التقرير السياسي للمؤتمر

 حفلت السنوات التي انقضت على انعقاد المؤتمر الوطني الخامس لحزبنا (1993) بالتطورات الهامة في أوضاع البلاد الداخلية، وفي المواقف الإقليمية والدولية المتصلة بالشأن العراقي، وفي الأوضاع العربية والدولية عامة.

وشملت التطورات الداخلية مختلف جوانب حياة الشعب وأحوال البلاد، وزادتها تدهوراً، ودفعت بالعراق أكثر وأكثر الى شفا كارثة عامة شاملة وهي نجمت أساساً عن بقاء النظام الدكتاتوري بنهجه الإرهابي العدواني المدمر اللامبالي إزاء مصير الشعب والوطن، متسلطاً على البلاد، رغم اشتداد عزلته وتعمق أزمته، وعن تواصل الحصار الاقتصادي الدولي المفروض على الشعب منذ سبع سنوات، والذي تستثمر الدكتاتورية عواقبه المريعة على المستوى المعيشي بوجه خاص، لحماية حكمها المكروه وإدامته، ولقمع مظاهر التحدي والمقاومة الجماهيريين المتناميين ضدها.

ولكي يمكن فهم جوهر ما جرى ويجري وادراك مغازيه العميقة، والوصول الى استنتاجات سليمة تتيح تدقيق سياسة الحزب واغناءها لتكوين في مستوى المهام التي تنتظرنا على اعتاب القرن الحادي والعشرين، لابد من التوقف عند التطورات المذكورة، وفحصها بمسؤولية وتحليلها بموضوعية تامة.

 

اولاً: ازمة النظام السياسي وطبيعة السلطة

يعيش النظام ازمة سياسية واقتصادية واجتماعية واخلاقية تزداد استفحالاً كل يوم.

فإلى جانب عزلته عن الشعب واشتداد الصراعات في صفوف الطغمة الحاكمة واستمرار الانتقاض من السيادة الوطنية وفقدان النظام اية مصداقية داخلياً وعربياً ودولياً، تتواصل الضائقة المعيشية والتدهور المريع في الوضع الاقتصادي وانخفاض قيمة الدينار والتضخم المفرط والبطالة الواسعة، وغيرها من الظواهر الناجمة عن سياسة النظام المقامرة الطائشة التي بددت ثروات الوطن الهائلة على التسلح الواسع ومغامرات العدوان على ايران وغزو الكويت بالاضافة الى الحرب الظالمة ضد الشعب الكردي والحملة الدموية ضد جماهير الشعب في الاهوار كجزء من الارهاب الشامل لمجموع الشعب العراقي، وما نجم عن ذلك كله من دمار واسع في جميع مرافق الحياة الاقتصادية والمدنية، واغراق البلاد بالديون، الى جانب الحصار الجائر الذي مضى عليه ما يزيد على سبع سنوات.

وتمثل طبيعة وممارسات السلطة في بلادنا محور واساس المحنة العميقة التي يعاني منها شعبنا، وتشكل عاملاً رئيساً في جميع الازمات والكوارث التي تعرض ويتعرض لها، بجميع قومياته وفئاته الاجتماعية والدينية والمذهبية.

وقد طرأت على طبيعة النظام وسلطته بإعتبارها – حسب استنتاج المؤتمر الوطني الخامس للحزب- سلطة "برجوازية كبيرة بيروقراطية وطفيلية ، اقامت دكتاتورية من نمط فاشي شمولي "يقف على رأسها صدام حسين" تغيرات تمثلت في تضاؤل قاعدتها الاجتماعية، واستئثار مجموعة صغيرة تضم في الاساس العائلة الحاكمة وعدداً من العوائل المحيطة ذات الثروة والنفوذ، وكبار المسؤولين في الحزب والحكومة والقوات المسلحة، وتجار الحرب والحصار بالنصيب الاعظم من الثروة الاجتماعية والنشاط السياسي والاقتصادي.

واقترن ذلك بتدمير كبير للفئات الوسطى بفعل ما ادى اليه غزو الكويت وفرض الحصار من حرمان البلاد من المواد النفطية الكبيرة، وهي عصب حياتها الاقتصادية، وفقدان النظام الكثير من مصادر قوته الاقتصادية والسياسية الامر الذي جعل رؤوسه يستحوذون تماماً على ما تبقى منها ويقطعون شريان الحياة عن كل من وما لا يخدم مصالحهم المباشرة واولها تأمين بقاء نظامهم.

ونتيجة لهذا تعمقت ايضاً القطيعة بين الشعب والسلطة وبدات واتسعة عملية التفكك في اجهزة الدولة، بينما استمرت الصراعات في صفوف الزمرة الحاكمة، وامتدت الى داخل عائلة الدكتاتور التي اصبحت القائدة الفعلية للسلطة.

ان السلطة القائمة هي دكتاتورية فردية استبدادية مطلقة ذات طبيعة شوفينية تعتمد اساليب فاشية وممارسات طائفية في الحكم، وتتسم بنزعة عدوانية توسعية ازاء الاشقاء والجيران.

ويحكم الدكتاتور البلاد بواسطة اجهزة الامن والمخابرات التي يقودها افراد عائلته، وطغمة محدودة من قيادة حزبه ونظامه.

والى جانب تعزيز قبضة الاجهزة الخاصة، عمدت السلطة منذ عام 1995 الى اقامة تشكيلات جديدة موازية لاجهزة الجيش والامن والحزب ذات طابع عسكري.

كما عملت، في اطار سعيها لترميم قاعدتها الاجتماعية الاقتصادية بعد التأكل الذي لحق بها في السنوات الاخيرة، على تحويل الفئة المسماة " اصدقاء صدام" من حملة انواط الشجاعة المزعومة والاوسمة، الى فئة متميزة ليس فقط بما تغدق عليها من رواتب ومخصصات ،وإنما ايضاً بما خصتها به من امتيازات كبيرة تتيح لها الاثراء غير المشروع على حساب اموال الدولة. كما عمل النظام على استمالة رؤساء العشائر وتلفيق "شيوخ" و"رؤساء" ومنحهم الهبات والرشاوي. غير ان جهوده هذه لم تسفر عن حصيلة جدية.

