباب لفيضان التغيير, هو ان تدخل قوة خارجية,
ونحن الدولة الوحيدة التي يمكنها ذلك ". ويحسم بارنيت النقاش بقوله إن
هدف هذه الاستراتيجية هو انكماش الثقب وليس مجرد احتوائه.
ان الاستجابة لتوسيع دائرة فهم " الفوضي البناءة ", راجع إلي أنها لم
تعد مجرد طرح نظري فقط, ولكنها استراتيجية يجري تنفيذها بالملموس.
ويبدو من قراءة صاحية للافكار اعلاه ان " صناعة الفوضي " نابعة على ما
يبدو من ايمان عقائدي عميق لدى من يصنعون السياسة الخارجية الأمريكية
والقائم على فكرة مضمونها ان التغيير في حد ذاته لا يكفي, وأن الأوضاع
الداخلية في المنطقة وثقافتها تحتاج تحولا شاملا transforming . ومن
هنا كان ولع المنظرين الاستراتيجيين هؤلاء بمفاهيم من قبيل " التدمير
الخلاق " و " الفوضي البناءة ", التي تعقبها ازالة الأنقاض والاشلاء,
ثم تصميم جديد لبناء مختلف.
ولابد من التذكير بان منظري الاستراتيجية الامريكية، وفي بنائهم لمفهوم
"الفوضى البناءة "، ينطلقون من فكرة قوامها ان الوضع الحالي في منطقة
الشرق الاوسط " ليس مستقراً " وإن الفوضى التي تفرزها عملية "التحول
الديمقراطي " في البداية هي من نوع " الفوضى الخلاقة " التي ربما تنتج في
النهاية - حسب طرح وزيرة الخارجية الامريكية كوندليسا رايس وفي اكثر من
مناسبة- وضعاً أفضل مما تعيشه المنطقة حالياً.
ان هذه الاستراتيجية تكشف، إذن، عن تدبير ملموس للتدخل المباشر في شئون
المنطقة, وهي بمثابة اعلان او اعادة تأكيد لاحد معالم الاستراتيجية
الأمريكية لتحقيق "الاصلاح الداخلي والديمقراطي" في منطقة الشرق الاوسط
حيث ان الشأن الداخلي لم يعد شأنا داخليا,وفق تعريف جديد يجعل من
التغيير في الداخل أمر يخدم الأمن القومي للولايات المتحدة, ويزيل
التهديدات له.
ورغم ذلك كله هناك هدفان يقعان في صلب الاستراتيجيا الاميركية، وهما ضمان
الهيمنة على موارد الطاقة، وممارسة سيطرة متعاظمة على الكرة الارضية.
وبغض النظر عن النتائج الفعلية فإن هذين الهدفين يظلان ماثلين على
الدوام، وليس هناك ما يدعو – من وجهة نظر صقور المحافظين الجدد وغيرهم
كذلك – الى التخلي عنهما أو التقليل من اهميتهما.
هكذا، اذن، يمكن القول ان تفكيك المنطقة هو خطوة أساسية في مخطط
(المحافظين الجدد) لإعادة بنائها ورسم خريطة جديدة لها تتطابق مع مصالح
الولايات المتحدة ودورها الجديد على الصعيد العالمي.