الدماغ و البحث عن آثار الذاكرة

دراسة للدكتور أحمد أوزي

1 مـقـدمـة :

 

 

     لم تعد الذاكرة تلك القلعة المستعصية أو الوظيفة العقلية المستحيلة المنال . لكن و بالرغم من التقدم الحاصل فإن الباحثين لم يتوصلوا بعد إلى حل كل الرموز ، و الدواليب الدقيقة ، و الميكانزمات العصبحيوية المتعددة، و التعرف على الأنساق المتشابكة و المعقدة للذاكرة و التعلم . فحوالي ما يناهز أربعة عقود ، بدأ الباحثون في ميادين علوم الأعصاب( فيزيولوجيا الأعصاب ، علم النفس الفيزيولوجي ، علم جينات الأعصاب ...) و علوم النفس ( علم النفس التجريبي و علم النفس المعرفي ...) في البحث عن مكونات الذاكرة التي تشكل إحدى الوظائف العليا للإنسان و التي بدونها لا يمكن أن يكون له ماض يعتمده كمرجعية لحياته اليومية و لا مستقبل يتوقعه غنطلاقا من ماضيه و حاضره .ويتسم البحث في هذه الميادين باعتماد مقاربات ممنهجة و خاضعة لشروط دقيقة التقصي و تجريب لمقاييس و مبائ البحث العلمي المتداولة في جل ميادين العلوم البحتة . أما العلوم النفسية فقد اهتمت بدراسة السيرورات و الآليات السيكولوجية الكامنة وراء معالجة المعلومات و اكتسابها و تخزينها وفق محددات مضبوطة كما وكيفا . أما الباحثون في ميادين علوم الأعصاب فقد انصب اهتمامهم في البحث على الآليات و الميكانزمات و السيرورات العصبحيوية و العصبكيمائية و العصبتشريحية التي تمكن الجهاز العصبي من معالجة المعلومات و اختزانها و استرجاعها و استغلالها للتعبير عن مشاعر و مواقف و مبادئ حياتية و اخرى لبناء أنماط سلوك فردي أو اجتماعي يمكن الفرد من الشعور بأنه ينتمي إلى مجتمع أو مجموعة ما . شكل البحث على آثار الذاكرة و الجزئيات الخلوية النشيطة بالجهاز العصبي و ما يزال يشكل ميدانا خصبا في ميادين علوم الأعصاب خاصة فيما يتعلق بتحديد :

     1ـ النوى الدماغية و الباحات القشرية التي لها دور مباشر أو غير مباشر في معالجة المعلومات وتخزينها و تذكرها .
     تفترض الفرضيات التي بلورت في هذا المجال أن الذاكرة تتموقع بعد النوى و الباحات القشرية الدماغية التي يجب تحديدها ومعرفة نوع المعلومات الخاصة بكل منها .

     2 ـ النواقل ‎neurotansmetteurs أو الوسائط العصبية‎ ‎ neuromédiateurs
     التي تشكل الجزئيات العصبكميائية النشيطة و المزامنة لمعالجة المعلومات بالخلايا العصبية . تميزت الفرضيات التي صيغت في الميدان العصبكميائي و العصبفيزيولوجي بتعددها و تنوعها ، بحيث أنه افترض أن لكل ناقل أو وسيط عصبي دورا أو أكثر ، منها ما هو أساسي و ما هو ثانوي . تعدد الأدوار هذا ناتج عن اكتشاف مستقل ‎ récepteur أو أكثر لكل ناقل أو وسيط عصبي بالخلية العصبية البعد مشبكية ‎‎‎ Post-sny-optique .

     3 ـ الجزئيات الوراثية البروتينية و الحامض نووية التي تتدخل في سيرورة المعلومات و تخزينها و استرجاعها .
     بنيت جل هذه الميادين على فرضية نظرية أولية اقترحها عالم النفس الفيزيولوجي دونالد هيب ‎Donald Hepp سنة 1949 انطلاقا من الأعمال التشريحية للدماغ قا بها العلم الاسباني رامون إي كخال ‎ Ramon Y Cajal و الذي بلور النظرية العصبية التي تؤكد أن الخلايا العصبية وحدة تتواصل مع الخلايا العصبية الأخرى عبر الارتباطات المشبكية . وقد اقتسم "رامون إي كخال" جائزة نوبل في الطب مع العلم الإيطالي غولجي ‎ Golgi سنة 1906 . يمكن تلخيص نظرية دونالد هيب في ما يلي : يترك مرور المعلومات آثارا بمكونات الخلايا العصبية النشيطة . وتحصل التغيرات بمشابك الخلايا العصبية . هذا ، وقد اقترح الفيزيولوجي سيرينكتن ‎ sherrington مصطلح مشبك ‎ Synapse في أواخر القرن التاسع عشر . ‎
     سنقدم في ما يلي المعطيات الفيزيوعصبية الأساسية المتوصل إليها في ميدان دراسة الذاكرة و التذكر .

2 ـ الذاكرة و الميكانيزمات العصبحيوية :

     شكل الاهتمام بالتغيرات الحاصلة بمشابك الخلايا العصبية فرصة كبيرة سنحت للباحثين التعرف على عدد من الميكانزمات العصبحيوية المزامنة لعمليات اكتساب الدماغ للمعلومات . وهكذا
 

     إثارة مسلك عصبي لأول مرة . تنشط الخلية العصبية رقم 1 بواسطة التدفق الكهربائي وتفرز كمية طفيفة من الوسيط العصبي بالحيز المشبكي . بعد ذلك يتم تلاحم الوسيط العصبي بالمستقبِل العصبي الموجود بالخلية العصبية 2 . على ترتيب مونو كسيد الآزوط ‎‎‎Noالذي يؤثر بدوره على الخلية العصبية 1 .

     بظهور التنبيه الثاني يلاحظ أن الخلية العصبية 2 تفرز كمية كبيرة من الناقل العصبي أو الوسيط العصبي وذلك تحت تأثير ‎No الذي يثير الحويصلات الإفرازية . كمية كبيرة من المادة المستقبِلة تمكن من ترسيخ عدد كبير من جزئيات الوسيط العصبي ويتولد عن ذلك تنشيط أكثر للخلية العصبية الثانية .

     هكذا تنشط الميكانزمات العصبكيميائية الخلايا القبل و البعد مشبكية وتمكن من نرسيخ الذكريات السارة و الغير السارة وكذلك المعلومات الأدبية و العلمية و الثقافية ، و بالتالي تمكن دماغنا من نسج ذاكرة معقدة ومتنوعة المعلومات و المعطيات .

     أظهر عدد من الباحثين أن مرور جهد العمل ‎Potentiel d'action بمسلك عصبي موجود بالحصين أو قرن آمون ‎Hippocampe يرفع لمدة طويلة نشاط وفاعلية مشابك هذا المسلك . بعبارة أخرى ، يترتب عن إفرازات المواد الناقلة أو الوسيطة تمرير معلومات كهروفيزيولوجية من خلية إلى أخرى بكيفية أكثر سهولة . وهكذا فالماسلك العصبية التي تم تنشيطها بمرور المعلومات التي هي في مرحلة التخزين تصبح أكثر فاعلية وترسيخا للمعلومات المعالجة . وتؤكد التجارب أن المرور المكرر لجهد عمل خاص بنفس المعلومات المعالجة يجعل المسالك المعنية أسهل و أسرع لتعزيز هذه المعلومات من مرور معلومات جديدة . ـ رسم 1 و 2 بين المعطيات العصبكيميائية التجريبية المكتشفة بالحصين ـ .

     وبينت نفس التجارب أن هذه التغيرات الفيزيوكيماوية يمكن أن تدوم لعدة أيام . ولهذا افترض أنها قد تشكل آثارا أو بصمات خلوية خاصة بالذاكرة الطويلة المدى . لكن لابد من طرح سؤال يتعلق بتنظيم المسالك التذكرية . هل هذه الآثار و البصمات هي التي تمثل فعلا ، الميكانيزمات العصبكيميائية المنظمة للمسالك العصبية الرابطة بين الأنظمة العصبية النشيطة و الخاصة بنوع المعلومات التي يعالجها ويحاول تخزنيها المتعلم ؟.