ان اشتداد عزلة النظام والتسابق على كسب المغانم ونهب ثروات الشعب، وعلى مراكز السلطة والنفوذ، شدد الصراعات داخل العائلة الحاكمة وادى الى تقليص نفوذ الاخوة غير الاشقاء لصدام وابناء العمومة، لمصلحة ولديه عدي وقصي وصهريه. ولم يقف الصراع عند هذا الحد، بل استمر حتى داخل هذه الدائرة الضيقة، واسفر عن هرب وتصفية حسين كامل ومن معه، وهو امر ادى ويؤدي الى مزيد من التصدع وتفاقم الصراعات داخل العائلة، وعزلة صدام حتى في تكريت نفسها. ومن ناحية اخرى جاءت محاولة اغتيال عدي لتكشف بصورة اوضح مدى عزلة النظام، وإمكانية اختراق اجهزته الامنية والقمعية ومدى كراهية الشعب له.

وكشف ذلك كله من جديد، وبوضوح اكبر، الطابع الدموي للحكم وافتقاده اية شرعية، وعدم امكانية الوثوق بأية التزامات يأخذها على نفسه او وعود يقطعها للآخرين. الامر الذي ينبغي اخذه بنظر الاعتبار من قبل كل الجهات التي تتعامل او تنوي التعامل معه، دولاً كانت او احزاباً سياسية او شخصيات، اذا لم ترد ان تكون ضحية لدمويته وغدره.

 

الجيش والقوات المسلحة

سعى النظام الدكتاتوري منذ عام 1968 الى تشويه العلاقة وضرب عرى التضامن والتلاحم بين الشعب والجيش. وضمن مسعاه لما اسماه الجيش العقائدي حول الجيش من مهماته في الدفاع عن الوطن، الى اداة قمع وارهاب ضد ابناء شعبنا وزجه في حربين عدوانيتين ضد ايران والكويت ، الى جانب حربه الداخلية ضد الشعب الكردي وجماهير الانتفاضة والاهوار. وخلال ذلك قام بتصفية وابعاد اعداد كبيرة من قادته وضباطه ومراتبه بحجج واهية ، وما زال يواصل سياسة البطش بالعناصر الشريفة بالجيش النظامي ، وهدر كرامة منتسبيه وافقارهم ، وتعميق الهوة بين الشعب والجيش، والتنكيل المتواصل بالمعارضين والمتذمرين في صفوفه، الذين يقفون ضد سياسة ومغامرات صدام حسين الطائشة.

ولم يكتف النظام بعسكرة المجتمع وصرف المليارات على التسلح، وتصنيع اسلحة الدمار الشامل، وتمزيق بنية الجيش واوصاله واجباره على حماية اركان السلطة ،وتحويله الى ادارة قمع لتحقيق رغبات وطموحات الطاغية، لمواجهة تنامني وتصاعد معارضة الكثيرين من قادته ومراتبه ،وتزايد هروب الضباط والجنود والتحاق ضباط كبار في صفوف المعارضة لم يكتف بكل ذلك ،بل وتحسباً للدور الذي يمكن ان يلعبه الجيش النظامي مستقبلاً في مصير الدكتاتورية ، عمد صدام حسين الى ايجاد تشكيلات عسكرية وشبه عسكرية موازية ، كالحرس الجمهوري الخاص، وقوات الطوارىء ،والامن الخاص، وفدائيي صدام، وصرف عليها مبالغ طائلة ،وسلحها اكثر من قوات الجيش النظامي، واغدق عليها الامتيازات لتشكل القوة الظاربة الاساسية للدفاع عنه وعن نظامه ضد شعبنا، كما حدث في القمع الوحشي لانتفاظة اذار 1991 المجيدة.

وفي الاونة الاخيرة جرى الاعلان عن عزمه على تشكيل وحدات عسكرية جديدة بأسم “جيش ام المعارك” للقيام بالمهمات القمعية ذاتها.

هذا في الوقت الذي تتفاقم فيه الضائقة المعيشية لمنتسبي بقية القوات المسلحة ،وخاصة الجيش ،شأن غالبية ابناء الشعب .

ان اتساع التذمر والسخط والمعارضة في صفوف الجيش والقوات المسلحة الاخرى، ينبغي توضيفها في المساعي المبذولة لتوحيد كل قوى الشعب في النضال ضد الدكتاتورية، التي يتطلب اسقاطها ضمان قوة مسلحة ضاربة ،سواء جرت عملية الاسقاط عبر انتفاضة شعبية او هبة جماهيرية عفوية او تمرد عسكري، او بتظافرها معاً.

ومن اجل ذلك يتوجب العمل على كسب وتعبئة منتسبي القوات المسلحة وهم في غالبيتهم من ابناء العمال والفلاحين والكادحين، في النضال لاسقاط الدكتاتورية.

ومن جانب اخر فإن التطورات التي طرأت على الجيش والقوات المسلحة في السنوات الاخيرة ، تستوجب العمل على استبعاد الوصاية الدولية عن المؤسسة العسكرية ومنع تكريسها كاداة معادية للمصالح الوطنية.

وهذا ما يجب النضال من اجله، لكي ينهض الجيش، بعد الخلاص من الدكتاتورية بمهمته الاساسية التي تتلخص في الدفاع عن الوطن وحماية الشرعية الدستورية في البلاد. 

 

ثانيا:ً الازمة الاقتصادية الاجتماعية

لقد ادخل نظام صدام اقتصاد البلاد، جراء سياسيته الطائشة ومغامراته العدوانية، فيث نفق مظلم تصعب رؤية نهايته. ذلك انه دمر منجزات ما يزيد على خمسة عقو من السنين ،وارجع الناتج المحلي الاجمالي الى المستوى الذي كان  عليه في الاربعينات. وذلك ما اثبتته دراسات اقتصادية جادة.

ويكفي لاستيعاب هذه الحقيقة النظر الى الارقام التالية:

بلغ الناتج المحلي الاجمالي 1960 (بأسعار عام 1980) ما يعادل 8.7 مليار دولار . وازداد خلال عقدين متتاليين ليبلغ ما قيمته 54 مليار دولار عام 1979 ،وهو عام تولي صدام حسين المسؤولية الاولى للحزب والدولة.

وابتداء من 1980، عام شن الحرب العدوانية على ايران، صار الناتج المحلي الاجمالي يتراجع حتى وصل عام 1993 ، في اعقاب كارثة غزو الكويت والحرب التي استثارها، وما نتج عنها من دمار شامل، وفرض للحصار الاقتصادي الدولي، الى عشرة مليارات دولار. وهو( حسب اسعار عام 1980 اقل من مستواه عام 1960 .

واذا ما اخذنا بالاعتبار ان حصيلة الناتج المحلي الاجمالية عام 1960 كانت تنفق على سكان عددهم حوالي 7 ملايين نسمة، وحصيلة عام 1993 تنفق على ما يزيد عن 18 مليون نسمة ، اتضح لنا التراجع الكبير في حصة الفرد من الناتج الاجمالي فهذه الحصة بلغت 1400 دولار عام 1960 وارتفعت عام 1979 الى 4219 دولار ثم انخفضت عام 1993 الى 485 دولاراً .

وهذا جانب واحد من الصورة المظلمة للاقتصاد العراقي، التي لا يمكن ان تستكمل دون معرفة حجم الدمار التي الحقته به حروب صدام، وما سببته العقوبات الدولية والحصار الاقتصادي. وهو ما يتضح من الارقام التالية:

*يحتاج العراق، لغرض اعمار ما خربته الحرب العراقية الايرانية، حسب الكثير من الخبراء الى 67 مليار دولار.

*تبلغ قيمة ما دمر من البنية التحتية والموجودات الاقتصادية الاخرى في حرب الكويت عام 1991 - كما قدرها التقرير الاقتصادي العربي المشترك - 232 مليار دولار.ويقيناً ان كلفة استبدال هذه الموجودات تفوق الان الرقم المذكور.

*قدر تقرير بمجلس الامن الدولي قيمة الاضطرار التي يتوجب على العراق تعويضها لايران جراء حرب 1980- 1988 بـ97 مليار دولار.

*قدر المسؤولون في صندوق التعويضات التابعة للامم المتحدة والذي انشأ وفق القرار 687 ، حجم التعويضات التي يتوجب على العراق دفعها للمتضررين من غزو الكويت بأكثر من 200 مليار دولار.

*قدرت دوين العراق الخارجية اواخر الثمانينيات ، اي قبل غزو الكويت بـ82 مليار دولار. وفي عام 1995 ارتفعت مع الفوائد الى 94 مليار دولار ( حسب تقديرات اخرى بلغ مجملها 120 مليار دولار ) . ويعترف النظام بـ41.1 ملياراً منها لانه يسقط يديون الكويت والسعودية.

ولا تتضمن هذه الحصيلة المذهلة على جسامتها ما جرى تجديده من موارد البلاد، كأستنزاف الرصيد الاحتياطي من الذهب والعملات الاجنبية والبالغ 36 مليار دولار، والخسائر الناجمة عن عدم تصدير النفط طيلة الفترة من آب 1990 حتى هذا العام ، ونضوب المخزون السلعي والتجهيزات العسكرية ، والخسارة في القوى البشرية (مئات الوف الضحايا والمعوقين) وفي توقف النمو وهجرة الكفاءات من المتعلمين والمهنيين من اطباء ومهندسين وكوادر تعليمية وغيرهم.

لقد كبلت سياسات النظام الاقتصاد العراقي بقيود والتزامات وعقوبات دولية يصعب تقدير المدى الذي يحتاجه التخلص منها والعودة به الى مستود 1980، او حتى الى مستوى استيلاء النظام الحالي على السلطة - 1968 . وان اعمار البلا، بعد الخلاص من الدكتاتورية ،وجعل مجرد العودة الى المستوى السابق ممكناً يتطلب تحرير وطنناً من الاعباء الثقيلة للديون والتعويضات والعقوبات، التي نجمت عن سياسات الدكتاتورية وحروبها المغامرة.

ومن ناحية اخرى فإن القرار 986 الذي بوشر بتطبيقه في اواخر 1996 ليس من شأنه سوى التخفيف الجزئي من الضائقة المعيشية التي يعانيها شعبنا ، بعيداً عن معافاة الاقتصاد العراقي المتدهور.

ولذا فإن استمرار نظام صدام حسين هو عائق اساسي في طريق الخروج من الازمة الاقتصادية الخانقة.

وان الخلاص منه يشكل خطوة لا مناص لها لتعزيز النظال من اجل الغاء كامل اعقوبات ، وتخفيض نسبة الاستقطاع من موارد النفط المحددة بـ30% لغرض التعويضات ،او حتى تأجيل هذا الاستقطاع الى اجل يتيح استخدام موارد النفط بتأمين حد ادنة مقبول لمعيشة شعبنا واستعادة الاقتصاد الوطني العراقي لجزء من عافيته ، بأستعادة الدورة الاقتصادية سيرها الطبيعي، وانهاض الزراعة والصناعة الى مستوى ما يقرب من مستوى عام 1980.