     هناك سؤال آخر لابد من طرحه وهو يتعلق بفهم الميكانزمات و السيرورات الخاصة بالتخزين المستمر بالقشرة الدماغية . ويتعلق هذا بمحاولة فهم نوعية تخزين المعلومات بالجهاز العصبي .هل تخزن المعلومات فعلا على شكل آثار ؟ و ما هـي هذه الآثار ؟ هل بصمات لمرور الدفعات الكهروفيزيولوجية أو أنها آثار للنقال العصبي النشيط أثناء مرور هذه الدفعات أو أن الأمر يتعلق بشيء آخر يمكن افتراضه على نحو تفاعلات بين الدفعة الكهروفيزيولوجية و الناقل العصبي الموظف في النشاط العصبي المزامن لمعاجة المعلومات و اكتسابها ؟

     إن كل هذه الأسئلة مقبولة ، خاصة و أن الأمر يتعلق بتحديد آليات وميكانزمات الخلايا العصبية ودورها في اكتساب المعلومات و اختزانها . بعبارة أخرى يمكن أن نتساءل عن شكل ونوع الآثار العصبفيزيوكيميائية التي تمكن من اكتساب وتخزين المعلومات بالجهاز العصبي . إذن ، هل تخزن ذكرياتنا بتراكم المواد الكيميائية أو بدفعات كهروإيقاعية ؟ هل تدرج أو تدمج الذكريات بكيفية مستديمة أو أنها تنتج وتبرز بكيفية موازية ومتزامنة مع إثارة صورة الحاضر ؟ لا بد أن نكون حذرين بالنسبة للتفسيرات و التأويلات التي يمكـن أن نصدرها في هذا المضمار . أولا لأننا لازلنا نجهل الكثير عن ميكانزمات الجزئيات العصبية المرتبطة فعلا بالذاكرة . كما أنه ليس لدينا لحد الآن سوى فرضيات تم تمحيصها بواسطة مقاربات محدودة وتقنيات جزئية لم تمكننا من تحقيق التوقعات النظرية التي صيغت في جل ميادين علوم الأعصاب وخاصة علوم الأعصاب المعرفية ‎Neurosciences congnitives ويبدو هذا طبيعي لأن ميدان البحث العلمي يتغذى بما هو نظري قبل أن تثبت التجارب صحة أو عدم صحة التوقعات النظرية . فالفرضيات إما أن تعزز وتفسر أو ترفض وتعاد صياغتها وفق المعطيات التي أبانت عدم صحتها . وهذا ما يجعل المعرفة العلمية تبنى انطلاقا ليس فقط على التفسير و التأويل و التنطير بل كذلك على المعطيات التطبيقية التي تعطي للتنظير المصداقية و المتانة المعرفية ، وذلك وفق معايير علمية متفق عليها إبستيمولوجيا .

 

الذاكرة والتعلم

عبد الحكيم السلوم

 

 أهمية دراسة الذاكرة

 

لقد أصبحت مشكلة الذاكرة في النصف الثاني من القرن العشرين من اكثر مشكلات علم النفس العلمية، التي حظيت بالدراسة والاهتمام، وحققت تطوراً عظيماً، حيث تجري دراستها في فروع، ومجالات علمية عديدة بما في ذلك تلك العلوم التي تبدو وكأنها بعيدة عن علم النفس مثل تكنولوجيا الاتصالات، والحاسوب وباستخدام مداخل متنوعة، وقد تمخضت هذه الدراسات عن حجم هائل من الادبيات يقدر بثلث ما كتب وأنجز في ميادين علم النفس كلها.

 ويعود سبب ذلك إلى جملة أسباب من أهمها ما يلي:

1) إن تطور تقنيات الآلات الحاسبة الإلكترونية المرتبطة بنمذجة عمليات الذاكرة، كشف عن مدى تعقد هذه العمليات، فقد كان ينظر إلى عهد قريب إلى الذاكرة على أنها عملية انطباع واحتفاظ واسترجاع بسيط للآثار. أما الآن فقد تبين عدم كفاية ودقة هذه التصورات لذا اصبح الدارسون للذاكرة البشرية ينظرون إلى عمليات التذكر (الادخال) والاحتفاظ (التخزين) والاسترجاع (الاخراج) باعتبارها عمليات معقدة لمعالجة المعلومات والتي يتألف كل منها من عدد من المراحل، وتقترب من حيث طابعها من النشاط المعرفي، الشديد التعقيد والرفيع التنظيم، وهذا التغيير الجذري الذي طرأ على تصوراتنا للذاكرة أدى إلى دراسة بنائها على نحو أدق، وقدم تحليلاً أكثر تفصيلاً لآليات عملها.

2) السبب الثاني الكامن وراء تنشيط الاهتمام بدراسة الذاكرة يعود إلى الانجازات التي حققها التحليل البيولوجي لطبيعة الآثار التي تتركها التأثيرات المختلفة في الذاكرة، حيث سمحت الدراسات البيولوجية التي جرت في المستوى الجزيئي بالتوصل إلى سلسلة وقائع تشير إلى احتمال قيام الحمض الريبي النووي (RNA) بدور حاسم في عمليتي تسجيل وحفظ الآثار، إضافة إلى المعطيات التي تم التوصل إليها في الدراسات التي أجريت في المستوى العصبوني (النيروني) إذ تبين أن التنبيه الذي ينشأ في العصبون يتعرض لتغيرات متلاحقة مما يؤدي إلى تغير فاعلية الخلية العصبية كما يؤدي إلى انتشار التنبيه والاحتفاظ بأثره وفي الوقت نفسه إلى تكون الإشراط الخاص به.

لقد اتاحت هذه الدراسات الدقيقة معرفة العلاقات المتبادلة بين الخلية العصبية والفراء العصبي وحملت معها معلومات جديدة قيمة حول آليات الاحتفاظ بالآثار في الذاكرة. كما أكدت وجود جهاز دماغي متخصص يقوم بوظيفة استقبال وتحليل المعلومات وباجراء مقارنة بين المعلومات الجديدة الواردة وبين المعلومات السابقة المخزونة وقد ساعدت هذه الدراسات على فهم الدور الذي تساهم به هذه العمليات العصبية في عمليات الذاكرة.

 مكانة الذاكرة في حياة الإنسان

الذاكرة هي الخاصية الأكثر أهمية وعمومية للجهاز النفسي لدن الإنسان، التي تمكنه من تلقي التأثيرات الخارجية والحصول على المعلومات، وتجعله قادراً على معالجتها وترميزها وادخالها والاحتفاظ بها، واستخدامها في سلوكه المقبل كلما دعت الحاجة إليها. كما تضمن الذاكرة وحدة وكلية الشخصية. وفي ضوء ما تقدم يمكن القول بأن التعقد التدريجي للسلوك والارتقاء الدائم به يتحقق بفضل تراكم الخبرة الفردية والنوعية والاحتفاظ بهما لا بل أن تكون الخبرة أمراً غير ممكن فيما لو تلاشت صور العالم الخارجي واشارته التي تنشأ في الدماغ بدون أن تترك اثراً فيه ونظراً لأن سلوك الإنسان في كل لحظة من اللحظات، وفي أي موقف من المواقف التي يواجهها، تحدده الخبرة السابقة (الذاكرة) بانواعها المختلفة ومستوياتها المتعددة من خلال تآزرها مع التفكير واستخدامها لطرائقه وعملياته فإنها تحتل مكانة عظيمة في حياة الإنسان وهي العامل الحاسم في تقدمه وتطوره وفي استمرار وديمومة هذا التقدم لأن الإنسان بدون الذاكرة يبدو كما لو أنه (يولد من جديد في كل لحظة) علماً بان دور الذاكرة لا يقتصر على تسجيل وحفظ ما كان في الماضي فقط وإنما يتجلى دورها في كل فعل حيوي نود القيام به في الوقت الحاضرلأن الفعل وجريانه وتحقق أهدافه يتطلب بالضرورة الاحتفاظ بكل عنصر من عناصره لربط كل عنصر بما سبقه وبما سيأتي بعده وبدون مثل هذا الربط، وبعيداً عن الاحتفاظ بوحدة الفعل وبوحدة سلاسل الأفعال ما كان منها وما يجري وما سيكون فإن التعلم والنمو غير ممكنين.

 الذاكرة والتعلم

إن مصطلح الذاكرة (MEMORY) يشير إلى الدوام النسبي لآثار الخبرة ومثل هذا الأمر دليل على حدوث التعلم لا بل شرط لابد منه لاستمرار عملية التعلم وارتقائها. ولهذا فإن الذاكرة والتعلم يتطلب كل منهما وجودالآخر، فبدون تراكم الخبرة ومعالجتها والاحتفاظ بها لا يمكن أن يكون هناك تعلم. وبدون التعلم يتوقف تدفق المعلومات عبر قنوات الاتصال المختلفة وتتحول الذاكرة عندئذ إلى ذاكرة (اجترارية) وتلك علامة مرضية خطيرة.

فإذا كان التعلم يشير إلى حدوث تعديلات تطرأ على السلوك من جراء تأثير الخبرة السابقة فان الذاكرة هي عملية تثبيت هذه التعديلات وحفظها وابقائها جاهزة للاستخدام وهكذا يجمع عدد كبير من الدارسين المعاصرين للذاكرة والتعلم (Smirmow) سميرنوف 1966، (Norman) نورمان 1970، (Klatzky) كلاتسكي 1978، (Hofman) هوفمان 1982 على أن العوامل التي تؤثر في التذكر والاحتفاظ والاسترجاع هي نفسها التي تؤثر في التحصيل والاكتساب، كما أن الشروط التي تسهل التعلم هي نفسها التي تيسر الاحتفاظ وان مستويات التذكر والاسترجاع هي نفسها مستويات التعلم، من وجهة النظر المعرفية.