كما ان اسقاط الدكتاتورية امراً لا مناص منه لاعادة علاقات العراق الاقتصادية الطبيعية( المالية والتجارية وغيرها) مع مختلف بلدان العالم والمؤسسات الدولية. وعلى صعيد المجتمع نلحظ اشتداد حدة التناقظات ، وتعمق التشوه الاجتماعي بفعل تلك التناقظات من جهة وبتأثير الحروب والصراعات الداخلية والخارجية من جهة اخرى. وهذا ما يتجلى في تدهور اوضاع الطبقة العاملة وتفاقم البطالة والارتفاع الشديد( بنسبة 600% خلال خمسة اعوام حسب معطيات الصحة العالمية) لمعدلات وفيات الاطفال، وتدهور الاوضاع الصحية. كما يتجلى في شيوع الفقر والبؤس ، وهو ا دفع ويدفع اعداداً كبيرة جداً من المواطنين الى بيع مقتنياتها وحاجاتها الظرورية جداً ، واحياناً حتى الاعضاء الجسدية لتأمين معيشتها. يضاف الى ذلك انتشار الفساد والرشوة والجريمة المنظمة، والتدهزر الشديد للتعليم والحياة الثقافية وافلروحية، الى جانب حالة القمع المتعدد الوجوه التي تنخر المجتمع، وبنا اجهزة ارهاب متطورة باضطراد، مقابل التخلف الشديد في مجالات الانتاج والخدمات العامة، وقيام الحكم على الاكراه وتغييب الديمقراطية ومصادرة الحقوق والحريات العامة في ظل القوانين الاستثنائية . وينعكس هذا كله في احتكار الثروة الاجتماعية وسبل التصرف بها، اضافة الى احتكار الحياة السياسية والاقتصادية، والانحطاط بالدولة الى مستوى العشيرة، بل وحتى الى مستوى العائلة.

ويترافق ذلك مع اتساع ظاعرة الفوضى واهيار النظام والقانون في اجزاء واسعة من البلاد، وتصدع نظام القيم الاخلاقية والاجتماعية، وتفكك النسيج الاجتماعي وكيان الدولة العراقية بشكل ملحوظ. 

 

رفع الحصار الاقتصادي عن الشعب

شغلت موضوعة الحصار الاقتصادي ا\حيزاً هاماً في عمل الحزب منذ المؤتمر الوطني الخامس وحتى الان وكان حزبنا بين قلة من قوى المعارضة التي طالبت برفع الحصار الاقتصادي عن الشعب. وقوبلت دعوته الى ذلك، ووضعه المطلب في صلب الشعار المركزي للحزب بمعارضة من قبل العديد من قوى المعارضة التي ترى في الحصار وسيلة لاضعاف النظام، وتتيج للشعب فرصاُ اكبر لاسقاطه، وترى في رفعه خطراً على هذا النظام، لانه سيقوي النظام!

كما اصطدم الشعار بسوء فهم ومعارضة من قبل عدد من الرفاق الذين رأوا في الدعوة لتشديد الخناق على الدكتاتورية في هذا السياق، اضعافاً للدعوة الى رفع الحصار عن الشعب، هذا رغم ان موقف حزبنا كان منذ البداية الى جانب رفع الحصار الاقتصادي عن الشعب دون قيد او شرط، وباشراف الامم المتحدة، لضمان استخدام الموارد لتغطية احتياجات الشعب.

لم يكن هذا الموقف يعني، بأي حال من الاحوال، القبول بفك عزلة النظام السياسية والدبلوماسيةن او تمكينه من التحكم بعائدات النفط وبناء ترسانته العسكرية من جديد.

وفي ضوء ذللك خاض حزبنا نضالاً فكرياً وقام بجهود عديدة لتدقيق الشعار وتطويره وتفعيل مضامينه بروح المناقشات التي جرت في المؤتمر الوطني الخامس، ومعالجة نواقص الموقف الذي اتخذه باقتراح آليات محددة يتيح تنفيذها التخفيف من معاناة الشعب. وأكد الحزب منذ تشرين الاول 1994 “ ان المطلوب الان هو رفع العقوبات عن الشعب. برفع الحصار الاقتصادي عنه من خلال مؤتمر الغذاء والدواء والملبس وجميع الاحتياجات الضرورية لحياة المواطنين ومتطلباتهم الانسانية، وبما تحتاجه اعادة الدورة الاقتصادية السلمية” على  “ ان لا يعني ذلك فك القيود عن النظام الدكتاتوري وفسح المجال للاستفادة من العوائد النفطية والموارد الاخرى لاغراض غير تلك المحددة بحاجة الشعب”.

وطالب حزبنا بتعديل القرارين 712و706 بما يؤمن زيادة كميات النفط المصدرة، وان تكون الحصة المقررة لصندوق التعويضات ونفقات مبعوثي الامم المتحدة الى العراق خارج الكمية المطلوبة، واستثناء كردستان العراق من العقوبات الاقتصادية، وضمان التوزيع العادل للمواد المطلوبة على جميع ابناء الشعب، وتحت رقابة الامم المتحدة.

وبفعل عوامل عديدة تناولتها ادبيات حزبنا في حينه، ومن بينها نضال حزبنا وقوى معارضة اخرى، اخذ بعض هذه المطالب طريقه الى القرار 986، الذي رأى حزبنا انه " رغم كونه يبيح بيع كمية اكبر من النفط، ويوفر مقداراً اكبر من الدولارات" فإنه لا يلبي كل ما طالب به الحزب، ولا يضمن تلبية كامل الاحتياجات الملحة لشعبنا، " ولكنه يمكن ان يكون خطوة على هذا الطريق".ذلك ان حزبنا يدعو الى " طلاق تصدير النفط والغاء تجميد الارصدة العراقية في الخارج، من اجل تأمين الموارد الكافية ليس لتوفير الغذاء والدواء للشعب فحسب، بل ومن اجل المساعدة على اعادة الدورة الاقتصادية، على ان يتم كل ذلك بأشراف ورقابة الامم المتحدة". لقد انتقد حزبنا تشدد واضعب القرار 986، وخصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا، في فرض اقتطاع الحد الاعلى البالغ 30% لاغراض دفع التعويضات وسد النفقات المتعلقة بتنفيذ القرار. كما انتقد فرض تصدير معظم النفط عبر الاراضي والموانىء التركية. وهو يرى في ذلك اجحافاً بحق شعبنا الذي يعاني الجوع والمرض.