إن ما ذكر يبرهن أن التعلم والذاكرة مصطلحان متداخلان وفي كثير من الأحيان متطابقان وان كل منهما يستخدم ليعبر عن المصطلح الآخر وليقاس بوساطته، وليدل عليه، ولهذا اصبحا مترادفين تقريباً - ولا سيما في مستوياتهما المتطورة - أو هما تعبيران مختلفان عن جهد متصل واحد، ووجهان لعملية واحدة هي عملية معالجة الاحساسات والادراكات، مروراً بالتصور فالتخيل فالتفكير وباللغة والذاكرة من البدء، وحتى إنجاز عملية المعالجة وتواصلها وما تتمخض عنه من نتاجات سواء أكانت صور (تصورات) ادراكية لأشياء أو حركات أو مواقف انفعالية أو مفاهيم أو قواعد أو مبادئ ونماذج... الخ.

 مستويات دراسة الذاكرة

على الرغم من أن الذاكرة من بين المسائل الكبرى في عدة فروع عملية عريقة ومتطورة مثل: علم النفس، البيولوجيا، التربية، علم الاجتماع... الخ فإنه لا توجد حتى الآن نظرية علمية شاملة للذاكرة البشرية، وإنما يوجد تنوع كبير في النظريات وفي الأعمال التجريبية وفي الموديلات الافتراضية والتطبيقية والتي يعد الحاسوب (الكمبيوتر) إحدى هذه الموديلات التي ما تزال بعيدة للغاية - على الرغم من التقدم المذهل الذي حققته - عن أن تكون موديلاً مناسباً لذاكرة الإنسان، وقد أدى هذا التعدد في تناول موضوع الذاكرة إلى دراستها في عدة مستويات هي:

1) المستوى السيكولوجي.

2) المستوى البيولوجي: أ. المستوى العصبي الفيزيولوجي، ب. المستوى البيور كيمائي.

3) المستوى السبراتي - مدخل النظم.

 عمليات الذاكرة

للذاكرة تعريفات عديدة ومختلفة منها ما يركز على الطبيعة العامة للذاكرة وعلى بعض مراحل عملها كما في تعريف (سوكولوف) للذاكرة من وجهة نظرية المعلومات (هي الاحتفاظ بمعلومات عن إشارة بعد أن يكون تأثير هذه الإشارة قد توقف) ومنها ما يهتم بخصوصية الذاكرة البشرية في مستوياتها الراقية كما جاء في تعريف (بتقليد) (هي ذاكرة المفاهيم والتعميمات والكلمات) ومنها ما يشير إلى الذاكرة من حيث قدرتها على الاحتفاظ بالآثار لفترة زمنية ما قد تكون هذه الفترة شديدة القصر وقد تطول قليلاً ثم قد تمتد لدقائق وساعات وأيام وسنوات وربما مدى الحياة.

الذاكرة هي: (الذاكرة القصيرة الأمد، والذاكرة العملياتية، والذاكرة الطويلة الأمد) ومنها ما يركز على عمليات الذاكرة كما في تعريف (سميرنوف) تكمن الذاكرة في (التذكر والاحتفاظ) وفي التعرف والاسترجاع اللاحقين لما كان قد مر بخبرتنا السابقة) ونظراً لأن النسيان قد يصيب بعض أجزاء الخبرة أو كلها وفي أية مرحلة من مراحل عمل الذاكرة فإنه يمثل برأينا عملية خاصة لكنها تؤدي وظائف مغايرة للعمليات الأخرى فهي تارة تعرقلها وتعطلها وتارة تسهل وتيسر لها فرصاً أفضل للعمل وهكذا... وعمليات الذاكرة مؤلفة من: أ. التذكر، ب. الاحتفاظ، ج. التعرف، د. الاسترجاع، هـ. النسيان.

 التذكر

عملية التذكر هي سلسلة الجهود الهادفة وجملة المعالجات التي يقوم بها الشخص المتذكر منذ لحظة انتهاء مهمة الإدراك وربما قبل ذلك بقصد إعداد موضوع ما لإدخاله بصورة تدريجية إلى الذاكرة الطويلة الأمد والاحتفاظ به من أجل استرجاعه المقبل عن طريق ترميزه(1) بواسطة منظومات رمزية مختلفة ومتعددة المعايير.

ويعد التجميع والتوحيد للانطباعات والآثار في صور مركبة سواء في مرحلة الإدراك أو في مرحلة التسجيل مجرد طور ابتدائي من عملية التذكر. لكن سرعان ما تتحول أو تترجم هذه الصور والمركبات إلى رموز ليتم ادخالها أو ادراجها في منظومة من العلاقات المتعددة المعايير. وبهذا الترميز يتحقق الانتقال من الذاكرة المؤقتة والقصيرة الأمد إلى الذاكرة الدائمة أو شبه الدائمة والطويلة الأمد.

وهكذا يعد الترميز من أهم الخصائص التي تميز الذاكرة البشرية الكلامية المنطقية القائمة على التصنيف والتعميم والتجريد... ويتضح دور الترميز بصورة خاصة عند دراسة تذكر المقاطع أو الكمالات التي لا معنى لها حيث تخفق الجهود غالباً في إيجاد لغة رمزية تترجم إليها مما يؤدي إلى صعوبة ادخالها إلى مستودع الذاكرة وفي حال تذكرها فإن بقاءها هناك يكون لفترة قصيرة وسرعان ما تتعرض للنسيان والتلاشي الكامل لآثارها.

إن معرفتنا للعالم الخارجي أو البيئة المحيطة بنا ليست معرفة مباشرة وإنما معرفة رمزية غير مباشرة. فالمثيرات وشتى أنواع المؤثرات التي نتلقاها ولا نستطيع ترميزها لا يمكن أن تشكل جزءاً من خبرتنا لأنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل ادخالها أو تذكرها احياناً بسبب عجزنا عن معالجتها ونقلها إلى لغة رمزية أو إلى مدرجات أو مستويات رمزية مطردة التجريد والتعميم.

وعملية الترميز التي تؤلف المضمون الأساسي لعملية التذكر قد تجري بصورة لاإرادية وقد تتحقق بطريقة مقصودة وبنية وعزم على بلوغ غرض التذكر. وبهذا الصدد نجد من المناسب التعرض للتذكر اللاارادي والارادي والعلاقة بينهما.

أ. التذكر اللا ارادي:

هو تذكر موضوع أو موضوعات ما دون أن تكون هدفاً مباشراً للنشاط أو السلوك ويتم التوصل إلى هذا النوع من التذكر من خلال ارتباط موضوعه بموضوعات النشاط الارادي المقصود.

حيث لا يكون المقصود من النشاط الارادي الواعي المنظم بلوغ أغراض تذكرية وإنما يكون الهدف عندئذ تحقيق أغراض عملية ومعرفية، ولهذا يعد التذكر اللا ارادي أحد نتاجات النشاط الهادف، ويشغل حيزاً كبيراً وهاماً في حياة الإنسان ويكون الشكل الرئيسي والوحيد للتذكر في مراحل الطفولة الأولى لكنه يتراجع مع النمو ليفسح المجال للتذكر الارادي في المراحل النمائية اللاحقة مع أنه يظل ذا أهمية بالغة في مختلف المراحل العمرية.

التذكر الارادي

هو نتاج الأفعال التذكرية الخاصة أي ثمرة لتلك الأفعال التي يكمن هدفها الأساسي في التذكر وفي هذا تأكيد على أن الشرط الأهم في التذكر الارادي يعود إلى التحديد الدقيق لمسألة التذكر فقد كشفت دراسات عديدة (سميرنوف 1966، لاودس 1972) عن أن اختلاف الأهداف التذكرية يؤثر في جريان عملية التذكر نفسها وفي انتقاء الأساليب المستخدمة وفي النتائج التي يتم التوصل إليها.

وإن استخدام أساليب عقلانية في التذكر الارادي هو أحد الشروط الهامة التي تضمن مردودية عالية له.

ومن بين الأساليب العقلانية المنطقية ذات الأهمية الخاصة في التذكر الارادي نشير إلى أسلوب وضع مخطط للمادة التي يجب أن تحفظ وتختزن. ويشتمل المخطط التذكير بصورة عامة على خطوات ثلاث هي:

1) تجزئة المادة إلى العناصر والاجزاء التي يتألف منها.

2) إعطاء عنوان لكل جزء أو تمييز نقاط استناد فيه بحيث تؤلف رموزاً لمضمونه.

3) جمع وتوحيد الاجزاء انطلاقاً من العناوين أو نقاط الارتكاز.

لقد ساعدت الدراسات والبحوث في مجال سيكولوجية الذاكرة وبخاصة فيما يتعلق بعلاقة الذاكرة بالعمليات المعرفية الأخرى ولا سيما التفكير على إثبات حقيقة وجود علاقة وثيقة بين الذاكرة والتفكير تمثلت في قول أحدهم (نقصد بالتذكر) التفكير بأمر ما كان في خبراتنا السابقة لكننا لم نفكر فيه قبل هذه اللحظة بعبارة أخرى بعد التفكير وسيلة أو أداة للتذكر أي أن عملية التذكر تتشكل وتتكون على قاعدة عمليات التفكير وبالتالي تتأخر عنها مرحلة واحدة، أما الفعل التذكري فيشتمل على مجموعة اطوار أو عمليات هي:

1) التوجيه في المادة ككل أو الفهم العام لها.

2) تقسيم المادة إلى مجموعات من العناصر.

3) تحديد العلاقات بين العناصر في داخل كل مجموعة.

4) تحديد العلاقات بين المجموعات.

 التذكر والتكرار

يلعب التكرار دوراً هاماً في عملية التذكر، وهو حلقة ضرورية في كل عملية تعلمية، وأمر لابد منه لاستكمال مهمة الاستيعاب الشامل والمتعدد المستويات للمواد الدراسية، لكن على الرغم من لزوم التكرار فإن التذكر لا يتوقف على عدد التكرارات قدر ارتباطه بالتنظيم السليم لها. فتنظيم التكرارات لا يقل أهمية عن التكرار نفسه، إذ لا يجوز على سبيل المثال البدء بتكرار المادة بعد نسيان مقدار قليل أو كثير منها كما لا يجوز تكرارها قبل فهمها إلا أن التكرار يكون ذا تأثير إيجابي عندما يكون عقلانياً وفعالاً ولعل من أحسن أشكال التكرار هو التكرار الذي يعتمد على ادخال المادة الدراسية بصورة متقنة في النشاط أو التعلم المقبل. لقد بينت الأعمال التجريبية أن المادة الدراسية التي سبق تعلمها عندما تدخل في منظومة جديدة من المسائل على نحو تكون فيه كل خطوة أو مادة سابقة ضرورية للخطوة أو المادة التالية لها وعندئذ فإن التكرار لأي مادة يتم في كل مرة في سياق جديد وفي علاقات جديدة وفي ظل مثل هذه الشروط للتكرار فإن المعلومات المتكررة يتم تذكرها جيداً ويعاد فهمها من جديد وبالتالي يؤدي التكرار إلى التثبيت والتجديد وإعادة البناء.

ويمكن القول بصورة عامة أن المرور المتكرر للمعلومات في الذاكرة ولا سيما في القصيرة المدى يقوم بوظيفتين.

1) إحياء المعلومات المحفوظة في الذاكرة القصيرة المدى لتجنب نسيانها.

2) نقل المعلومات إلى الذاكرة الطويلة الأمد مما يؤدي إلى رسوخ آثار هذه الذاكرة.

ينظر بعض العلماء إلى التكرار ككلام داخلي أو كلام غير منطوق وهذا ما يشير إليه (سبيرلنغ Sperling 1967) حيث لاحظ المفحوصين أثناء عمليات التذكر يلفظون الأحرف أو الكلمات (سراً) وان الخطأ في اللفظ أو النطق يقود إلى أخطاء في التذكر، لكن هذا النوع من التكرار لا ينطبق إلا على الترميز السمعي في الذاكرة القصيرة المدى.

أما التكرار الذي يقود إلى نقل العناصر من الذاكرة القصيرة المدى إلى الذاكرة الطويلة المدى وإلى رسوخ آثارها فقد تم البرهان عليه في التجارب التي قام بها كل من (راندوس Rundus 1971)، (اتكنسون Atkinson 1970)، ففي إحدى التجارب الخاصة بالاسترجاع الحر عرضت على المفحوصين قائمة كلمات بمعدل كلمة كل خمس ثوان حيث كان على المفحوص أن يتذكر هذه القائمة مكرراً بعض الكلمات جهرياً خلال الخمس ثوان الفاصلة بين كل كلمة وأخرى المفحوص لم يرغم على تكرار كلمات محددة وإنما تركت له حرية اختيار الكلمات التي يود تكرارها وقد تبين أن هناك علاقة بين إمكانية استرجاع هذه الكلمات المنتقاة وبين عدد مرات تكرارها بصوت جهري. لكن (راندوس) يعلق على هذه النتائج قائلاً إن التكرار ليس سبباً كافياً للتذكر الأفضل كما أن التكرار لا يقود حتماً إلى انتقال المعلومات إلى الذاكرة الطويلة المدى. وقد تم التدليل على صحة هذا القول من خلال النتائج التي توصل إليها كل من (كريك Craik 1973) و(ودورد Wodword 1973) وملخصها أن عدد التكرارات لعنصر ما ليس له تأثير إيجابي دائم على الاسترجاع المقبل لهذا العنصر.

 الذكاء والاحتفاظ

إن الدراسات التي أجريت لبيان العلاقة بين الاحتفاظ والكفاءة العقلية كشفت عن أن أصحاب المعدلات الأعلى في الذكاء هم اقدر على التعلم ويحتفظون بمقدار اكبر مما كانوا قد تعلموه من أصحاب المعدلات المتوسطة في الذكاء والأقل قدرة على التعلم والأبطأ فيه، وفي كل المواد الدراسية سواءا كانت فكرية مجردة أم ذات طبيعة ادراكية على شكل صور وحركات أو كانت سلاسل أرقام أو كلمات... الخ. بعبارة أخرى هناك علاقة عكسية بين القدرة على الاحتفاظ والنسيان وسبب ذلك يعود إلى أن أصحاب القدرات العقلية العالية اقدر على الفهم والاستيعاب وهم ميالون إلى أن يكونوا اكثر توسعاً في فاعلياتهم العقلية واهتماماتهم المعرفية ولذلك يتعلمون الكثير من الأمور التي يتعلق بعضها بما يسهل التعلم ويزيد في الاحتفاظ.

قام أحد العلماء بدراسة عن العلاقة بين الذكاء والاحتفاظ في مقرر الكيمياء في المدرسة الثانوية حيث أخذ (80 طالباً) اختبرهم في بداية العام الدراسي وفي نهايته ليقيس الإنجاز وبعد عام أجرى لهم اختباراً آخراً ليقيس مقدار الاحتفاظ.

فوجد ترابطاً قدره (0.51) بين الإنجاز والذكاء كما وجد ترابطاً بين الإنجاز (التعلم) والاحتفاظ قدره (0.70) مما يدل على وجود ارتباط عالٍ نسبياً بين الكمية المتعلمة والكمية المحتفظ بها. وبهذا الصدد نشير إلى أن عدداً من الباحثين يرون أن العلاقة الوثيقة بين الذكاء والاحتفاظ تعود إلى سببين هما:

1) كلما كان المتعلمون اكثر نمواّ وذكاء وخبرة فانهم يتعلمون بصورة أسرع ويحتفظون بقدر أكبر لان التعلم والاحتفاظ هما مظهران من مظاهر الذكاء وان كلاً منهما سبب ونتيجة للآخر.

2) إننا في التعلم والاحتفاظ لا نتعامل مع شيئين مختلفين وإنما مع جانبين لشيء واحد، وبصورة عامة فإن الذكي يتعلم بسرعة وينسى ببطء ويحتفظ لمدة أطول.

 نظم الذاكرة

تشير الدراسات الحديثة في مجال سيكولوجية الذاكرة إلى وجود أنماط متعددة أو نظم مختلفة للذاكرة. لأن استرجاع المعلومات بعد فترات زمنية قصيرة جداً يختلف اختلافاً واضحاً من حيث الكم والكيف عن استرجاع المعلومات بعد فترات زمنية أطول. لذا يميز الباحثون بين أنواع من الذاكرة:

أ. الذاكرة القصيرة المدى.

ب. الذاكرة الطويلة المدى (ميللر Miller 1956 وماندلر Mandler 1967) ومنهم من يشير (مثل نورمان Norman 1974 وايليس Elliset 1979) وآخرون إلى ثلاثة أنماط: المسجل (المخزن) الحي المباشر، الذاكرة القصيرة المدى، الذاكرة الطويلة المدى ويشير آخرون إلى احتمال وجود أنواع أخرى للذاكرة لكن خصائصها غير معروفة حتى الآن لعلماء النفس التجريبيين.

المسجل (المخزن) المباشر للمعلومات الحسية

إن هذا النظام من نظم الذاكرة يحتفظ بالمعلومات التي تتلقاها أعضاء الحواس. أما مدة الاحتفاظ بهذه المعلومات فقصيرة جداً تتراوح بين (0.1 - 0.5) من الثانية ومن الأمثلة على ذلك نذكر ما يلي:

أ. إغلق عينيك ثم افتحها للحظة ثم اغلقها وهكذا فإنك تلاحظ كيف أن الأشياء التي رأيتها تظل واضحة لبعض الوقت ومن ثم تتلاشى ببطء.

ب. إصغ إلى مجموعة أصوات ولتكن فرقعة اصابعك أو صفير صدرك مثلاً ثم لاحظ كيف تتلاشى دقة الصورة الصوتية من وعيك.

ــ الذاكرة القصيرة المدى ــ

وهي نظام الذاكرة الذي يعتمد عليه في سياق حل المسائل أو في أثناء القيام بأية مهمة مؤلفة من حلقات متتابعة، ويتجلى عمل هذا النظام بوضوح عندما يقوم الطالب بتسجيل محاضرة أثناء إلقاء المحاضر لها، أو عند قيام التلميذ باجراء عملية حسابية أو في أثناء صياغته لفقرات معينة. بعبارة أخرى عندما يتعلق الأمر بالاحتفاظ بنتائج بينية (لفترة مؤقتة) يتم التوصل إليها في أثناء حل مسألة ما وتعد ضرورية لإكمال حل هذه المسألة.