غير ان هذا لك يكن يبرر موقف النظام المستهتر برفض تطبيق القرار 986، وتنظيم " مظاهرات" قسرية ضده.

واضطر النظام بعد ما يزيد على الثمانية اشهر الى اعلان استعداده للتعامل بشكل ايجابي مع الامم المتحدة لتطبيق القرار، دون ان يعلن عن قبوله له، وبعد ابتداع صيغة " النفط مقابل الغذاء والحاجات الانسانية".

وقوبل الموقف الجديد للنظام الذي شكل من الناحية العملية تراجعاً عن رفض القرار 986، وقوبل بفرح غامر من لدن جماهير شعبنا.

وبرغم ما اشاعه النظام واجهزة اعلامه من تفاؤل بشأن ما ستسفر عنه المباحثات في هذا الشأن، فإنه ظل يماطل امدها متذرعاً كذباً، بالسيادة الوطنية، ووحدة الوطن.

ومن الجهة الاخرى ماطلت الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا في انهاء المباحثات، وسعتا لاستفزاز صدام حسين واستثارة حماقته لاحباطها، سواء بما قدمتا من تفسيرات متعسفة للقرار او ما قامتا به من تكتيكات معرقلة.

وبعد المباشرة بتنفيذ القرار في كانون الاول 1996، واصل النظام مناوراته للتحكم بالتنفيذ وللتلاعب والغش في المواد الموزعة، وساتخدام الحصة التموينية كسلاح ضد فئات واسعة من ابناء الشعب. وفي الوقت نفسه وضعت الولايات المتحدة العراقيل في طريق التنفيذ. وتلكأت الاجهزة البيروقراطية للامم المتحدة في القيام بواجباتها في هذا الشأن، الامر الذي افضى بدوره الى تأخير وصول الاغذية والادوية الى المحتاجين اليها من ابناء شعبنا.

لقد ناضل حزبنا ضد الحصار الاقتصادي المفروض على الشعب، وحمل نظام صدام حسين والامبريالية الامريكية مسؤولية فرضه وتواصله واستمرار معاناة الشعب من عواقبه الكارثية كما حذر من المساعي لاسيما الامريكية ، الهادفة الى جعل تنفيذ القرار 986 بديلاً عن الحصار الاقتصادي عن شعبنا. وسيواصل حزبنا نضاله حتى يتم رفع الحصار عن الشعب بالكامل، ويستعيد الاقتصاد الوطني عافيته، ويعاد بناء ما خربته سياسات صدام حسين وارهابه الدموي وحروبه.

والقصف المدمر من جانب قوات التحالف الدولي آبان حرب الكويت. وان اقصر طريق لتحقيق ذلك هو ازاحة الدكتاتورية وتعاون كل قوى شعبنا المعادية لها في نباء عراق الغد الديمقراطي المزدهر.

 

الطبقة العاملة في طليعة ضحايا النظام

نمت الطبقة العاملة في وطننا خلال العقود الماضية، واصبحت قوة سياسية هامة، اغتنت بتجارب وخبرات نضالية عبر ما يزيد عن سبعين عاماً من الكفاح الوطني والطبقي ضد الاستعمار والرجعية، وضد الاستغلال والظلم الاجتماعي، ولعبت دوراً مجيداً وثورياً في النضال اليومي.. وشكل كفاحها أبان العهد الملكي، ودورها في الاضطرابات ومساهمتها في الانتفاضات الجماهيرية، وصلاً الى قيام ثورة 14 تموز المجيدة مؤشرات واضحة على طاقاتها ومكانتها كقوة معبئة وثورية طليهية في الدفاع عن مكاسب كل الشعب، والتصدي لاعدائها لاحقاً.

وعندما اغرق النظام الحالي بلادنا بأزمات شملت كل ميادين الحياة، مرفقة بأبشع حملات القمع والتنكيل والارهاب ودفعت الطبقة العاملة، وماتزال الثمن الاكبر جراء تلك الممارسات الفاشية ومغامرات وحماقات الدكتاتورية وحروبها وجرائمها.

وكان الهجوم المنظم على حركة الطبقة العاملة النقابية والسياسية من المهدات الاساسية لاندفاع النظام الفاشي في نهجه المعادي للشعب والوطن واوغلت السلطة في سياستها المناهضة لمصالح العمال، وتشديد استغلالهم فأصدرت عدة قرارات على هذا الصعيد من بينها تبديل صفة العمال في قطاع الدولة ومؤسساتها الى موظفين والغاء قانون العمل رقم 35 وقانون العمل رقم 151 لسنة 1970. ان هذه شعبنا من العمال والفلاحين والكسبة.

ان الطبقة العاملة العراقية صاحبة الامجاد النضالية، كانت وستبقى في طليعة قوى شعبنا الحية المناضلة وستواصل العمل بلا كلل في سبيل وحداتهافي الكفاح من أجل غد العراق المشرق.

 

تخريب منظم للثقافة

الحق النظام الدكتاتوري خراباً جسيماً بالثقافة والحياة لشعبنا، واذى شديداً بجمهرة مثقفيه ومبدعيه.

واذا كانت الكارثة التي حلت ببعض ميادين حياة مجتمعنا ونشاطه، جاءت حصيلة غير مقصودة بذاتها لسياسات فإنها في حالة الثقافة والمثقفين بالذات ( كما في ميادين اخرى)، نجحت عن جهد واع عن سابق تصميم.

واستهداف هذا الجهد المخطط تشويه وعي الانسان العراقي، ومسخ شخصيته بموروثها الحضاري وتقاليدها السامية وتسامحها الفكري والمذهبي، وتحويل العراقيين الى " قطع من الارقاء مغسولي الادمغة والمتعصبين" الذين يسهل تسخيرهم لخدمة نظام الاستبداد وحمايته وادامته.