على سبيل المثال:

عندما يطلب منك استرجاع فوري لمادة كنت قد قرأتها أو لرقم كنت قد سمعته للتو أو بعد فترة وجيزة من عرضها فإن عليك عندئذ أن تعتمد في استرجاعك على نظام للذاكرة يطلق عليه (الذاكرة القصيرة المدى) وهكذا يعد الاحتفاظ برقم هاتف جديد، أو اسم شارع جديد تسير فيه أو تتجه إليه أو مقطع من جملة وصلت إلى مسامعك منذ برهة، أو مقاطع صوتية من لحن موسيقي توقف فجأة، أو عدد من الكلمات التي فرغت من قراءتها منذ قليل. الخ. إن كل ما ذكر أمثلة للذاكرة القصيرة المدى. شرط ألا يتجاوز حجم أي من المواد المذكورة (ą7) عناصر (ميللر Miller 1956) وهذا الرقم (7+2 أو 7-2) هو الحجم المتوسط للذاكرة الإنسانية القصيرة المدى وهذا معناه أن الشخص العادي يستطيع أن يختزن في ذاكرته القصيرة المدى ما بين 5-9 عناصر أو بنود وهذه العناصر أو البنود يمكن أن تكون اعداداً أو حروفاً أو مقاطع صماء أو كلمات.

وإن سعة الذاكرة القصيرة المدى تظل هي هي، بغض النظر عن المادة ذاتها. أي أن هذه العناصر يمكن أن تكون حروفاً أو كلمات علماً بأن كل كلمة مؤلفة من عدد من الحروف، إن هذه الوضعية تشير إلى أن ما تختزنه الذاكرة القصيرة المدى هو وحدات ذات معنى من المعلومات وليست الجزئيات التي تتألف منها هذه الوحدات.

وإن فترة الاحتفاظ بالمعلومات في الذاكرة القصيرة المدى لا تتعدى عشرات الثواني وفي احسن الأحوال بضعة دقائق.

في ضوء ما تقدم يبدو واضحاً أن استراتيجية معالجة المعلومات التي تتبعها الذاكرة القصيرة المدى تقوم على طريقتين هما:

1) طريقة التكرار

حيث يرى بعض الباحثين أن عملية التكرار ملائمة للنطق غير الصوتي (عقلياً) لأن كل اعادة تؤدي وظيفة الادخال الأول للعنصر نفسه إلى الذاكرة القصيرة المدى. وهذا التكرار يبقي المادة في هذا المخزن (مخزن الذاكرة القصيرة المدى) ككل ويحتفظ بها لفترة قصيرة.

وهناك وظيفة أخرى للتكرار تتصل بالتهيئة والإعداد لانتقال المعلومات من الذاكرة القصيرة المدى إلى الذاكرة الطويلة المدى.

وبهذا الصدد نشير إلى ما ذكره كل من (Shiffrin and Atkinson 1968) ( كلما تكررت المعلومات عدداً اكبر من المرات كلما تم الاحتفاظ بها في الذاكرة القصيرة المدى لفترة أطول، وكلما كان هناك احتمال اكبر لاسترجاعها في المستقبل) ويعني هذا أن عملية التكرار تساعد على ترسيخ المعلومات بصورة عامة وفي أي نظام من نظم الذاكرة بما في ذلك الذاكرة القصيرة المدى.

2) طريقة التصوير السمعي

هناك طريقة أخرى تعتمد عليها الذاكرة القصيرة المدى في الاحتفاظ بالمعلومات وهي طريقة التصوير السمعي. فحتى لو دخلت المعلومات إلى الذاكرة القصيرة المدى على شكل صور بصرية أو لمسية أو سمعية فإنها تترجم أو تحول إلى صور سمعية إذا كانت قابلة أو سهلة التحول إلى ذلك. ولعل السبب يكمن في أن كل خبرات الإنسان تتحول بطريقة أوتوماتيكية إلى كلام. والكلام سر بقاء الخبرة محفوظة إلى (الأبد) وتجدر الإشارة إلى أن العلماء وجدوا بعض الوقائع التي تدعم هذا المنحى في عمل الذاكرة القصيرة المدى، واقعة (الخلط) أو التداخل بين العناصر المتشابهة من حيث الصوت اكثر من الخلط أو التداخل بين الصور الأخرى على اختلافها (Conrad 1964).

أخيراً: على الرغم من أن مصطلح الذاكرة القصيرة المدى يشير إلى انه في اصل هذا النظام من نظم الذاكرة اتخذت الفترة الزمنية التي يستطيع هذا النظام الاحتفاظ فيها بالمعلومات الواردة إليه اساساً لتمييزه.

 الذاكرة الطويلة المدى

هناك فرق جوهري بين استرجاع الأحداث التي وقعت للتو، وبين استرجاع أحداث الماضي البعيد. فالنوع الأول من الأحداث نسترجعه بسهولة وبصورة مباشرة، أما النوع الثاني فهو استرجاع معقد ويتم بصورة بطيئة وباستخدام وسائط مختلفة، فالاحداث التي وقعت للتو ما تزال في الوعي، إنها لم تغادره بعد، بينما استخراج المادة القديمة من الذاكرة الطويلة المدى يتطلب وقتاً وجهداً من بين ركام المعلومات الهائل ويتم بصعوبة بالغة أحياناً. ولهذا يمكن القول أن الذاكرة القصيرة المدى مباشرة وفورية بينما الذاكرة الطويلة المدى هي اكثر نظم الذاكرة أهمية واكثرها تعقيداً وذات سعة كبيرة جداً وبعضهم يقول ذات سعة غير محدودة.

إن ما يتم الاحتفاظ به في الذاكرة الطويلة المدى هو كل ما نعرفه عن العالم من حولنا، إذ بفضل المواد المحفوظة في الذاكرة نستطيع استرجاع حوادث الماضي وحل المسائل المختلفة والتعرف على الصور... الخ.

أو بعبارة أخرى نتمكن من التفكير وبهذا الصدد أشار كل من (بياجيه وانهيلدر) في كتابهما المشترك (الذاكرة والذكاء 1968) إلى أن الذاكرة - ويقصد هنا الذاكرة الطويلة المدى - تخضع لقوانين التفكير وانها تعمل وفق هذه القوانين وهي بدورها تساند التفكير. ذلك لأن كل المعلومات والمهارات الموجودة في أساس القدرات العقلية لدى الإنسان محفوظة في هذه الذاكرة.

إن المعلومات تدخل وتحفظ في الذاكرة الطويلة المدى وفق قواعد محددة إملائية، منطقية، نحوية، ايقاعية... الخ وحسب رأي (بنفليد Penfield 1959) إن كل ما يحتفظ به الإنسان في وقت ما في الذاكرة الطويلة المدى يظل فيها لمدة طويلة جداً. وفي هذه الحالة فإن الذاكرة الطويلة تحتوي على قدر هائل من المعلومات. وربما كان التنظيم والترتيب وفق معايير متعددة الذي تخضع له المعلومات المختزنة، هو الضمانة لبقاء المعلومات بصورة دائمة فيها لأن الترتيب يجعل الوحدات تترابط وتتماسك على أساس معناها المشترك وهو الذي يتيح لنا إمكانية استخراج المعلومات الضرورية والتي نحتاجها من الذاكرة الطويلة المدى خلال وقت قصير بينما ننفق جهوداً مضنية ونمضي وقتاً طويلاً وبلا جدوى إذا كانت المعلومات غير مرتبة وغير منظمة.

وانطلاقاً مما تقدم فإن الموديلات المعاصرة للذاكرة الطويلة المدى معقدة جداً وسبب ذلك يعود إلى تعقيدات الذاكرة نفسها، إضافة إلى اعتبارات خاصة نذكر منها ما يلي:

1) إن استخدام المعلومات المحفوظة في الذاكرة الطويلة المدى مرتبط بحل المسائل وبالاستنتاج المنطقي، وبالاجابة عن الأسئلة، وباستدعاء وقائع وأحداث وأشياء كثيرة.

2) تشتمل الذاكرة الطويلة المدى على معلومات متنوعة إلى اقصى حدود التنوع.

3) الذاكرة الطويلة المدى ذات طابع معنوي وذات ترتيب رفيع المستوى وبعيد عن العشوائية. وفي هذا الصدد يرى العلماء وجود عدة أنواع للذاكرة الطويلة المدى، لكن بعضاً منهم يشير إلى وجود نوعين (تولفينك Tulving 1972) حيث ميز بين الذاكرة المعنوية وذاكرة الحوادث، إذ لكل منهما مخزن طويل المدى للمعلومات لكنهما يختلفان من زاوية طابع المعلومات التي يحتفظ بها كل منهما.

* ففي الذاكرة المعنوية يحتفظ مثلاً بكل ما نحتاجه من أجل الكلام حيث لا يشتمل هذا النوع على الكلمات والتراكيب اللغوية والرموز التي تدل عليها وعلى الموضوعات ومعانيها (الأشياء وأسماءها) فقط، وإنما تشمل كذلك القواعد التي تستخدم وفقها حيث تحفظ فيها ايضاً تلك المواد مثل قواعد النحو، الصيغ الكيميائية، الخصائص الفيزيائية، قواعد الجمع والضرب، ومعرفة أن الخريف يأتي بعد الصيف... الخ. بعبارة أخرى تحتوي الذاكرة المعنوية على جميع تلك الحقائق التي لا ترتبط بأوقات معينة أو بمكان معين وإنما تمثل حقائق عامة.

* أما ذاكرة الأحداث فتشتمل على المعلومات والأحداث التي رمزت في وقت محدد والكيفية التي كانت عليها عند إدراكها وفي أثناء تعلمها وتذكرها. وهذا النوع من الذاكرة الطويلة المدى يحتفظ بأنواع مختلفة من البيانات الخاصة بسير الأشخاص والظواهر والأشياء... لقد سافرت إلى فرنسا في شتاء 1981، تخرج أخي من الجامعة 1978... الخ كما تشتمل على المعلومات التي ترتبط بجريان الحياة اليومية وفق سياق معين.

* إن المعلومات المحفوظة في كلا نوعي الذاكرة الطويلة المدى (الذاكرة المعنوية وذاكرة الأحداث) تطرأ عليها تغيرات هامة أثناء عملية الاحتفاظ بها حيث يعاد تشكيلها وصياغتها أحياناً، وتصبح بعيدة المنال بالنسبة للاستخراج احياناً أخرى. وهنا نشير إلى احتمال تعرض ذاكرة الأحداث للنسيان اكثر من الذاكرة المعنوية. وإلى أن الذاكرة الطويلة المدى تقوم بمعالجة المعلومات المخزونة واجراء بعض التغيرات أو التعديلات عليها بحيث لا تتطابق مخرجاتها (استرجاعها) مع مدخلاتها (التذكر).

أخيراً وفي ضوء كل ما تقدم يمكن وصف الذاكرة الطويلة المدى بأنها عملية الاحتفاظ بالموضوعات التي تم ادخالها إلى الذاكرة من قبل، لمدة طويلة. وتكمن المهمة الرئيسة لها في الاحتفاظ بما هو ضروري في المستقبل. أي أنها ترتبط بتنظيم السلوك خلال فترات زمنية مديدة. ويتطلب ذلك بالضرورة أن تعمل وفق مبدأ التوقع أو الاحتمال حيث تكتسب الخصائص الاحتمالية للمعلومات أو الاشارات المدخلة إليها أهمية فائقة وهذا يعني أن العامل الهام في التذكر والاحتفاظ والاسترجاع هو المضمون المعلوماتي للاشارات والتقارب المعنوي فيما بينها. وبفضل هذه الخصائص تصبح الذاكرة الطويلة المدى نظاماً قادراً على تخزين المعلومات وفق طرائق عقلية عالية التنظيم، وعلى الاحتفاظ بكمية غير محدودة منها ولفترة زمنية غير محدودة أيضا.

 النموذج الشبكي للذاكرة الطويلة المدى

منذ أواخر الستينات من القرن الماضي أصبحت الذاكرة - كما مرّ سابقاً - مادة لبحوث ودراسات كثيرة تمخضت عن تصورات متباينة لآليات عمل الذاكرة ووظائفها ومحتوياتها وقد تجسدت هذه التصورات في موديلات ونماذج عديدة نذكر منها النموذج الشبكي المعنوي الذي أخذ صيغاً مختلفة. حيث يصف هذا النموذج الذاكرة المعنوية الطويلة المدى بأنها شبكة شديدة الاتساع تحتوي على قدر هائل من المفاهيم المتصلة والمتشابكة فيما بينها (براون وماك نيل 1966Neill, Brown) والتي تجعل من هذه المفاهيم حزماً متراطبة وهذا الترابط ليس متماثلاً وغير بسيط، إنه متنوع ويجري في مستويات متفاوتة التقعيد ويمثل هذا الاتجاه الربطي الجديد في دراسة الذاكرة (اندرسن وباور 1973).

إن النموذج الشبكي للذاكرة المعنوية الطويلة المدى يقوم على فكرة رئيسة مفادها أن الشبكات الترابطية تمتلك انتظاماً وتماسكاً إلى أقصى حد ويتوقع من الموضوعات المتقاربة من الناحية المعنوية أن تترابط بقوة في شبكات الذاكرة الطويلة المدى. وبهذا المعنى فإن الذاكرة الطويلة المدى تغاير في عملها وطريقة تنظيمها طريقة تنظيم المعاجم والقواميس. حيث لا توضع الكلمات أو المفردات ذات المعنى الواحد أو المتقارب في نظام بائي معين. ولهذا فإن طريقة المعاجم والقواميس قليلة النفع عند تحديد العلاقات بين المفاهيم.

التمييز بين الذاكرة القصيرة المدى والذاكرة الطويلة المدى

تختلف الذاكرة القصيرة المدى عن الذاكرة الطويلة المدى في نواح عديدة نذكر أهمها فيما يلي:

1) الذاكرة القصيرة المدى تحتفظ بالمعلومات لمدة قصيرة بينما تحتفظ الذاكرة الطويلة المدى لمدة طويلة بها.

2) الذاكرة القصيرة المدى سعتها محدودة لا تتعدى (ą7 وحدات) بينما سعة الذاكرة الطويلة المدى غير محدودة.

3) المعلومات أثناء وجودها في مخزن الذاكرة الطويلة المدى أقل تأثراً بالمدخلات الجديدة من المعلومات المحفوظة في الذاكرة القصيرة المدى، نظراً للتباين الشديد في طريقة معالجة المعلومات من قبل كل منهما.

4) نوع التداخل الذي يسبب النسيان في حالة الذاكرة القصيرة المدى يختلف عن النوع الذي يسبب النسيان في حالة الذاكرة الطويلة المدى. فالأشياء التي تتداخل في الذاكرة القصيرة المدى هي تلك التي تتشابه من الناحية الصوتية، أما التداخل في الذاكرة الطويلة المدى فناجم غالباً عن التشابه القائم على المعنى.

5) الذاكرة القصيرة المدى تسترجع المعلومات متبعة طريقة الفحص المتتابع بينما تسترجع الذاكرة الطويلة المدى مستخدمة طريقة التقابل.

6) يختلف نمطا الذاكرة (القصيرة والطويلة) فيما بينهما من حيث الآليات التي تعمل في حالة كل منهما. وقد قدمت معطيات فيزيولوجية وعصبية لتأكيد هذه الفرضية ففي عام (1959) وصفت (برندا ميلنر Brenda Milner) عدداً من الظواهر التي لاحظتها لدى بعض الأشخاص بعد اصابتهم بتلف في منطقة من المخ تدعى (قرن آمون) وجملة هذه الظواهر المرضية أصبح يطلق عليها (لزمة ميلنر) فالمصاب بلزمة ميلنر غير قادر على استرجاع المواد الجديدة التي تعلمها منذ وقت قصير بينما يظل قادراً على استرجاع المواد والمعلومات التي كان قد اكتسبها في الماضي البعيد أو قبل تلف هذا الجزء من الدماغ.

على سبيل المثال بوسع المصاب استدعاء المعلومات التي تعرض عليه مباشرة، وبوسعه الاحتفاظ بها لبضعة دقائق إذا ما أتيحت له الفرصة لاعادتها المرة تلو الأخرى وبدون انقطاع. وهذه الوقائع تشير إلى أن المصاب بلزمة ميلنر يمتلك ذاكرة طويلة المدى وكذلك ذاكرة قصيرة المدى لكنها تؤكد من جهة أخرى احتمال اصابة وتعطل (الحلقة الواصلة) بين الذاكرة القصيرة والطويلة مما يحول دون انتقال المعلومات من الذاكرة القصيرة إلى الذاكرة الطويلة.

ولعل هذه الفروق الهامة بين نظامي الذاكرة دفعت بعض العلماء للقول بوجود نظام ثنائي للذاكرة مدعم بشواهد سيكولوجية وفيزيولوجية وعصبية، وهو ما يتيح لنا التأكيد على أن عملية حفظ المعلومات وبخاصة في الذاكرة الطويلة المدى لا تشبه ابداً التصوير المطابق للأصل أو البصمات الثابتة نظراً لأن المعلومات تتعرض في أثناء فترة الخزن لتغيرات وتحولات متنوعة وتصبح بالتالي اكثر عمومية وهيكلية، لكنها مع ذلك تظل متمايزة عن المعلومات الجديدة والواردة حديثاً إلى الذاكرة.

 

 

فقدان الذاكرة (Amnesia):

 


فقدان الذاكرة أو فقد الذاكرة هو عجز الإنسان وافتقاده لمهارة استرجاع شريط ما مر به من أحداث في حياته أو التعرف على مجريات الأمور التي تدور أمامه، وقد يحدث ذلك نتيجة لتعرض خلايا المخ للتلف نتيجة لمرض أو صدمة نفسية أو حادثة وتتعدد أنواعها ما بين الذي يتم فجأة أو تدريجياً, مؤقتاً أم بصفة دائمة ويعتمد ذلك على الأسباب التي منها:

-  التقدم في السن.