وبلغ نهج تدمير البنية الثقافية الاساسية لشعبنا والقضاء على عملية التطور الطبيعي للثقافة الوطمنية وهو النهج الذي اسقط حتى قبل نهاية السبعينيات اول الضحايا من المثقفين وشرد المئات غيرهم وراء الحدود، بلغ قمته في السنوات القليلة الماضية. فبالاضافة الى مصادرة حرية البحث والابداع والتعبير والرقابة والتضييق على النشاط الثقافي عموماً، والافساد والعسف والاضطهاد، تعرضت العملية التربوية والتعليمية وبضمنها الجامعية الى اهمال مريع هبط بمستواها الى درك لم يسبق له مثيل، وجرى سلب مبدعي الفن والعلم والفكر ما تبقى من منافذ النشر والعرض، وحرمانهم من التواصل مع جديد الثقافات العربية والاجنبية عبر منع استيراد الكتب والمطبوعات. وقبل هذا وبعده اشهرت السلطة في وجههم السلاح الاشد غدراً : التجويع!

واذا كانت السلطة الدكتاتورية تذرعت بالحصار الاقتصادي في تبرير اجراءاتها هذه، فإن ما بدا جلياً تماماً لضحاياها قبل غيرهم، ان اسباب محنتهم الحياتية والابداعية لا تعود الى الحصار قدر نا تعود الى سياسة السلطة ذاتها، التي جهدت منذ مطلع الثمانينيات بشكل خاص لمحاصرة النشاط والمنجز الابداعي للادباء والعلماء والفنانين وعامة المثقفين، وعملت على تجريده من كل ما هو ثقافي حقاً وانساني وافقاره ومسخه وتحويله بوقاً في " الفيلق الاعلامي" يهلل للطاغية، واداة تسهم في ادامة طغيانه!

وقد ادى ذلك الى تعميق الهوة بين المثقفين والسلطة لهذا لم يكن مفاجئاً ان تتزايد بإضطراد اعداد من ينزوون من الباحثين والادباء والاساتذة الجامعيين والفنانين ويلجأون الى الصمت رفضاً للدكتاتورية واحتجاجاً عليها، ومن تمتزج احزانهم بآلام الملايين في اجواء الكارثة الشاملة المطبقة فتعظم معاناتهم وتنطفىء حياتهم قبل الاوان، ومن يفرون الى كردستان او يهاجرون الى الخارج املاً في ضمان لقمة العيش والامن والحرية. كما لم يكن غريبا

ً ان يرافق ذلك تآكل ملحوظ متواصل في المؤسسة "الثقافية " الرسمية والمراكز الاكاديمية التي هجرها عديدون حتى وجوهها، ونأوا بأنفسهم عنها وعن النظام وانضموا في الغالب – ما ان شعروا بالامان بعيداً عن قبضته الارهابية- الى معارضته وفاضحي اجرامه بحق التعليم والثقافة والشعب والوطن.

لقد حصلت الدكتاتورية العزلة عن جهرة المثقفين الواسعة. كما اخفق سعيها المنهجي في خنق جذوة الابداع لديهم، واجتثاث شجرة الثقافة الوطنية عميقة الجذور. وليس سراً ان كثيرين من الروائيين والقاصين والشعراء والاكاديميين والتشكيليين وغيرهم، يبدعون دون انقطاع ويدخرون نتاجهم بأنتظار اليوم المرتجى للخروج بها الى النور.

الا ان الدكتاتورية افلحت دون ريب في اغراق المشهد الثقافي العراقي بدخان الكارثة التي انزلتها بمجتمعنا كله، واثخنت الثقافة والمثقفين بالجراح. وتبقى تلحق بها الخراب وبهم الاذى، ما بقيت قائمة متسلطة على العراق. وان من الواجب العمل السريع والجاد لايقافها عند حدها، ولنجدة مثقفينا الرازحين تحت وطأة عسفها وبطشها، ودعم صمودهم في وجه همجيتها. 

الموقف من العوقوبات المفروضة على بلادنا

لقد استتبع غزو الكويت والحرب التي نجمت عنه وهزيمة النظام، فرض جملة من العوقات على العراق تضمنها 30 قراراً صادراً عن مجلس الامن الدولي. وهي عقوبات بالغة القسوة ويشكل عدد منها مساً حقيقياً بسيادة العراق كدولة. وقد ارتضى الطاغية القبول بها لتأمين بقائه في الحكم.

ان استمار صدام حسين في الحكم، بما يمثله من معاداة للديمقراطية ولحقوق الشعب، ومن نزعات عدوانية واستهتار بالقوانين الدولي، وانعدام اية مصداقية تؤهل نظامه للعودة الى المجتمع الدولي، يجعل الخلاص من العقوبات الدولية او حتى التخفيف منها بشكل جدي. امراً صعباً.

ان حزبنا يرى في هذه العقوبات حصيلة لسياسات الدكتاتورية التي قدمت الذرائع لفرضها من قبل اوساط لا تضمر الخير لشعبنا، وتعادي مطامحه النبيلة في العيش في ظل الديمقراطية ، والاسهام في اقامة تضامن عربي حقيقي وتكامل اقتصادي مع البلدان العربية لخدمة مصالح شعوبها، وفي بناء عالم جديد يصون الاستقلال والسيادة الوطنية لجميع الدول، ويقيم فيما بينهما علاقات متكافئة.

وقد ظهر ذلك في الانتقالية التي تعاملت بها الاوساط المتنفذة في مجلس الامن مع قراراته. اذ جرى تنفيذ قرارات العقوبات بحماس ومتابعة شديدة، في حين اهمل القرار 688 الذي يقضي بوقف اضطهاد الشعب. كذلك حال القرارين 712.706 رغم كونهما اتخذا وفقا للباب السابع من ميثاق الامم المتحدة.

ان حزبنا سيواصل النضال مع قوى شعبنا الوطنية الاخرى من اجل التخفيف من العقوبات المفروضة على العراق وصولاً الىالغائها. ولاشك ان ازاحة نظام صدام حسين، وهو المسؤول عن فرضها وتقديم الذرائع لمواصلتها سيعجل في تحقيق هذا الهدف. 