- الإصابة بمرض النسيان.

- إصابات الرأس.

- الهستريا.

إدمان الكحوليات.

- إجراءات عمليات جراحية بالمخ.

- أخذ مواد تخديرية (بنج) يحتوي على: إيزوفلورين, فينتانل, هالوثان.

 

 

 

بامكان المسنين تحسين ذاكرتهم


 

BBC

بإمكان المسنين تحسين ذاكرتهم باتباع تمرينات عقلية بسيطة.

ومن المعروف ان التقدم في السن يضعف الذاكرة، ولكن البحث العلمي الحديث يقول ان هذه العملية يمكن وقفها جزئيا.

وقد اكتشف علماء أمريكيون ان المسنين لا يستطيعون استعمال أجزاء من الدماغ لها علاقة بالذاكرة.

واظهر البحث ان التمارين العقلية يمكن ان تشجع المسنين على استعمال هذه الأجزاء من الدماغ لتحسين الذاكرة.

ويقول راندي بكنر، الباحث في مقالة نشرها في مجلة "نيورون": نعرف منذ زمن طويل ان التقدم في العمر ترافقه صعوبات في التعلم.

وتظهر الأبحاث ان فقدان القدرة العقلية على التعلم يعود سببه جزئيا إلى التراجع في استعمال القشرة الدماغية الأمامية، وهي الجزء من الدماغ المسؤول عن الحالة الفكرية للشخص.

ويقول الباحث بكنر ان المسنين يظهرون من أعراض التراجع في التعلم ما يظهره الأشخاص الذين يعانون من إصابات في القشرة الدماغية الأمامية.

وضع بكنر اختبارا يطلب فيه من المسن ان يتذكر سلسلة من الكلمات.

وتقدم للاختبار 62 شخصا كان أصغرهم سنا في العشرينات من العمر واكبرهم في السبعينات والثمانينات من دون أي أعراض لاضطرابات عقلية.

واثناء الاختبار تم تصوير أدمغة الأشخاص تصويرا مغنطيسيا دقيقا لوضع خريطة لتدفق الدم في أجزاء معينة من الدماغ.

واكد البحث نتائج أبحاث أخري تفيد بان المسنين لا يستعملون القشرة الدماغية الأمامية في العمليات العقلية كما يفعل صغار السن.

وحاول الباحثون تصحيح ذلك بان طلبوا من المسنين ممن تقدموا للاختبار ان يصنفوا الكلمات في فئتين: الكلمات الحقيقية والكلمات المجازية.

وقال بكنر: "عندما فعلنا ذلك تبين ان هناك زيادة في استعمال الجزء الأمامي من الدماغ وبالتالي كان هناك تحسن في الذاكرة. ونحن نعتقد ان هناك أملا اكبر مما كنا نعتقد في تحسين الذاكرة مع التقدم في السن."

ويعمل بكنر وفريقه الآن على وضع اختبارات وتمرينات من شأنها ان تجعل تدريب الذاكرة وتحسينها أمرا ممكنا وفعالا.

وقالت متحدثة باسم الفريق الباحث: "إننا نكشف الغطاء عما يجري في الدماغ. ان الكثيرين يشعرون بالقلق من تراجع ذاكرتهم مع التقدم في العمر، وإذا استطعنا ان نعرف ما يجري في الدماغ فان ذلك سيكون الخطوة الأولى نحو مساعدة المسنين في تحسين ذاكرتهم."

 

الذاكرة تضعف في العشرينيات
 

 BBC


 


توصل علماء أمريكيون إلى أن ذاكرة الإنسان تبدأ في الضعف وهو في منتصف العشرينيات من العمر

ولا يدرك الشباب عادة أن ذاكرتهم بدأت تضعف وأنهم أصبحوا ينسون الأسماء وأرقام التليفونات، لكن العلماء من جامعة ميتشيجان يقولون إن ضعف الذاكرة يكون قد بدأ عندهم بالفعل

ويقولون إن تنشيط الذاكرة يمكن أن يفيد في إبطاء عملية ضعف الذاكرة

وقالت دينيس بارك عالمة النفس التي تشرف على مركز الشيخوخة والإدراك في معهد البحث الاجتماعي التابع للجامعة إن الشباب في العشرينيات والثلاثينيات من عمرهم لا يلاحظون ضعف ذاكرتهم على الرغم من أنها تضعف بنفس المعدل الذي تضعف به ذاكرة من هم في الستينيات والسبعينيات من العمر

وتفسر ذلك بأن عدد خلايا مخ الشباب أكبر من تلك الموجودة في مخ المسنين

تنشيط المخ

لكنها شددت على أن تنشيط المخ ضروري حتى تعمل الذاكرة بصورة جيدة

وأضافت أن الإدراك هو نتيجة مباشرة لنشاط المخ وبناءه، مثلما ترتبط صحة القلب بالقدرة على أداء التدريبات والقيام بالمهام العضلية

وتابعت بارك قائلة إن من المحتمل العثور على طريقة لتحسين وظائف المخ المتقدم في السن مثلما تساعد الأنظمة الغذائية والتمرينات أجسامنا على البقاء في حالة صحية

وقالت إن دراستها أظهرت أيضا أن المسنين أكثر عرضة للإصابة باضطرابات في الذاكرة عن الأجيال الأصغر سنا

فاحتمالات أن يتذكر المسنون من الرجال والنساء معلومات طبية كاذبة، مثل المزاعم بأن غضاريف الحوت تعالج التهاب المفاصل، على أنها معلومة صحيحة كبير

في حين يتذكر الشباب أنهم سمعوا مثل تلك المزاعم لكنهم يتذكرون أيضا أنها كاذبة

وأجرى الفريق الأمريكي دراسة على أكثر من ثلاثمئة وخمسين رجلا وامرأة تتراوح أعمارهم بين عشرين وتسعين عاما. ومن المتوقع أن تقدم نتائج الدراسة في جمعية علم النفس الأمريكية في وقت لاحق هذا الشهر

وتستخدم بارك تكنولوجيا مثل صور الرنين المغناطيسي لدراسة ما يحدث في المخ في جميع المراحل العمرية المختلفة

دراسة بريطانية

وقالت فيليشيا هوبرت دكتورة علم النفس في جامعة كيمبريدج إن دراسة قومية أجريت في المملكة المتحدة عام 1987 توصلت لنفس النتيجة

وأجريت الدراسة التي أطلق عليها اسم الصحة وأسلوب الحياة، على أكثر من سبعة آلاف شخص يتراوح عمرهم بين 18 و96 عاما

لكن هوبرت شددت على أن النتائج ترتبط بشدة بالطريقة التي ينشط بها الناس ذاكرتهم. وقالت إن الذاكرة مثلها مثل أي عضو آخر تحتاج لمن يستخدمها. وبالنسبة للشباب يبدأ ضعف الذاكرة عندهم عندما يتوقفون عن التعلم أو يتوقفون عن الذهاب إلى المدرسة

وأضافت أنه يمكن أن تكون ذاكرة شخص في السبعينيات أو الثمانينيات من العمر أقوى ممن هم أصغر سنا لأنه يقوم بتنشيط ذاكرته

 

مخدر النشوة يضعف الذاكرة
 

 
BBC


 


توصل باحثون إلى أن مخدر النشوة (إكستاسي) الشائع استخدامه بين شباب البلدان الغربية في النوادي الليلية، يؤدي إلى تلف بالذاكرة

ووجد الباحثون أن متعاطي المخدر أو الذين كانوا يتناولونه في الماضي، يكون أداؤهم سيئا في الاختبارات التي تتعلق بقوة الذاكرة

وقد أُجريَتْ هذه الاختبارت، التي نُشِرت نتائجها في مجلة علم النفس البريطانية، من طرف فريق باحثين من كلية إيدج هيل للتربية في أورمسكيرك ببريطانيا

وقد عمد الفريق خلال إجراء البحث إلى تقسيم الأشخاص إلى فئة ممن لم يتناولوا هذا المخدر قط، وفئة تتعاطاه، وأخرى ممن كفَّت عن تناوله

وشملت الاختبارات "تشغيل الذاكرة" عبر القيام بأعمال عادية كشرح مضمون معلومات بصرية او سمعية أو فهم اللغة

أخطاء

وقد تبين أن من يتناولون مخدر الإكستاسي أو سبق لهم أن تعاطوا لها، يرتكبون أخطاء أكثر حين يعملون تحت ضغط ضيق الوقت

ويقول الدكتور الباحث فيليب مورفي: إن الأداء الضعيف الذي سجلناه عند متعاطي الإكستاسي السابقين يثير المخاوف من أن هذه المادة تكون لها انعكاسات طويلة الأمد ولا يمكن علاجها

غير أن المتعاطين السابقين للإكستاسي أظهروا يقظة ذهن أكثر من أولئك لا يزالون مواظبين عليه

 

خمس عادات يومية لتحسين الذاكرة
الملــــل يصيبــــك‏..‏ بالنسيــــان

كتبت: أميرة صلاح هلال
كلنا ننسي ولكن بدرجات متفاوتة‏...‏ فكم من مرة سألتك صديقتك ماذا أكلت بالأمس؟
ولم تسعفك ذاكرتك علي التذكر‏..‏ وكم من مرة احترق منك الطعام أثناء طهوه لأنك نسيت انك وضعت الإناء علي النار‏..‏