العشائرية والموقف منها

ادى تعثر مسيرة ثورة الرابع عشر من تموز 1985، وانتكاسة الحركة الديمقراطية، وما عانته الحركة السياسية عموماً من تصفيات لاي عمل سياسي حزبي يكتسب شرعيته وعلنيته من القانون وفي الممارسة العلمية، وتخريب التنظيمات السرية المعارضة، وانعدام الحياة المدنية الطبيعية وغياب دولة القانون، وخصوصاً في ظل الحكم الدكتاتوري الحالي، كل هذا ادى الى العودة الى اشكال من العلاقات الاجتماعية التقليدية، وانتعاش للروابط العشائرية من جديد، بإعتبارها اشكالاً للتضامن والحماية والتنظيم الاجتماعي تسد مؤقتاً الفراغ الذي تركه غياب الاحزاب والمنظمات المدنية الحديثة. خصوصاً وان الكثيرين من أبناء العشائر رافضي الخدمة العسكرية. وجدوا في العشيرة التي ظلت قائمة كمؤسسة اجتماعية رغم ما اصابها من ضعف ملجأ يلوذون به امام ملاحقات النظام الدكتاتوري الارهابية.

وكان رأس النظام قد حاول كسب رؤساء العشائر بالرشاوى والامتيازات وسعى الى اصطناع شيوخ ورؤساء افخاذ بهدف استخدامهم لاغراض الدعاية لنظامه وكأداة قمعية ضد قوى المعارضة.

غير ان هذه المحاولات لم تفلح في فك عزلة النظام عن العشائر او الحيلولة دون التصادم حتى مع عشائر كانت موالية له الى امد قريب مثل الجبور والدليم وغيرهما. وهي التي تعرض ابناؤها في القوات المسلحة واجهزة السلطة الاخرى الى الطرد والاعتقال والقتل تحت التعذيب. وكانت هبة الرمادي وتمرد ابو غريب في العام 1995 مظهراً واضحاً للشرخ الكبير بين النظام وعشائر الانبار، بعد فشله في استمالة عشائر الجنوب وخصوصاً بعد ما ارتكبه من فظاعات بحق سكان الاهوار ومساعيه لتجفيفها وتشريد سكانها.

ان صدام حسين لا يريد تغليب القيم العشائرية الايجابية، من اباء واعتزاز بالكرامة ورفض الظلم وحماية المظلوم والتصدي للعدوان، لانها تتنافى مع القبول به وبنظامه. انما يغلب "قيم" نكث العهود والغدر واهدار دماء الخصوم وابادة عوائلهم من نساء واطفال وهدم ودورهم وارتكاب الجرائم البشعة بأسم العشيرة . وقد جسد ذلك كله في تعامله مع اصهاره وابناء عمومته في قضية حسين كامل.

ان الكثيرين من ابناء العشائر الذين يتصدرون للنظام من خلال روابطهم العائلية والعشائرية والتنظيمات التي يقيمونها لهذا الغرض، ينبغي التعامل معهم بمرونة والاستفادة من طاقاتهم، لانها هي ايضاً ذات مصلحة في الخلاص من الدكتاتورية وممارستها المنافية للقيم والاعراف النبيلة. 

الهجرة الى الخارج مظهر من مظاهر الازمة الشاملة

لم يسبق ان شهد وطننا هجرة واسعة لابنائه الى الخارج، بل بعكس ذلك كان قد اصبح في السبعينيات والثمانينيات سوق عمل كبير استقطب الكثير من العمالة العربية والاجنبية.

ولكن الى جانب استقطاب العمالة الخارجية، التي اتاحت تجنيد العمال العراقيين للحرب، تمت عمليات تهجير لمئات الوف العراقيين من الاكراد الفيليين والشيعة العرب قسراً، بذريعة زائفة هي التبعية الايرانية.

ورافقت هذه العمليات هجرة الالوف من المواطنين الاخرين لاسباب سياسية، جراء الملاحقات البوليسية والاعتقالات الاعتباطية والقتل تحت التعذيب لكل من يشتبه بمعارضتهم للنظام، او حتى مجرد عدم موافقتهم على الانخراط في حزبه والقبول بسياسته المنافية لمصالح الوطن والشعب.

غير ان مآسي الحرب، وتفاقم الاضطهاد السياسي والقومي والديني والطائفي، وفقدان الامن وشيوع الجريمة، اضافة الى عواقب الحصار الاقتصادي من اشتداد الضائقة المعيشية وانتشار البطالة، والعيش على حافة الجوع، كل ذلك ولد حالة من الخوف والاحباط حمل فئات واسعة من ابناء الشعب على الهجرة الى الخارج بأي ثمن، وخصوصاً في اعقاب غزو الكويت وقمع انتفاضة آذار 1991. حتى صار عدد العراقيين المهجرين والمهاجرين الى الخارج يقدر بحوالي ثلاثة ملايين مواطن. وقد عانى كثيرون منهم السجن والملاحقات، ومات العديد منهم وهم يحاولون الوصول الى بلدان اللجوء اضافة الى الام الغربية وصعوبات العيش، وشهد اقليم كردستان ايضاً في السنوات الاخيرة هجرة متزايدة بسبب من الاقتتال الداخلي والحصار المزدوج واهمال مصالح الجماهير.

ان هذا النزيف البشري، الذي تشمل نسبة كبيرة منه المتعلمين والكوادر العلمية والفنية والثقافية، كلف ويكلف شعبنا الكثير وان التهجير القسري بشتى السبل هو انتهاك فظ لحقوق الانسان وخسارة كبيرة اخرى تلحق بمجتمعنا خصوصاً اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار الخسارة الاكبر التي لحقت بالشعب والوطن جراء حروب صدام ومغامراته الحمقاء، من قتلى ومشوهين ومعوقين قارب عددهم النصف مليون وهي خسائر لا يمكن تعويضها بسهولة او في زمن قصير وتشكل في الواقع احدى الجرائم الكبرى التي ارتكبها الحكم الدكتاتوري، ويتحمل مسؤوليتها كاملة.