والآن اسألي نفسك هل تعيشين حياة سهلة بسيطة أم حياة معقدة ومملة؟‏.‏
فالدراسات اكدت ان الملل قد يؤدي الي النسيان وان اسلوب الحياة السهل البسيط البعيد عن الملل بامكانه أن يحسن من قدرتك علي استعادة واستدعاء الأحداث الماضية سريعا من الذاكرة‏.‏

وتقول د‏.‏هبة عيسوي استاذ الصحة النفسية والعصبية بطب عين شمس‏,‏ إن الحياة المملة الرتيبة التي تسير علي وتيرة واحدة‏,‏ يفتقد فيها الانسان الرغبة في الابتكار والابداع‏,‏ حيث إن قضاء وقت طويل دون بذل نشاط جسماني‏,‏ يؤدي لتدفق افكار متلاحقة‏,‏ كما لوكانت شريطا من الذكريات يستدعي حوادث مؤلمة‏,‏ ويسترجع ضغوط الحياة اليومية ومشكلاتها التي يصعب حلها‏,‏ والاستغراق في هذه الأفكار يثقل الانسان جسمانيا فلا يتذكر ما مر به في يومه من احداث بسيطة نتيجة لانشغاله بتلك الأفكار غير الإيجابية‏.‏
وينصح المتخصصون بخمس عادات يومية فعالة لتحسين الذاكرة وهي‏:‏

*‏ دللي نفسك‏..‏ حسني مزاجك‏:‏
عن طريق اشباع رغباتك من الشيكولاتة والنسكافيه‏,‏ فخبراء دراسة الذاكرة ينصحون بقليل من الشيكولاتة والنسكافيه يوميا فهما يساعدانك علي تذكر المعلومات بصورة أفضل بشرط اختيار النوع الصحيح منهما‏,‏ فالشاي الأخضر يجعلك أكثر يقظة مما يسهل عليك عملية استيعاب وتخزين معلومات جديدة‏,‏ لكن د‏.‏ جنيف فيكتوروف مؤلف كتاب‏SavingYourBrain(‏ انقاذ ذاكرتك‏)‏ واستاذ طب الأمراض العصبية بجامعة كاليفورنيا الأمريكية‏,‏ ينصح بعدم شرب الشاي مضافا اليه الحليب‏,‏ لأنه يعوق عملية امتصاص المواد المضادة للأكسدة الموجودة في الشاي والتي تعوق عملية تدمير خلايا المخ‏.‏
كما ينصح باختيار الأنواع الغامقة من الشيكولاتة والتي تحتوي علي الأقل علي‏60%‏ كاكاو‏,‏ وايضا تحتوي علي مركب بروكياندين الذي يعمل كمضاد للأكسدة والالتهاب‏(‏ وهما سببان لشيخوخة الدماغ‏)‏ ويحسن البروكياندين من الذاكرة عن طريق تحسين الدورة الدموية‏,‏ التي يحصل المخ عن طريقها علي المواد الغذائية والاوكسجين اللازم له‏.‏

*‏ احصلي علي قسط كاف من النوم‏:‏
عند حصولك علي قسط جيد من النوم ليلا يعمل مخك بصورة أفضل فتتذكرين أكثر وأسرع‏..‏
فخلال النوم يقوم المخ باستعراض التجارب التي مرت عليه خلال النهار‏,‏ فتقوي وصلاته العصبية مما يسهل عليك عملية تذكر هذه التجارب في اليوم التالي‏.‏

كما يعتقد العلماء أن المخ يقوم بأضعاف بعض الوصلات العصبية القوية أثناء الليل‏,‏ حتي يفسح مجالا للمعلومات الجديدة للدخول‏,‏ بمعني أن المخ يحرق مالا نحتاج اليه من المعلومات والاحداث‏.‏
ويقول د‏.‏ماركو فرانك استاذ علم الأعصاب بجامعة بنسلفانيا أن معظم الناس يحتاجون الي‏8‏ ساعات علي الأقل من النوم ليلا ليحافظوا علي ذاكرة قوية‏.‏
فاذا لم تستطيعي الحصول علي هذا العدد من الساعات فيمكنك تعويضه عن طريق التمرينات الرياضية والحمام الساخن‏,‏ فهما يرفعان حرارة الجسم‏,‏ ويساعدان علي اطلاق الهرمونات‏,‏ ولكن عليك التأكد من اتمام ذلك قبل النوم بساعتين حتي لاتصابين بالأرق‏.‏

*‏ واظبي علي أداء التمرينات الرياضية‏:‏
لايوافق الخبراء علي أن تمرينات الأيروبكس تحس من نوعية نومك فقط‏,‏ لكنها تعمل ايضا علي تحسين ذاكرتك‏.‏
ففي أي وقت تمارسين فيه تمرينات رياضية معتدلة مثل المشي السريع يتدفق الدم الي مخك اكثر من المعتاد‏,‏ فيحصل علي مادة غذائية واوكسجين اكثر‏,‏ يساعدان الاعصاب علي العمل بنجاح‏,‏ وتقول د‏.‏هبة العيسوي ان تمرينات الايروبكس تحسن الذاكرة عن طريق تخفيف الضغط العصبي والاجهاد والملل‏.‏

لأنه عندما تنتابك هذه المشاعر يطلق الجسم هورمونات مثل الكورتيزول الذي يزيد طاقتك ونشاطك لمساعدتك علي مواجهة ظروفك بتحد‏,‏ وهذه الهورمونات تنتقل إلي مخك لتضعف مركز الذاكرة‏.‏ وهذا الهورمون اذا تعرض الجسم لمستويات عالية منه لعدة أيام‏,‏ يدمر خلايا المخ في مركز الذاكرة‏,‏ لكن التمرينات الرياضية تساعد الجسم علي التخلص من الضغط العصبي والاجهاد والملل‏,‏ وبذلك يقل مستوي الكورتيزول‏.‏
معظم الخبراء ينصحون بـ‏30‏ دقيقة من التمرينات الرياضية المعتدلة مثل المشي أو ركوب الدراجة يوميا‏.‏

*‏ اختاري دهونا مفيدة لصحتك‏:‏
نحتاج جميعا لتناول الدهون بصفة دورية لنصون طاقة وقوة مخنا‏,‏ وأفضلها لذاكرتك أوميجا‏3‏ وهو حمض دهني ومضاد للاكتئاب موجود في السمك وزيت السمك وبذور الكتان وفول الصويا وزيت الجوز‏.‏
والسمك أفيدها جميعا لوظائف الدماغ‏,‏ خصوصا الأسماك الدهنية مثل السلامون والسردين‏,‏ وينصح بها‏4‏ مرات اسبوعيا‏.‏
وعلي الجانب الآخر يقول الخبراء ان أسوأ شيء للذاكرة هو الدهون الناتجة عن الزيوت المهدرجة والموجودة بكثرة في رقائق وشرائح البطاطس المقلية والمخبوزات والعجائن التي تحتوي علي السمن الصناعي والزبد‏,‏ فهي تسبب ضيق الأوعية الدموية الذي ينتج عنه قلة في تدفق الدماء للمخ‏,‏ كما تقلل مستوي كوليسترول‏HDL‏ وهو الكوليسترول الجيد الذي يمنع انسداد الأوعية الدموية‏.‏

*‏ ضعي مخك في حالة تحد دائم‏:‏
كلما كانت وظيفتك عقلانية وفكرية ومثيرة ومنبهة‏,‏ عمل مخك بصورة أفضل خلال حياتك‏,‏ ومع ذلك لا تيأسي اذا كانت وظيفتك مملة مضجرة وباهتة‏.‏فهناك دراسات تقترح تعزيز قوي مخك عن طريق تبني هوايات تعتمد علي الفكر والتحدي‏,‏ مثل الكلمات المتقاطعة والقراءة‏..‏ وتحدي مخك يحول دون تلفه وتدهوره‏,‏و ذلك عن طريق تقوية الوصلات العصبية التي تستعملينها باستمرار‏,‏فبقدر تعريض مخك لحالات من الإثارة والتحدي بقدر ما تنمو وصلاتك العصبية‏,‏ ولكن هناك نظرية اخري تقول‏:‏ أن هذه الوصلات العصبية تموت بغض النظر عن أن مهنتك مملة أو مثيرة ولكن اثارة المخ فكريا تنشط وصلات اخري لتعوض هذا التلف‏.‏ لهذا عليك اختيار هوايات تحفز اجزاء من مخك لا تستعملينها في عملك لأنك بذلك تبنين وصلات بين هذه الأعصاب التي قلما تستخدمينها‏.‏ ويقول دكالسا رئيس مؤسسة الزهايمر‏:‏ إن أفضل شيء لمخ من لديه وظيفة فكرية‏,‏ أن يذهب الي البيت بعد أن ينتهي من عمله ليعزف الموسيقي‏,‏ أو ليتمشي بين الطبيعة‏.‏