ان حزبنا ينظر لهجرة الى الخارج بوصفها ظاهرة اجتماعية قسرية مضرة بالوطن، ويناضل ضد اسبابها، ويعمل على تعزيز الصلة بالجاليات العراقية في مختلف البلدان، وشدها الى الوطن بمختلف اشكال التنظيمات والفعاليات والعمل على اشراكها في النشاطات المعادية للدكتاتورية دعماص لنضال شعبنا في الداخل، وتربيتها بروح العودة الى الوطن والاسهام المباشر في اعادة بنائه وتحقيق ازدهاره في ظل الديمقراطية. 

ثالثاً: الوضع في كردستان

كان المؤتمر الوطني الخامس قد توقف عند دراسة الوضع في كردستان مسجلاً دعم الشيوعيين العراقيين للتجربة التي يعيشها الاقليم ورأى ان حماية التجربة وتوطيدها وتطويرها تتطلب بذل الجهود الحثيثة من قبل جميع الاطراف المشاركة في الجبهة الكردستانية العراقية ومن خارجها وكل ابناء كردستان المخلصين، لتخليصها مما يشوبها من نواقص وثغرات تتمثل في نزعة الاستئثار وسياسة المناصفة، ودعم الاستفادة من كل الطاقات والكفاءات. هذا الى جانب ضعف الايمان بالديمقراطية والتحزب الضيق، واضطراب الامن، والاغتيالات السياسية، وغيرها من الامور التي تثير قلق المواطنين، اضافة الى الضائقة المعيشية الخانقة الناجمة عن الحصار المزدوج وعدم السعي لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية. علماً ان من مستلزمات حماية التجربة تعزيز مكتسبات الجماهير لكي تدافع عنها، والاعتماد اساساً على العامل الداخلي وليس على العامل الخارجي.

ولكن لم تمض على انعقاد المؤتمر الوطني الخامس لحزبنا بضعة اشهر حتى توترت الاجواء بين الحزبين اللذين يقتسمان السلطة (حدك واوك) ولاحت نذر انفجار الصراعات العنيفة بينهما . وجاء اندلاع القتال في اوائل ايار 1994 جاء بالضد مما تتطلبه حماية التجربة وتوطيدها وتطويرها.

وبذل حزبنا مع القوى والفعاليات السياسية والاجتماعية الكردستانية والعراقية جهوداً كبيرة لتهدئة الحالة العنيفة. غير ان هذه الجهود لم تسفر عما يوقف الصراعات ويحول دون تحولها الى صدامات دموية. وذلك بسبب من استمار المواقف والممارسات غير السلمية التي سبق لحزبنا ان شخصها واعلنها للرأي العام في بيانات رسمية وطالب بمعالجتها من جهة وبسبب من سوء تقدير الحزبين للوضع وما يحمله من مخاطر، من جهة اخرى، تضاف الى ذلك اعمال التخريب والاستفزاز التي يقوم بها عملاء النظام ومساعي القوى الدولية والاقلمية وشبكاتها التخريبية التي لم يرق لها نجاح التجربة الكردستانية وسعت لافشالها بمختلف السبل.

واشار مشروع الحزب الشيوعي الكردستاني – العراق _حشك) لحل الازمة السياسية المؤرخ في اواسط حزيران 1994، الى طبيعة الازمة التي سببت الاقتتال والعوامل التي ادت اليه وفي مقدمتها ضعف الايمان بالديمقراطية لدى طرفي النزاع وسياسة المناصفة، وتغليب العنف وتجنيب ادارة الصراع بصورة سلمية، وعدم السعي الجاد لحل النزاع عبر صناديق الاقتراع، وساعد كل ذلك على تصاعد النشاطات التخريبية للسلطة وعملائها.

لقد بذل حزبنا، وخصوصاً رفاقنا في حشك، بالتعاون مع القوى الاخرى من عراقية وكردستانية جهوداص حثيثة، منها تنظيم مظاهرات واجتماعات واعتصامات وغيرها من الفعاليات، طيلة المدة التي اعقبت ايار 1994، من اجل وقف القتال، وذلك انطلاقاً من الايمان بأن الحل الذي يستند الى القوى الداخلية، وقناعة الحزبين وقبولهما الحل السلمي هو الاضمن والاسلم والاكثر انسجاماً مع مصالح الشعب لنضال المعارضة العراقية، وامكانية صيرورتها مثالاً يقتدى من جانب جماهير شعبنا العراقي ككل.

كما جرت المطالبة بتشكيل حكومة ائتلافية واسعة تأخذ على عاتقها اعادة الاوضاع الطبيعية وازالة مخلفات الاقتتال الانتحاري، وتالتمهيد لاجراء انتخابات حرة نزيهة بعد تأمين مستلزماتها السياسية والقانونية والفنية. فعن هذا الطريق يمكن ان يجري الحفاظ على التجربة وتوطيدها وتطويرها، ومنع تطاول النظام الدكتاتوري والقوى الاقلمية والدولية عليها او جلعها ورقة في صراعاتها.

ان رفض طريق التنافس السلمي، عملياً، فسح المجال لنزعة فرض الامر الواقع الشعب الكردي وقضيته العادلة، ويهدد التجربة كلها بالنسف، ويضعف نضال الشعب العراقي كله ضد الدكتاتورية.

ام كل الجهود السلمية التي بذلت لم تثمر للاسف وبدلاً من الركون اليها جرت الاستعانة بالقوى المعادية من خارج الاقليم لتبديل موازين القوى داخله. وشهد صيف عام 1996 مزيداً من التدهور تمثل في جانب منه في السماح للقوات الايرانية بالتغلغل عميقاً داخل اراضي الاقليم لضرب مواقع الحزب الديمقراطي الكردستاني الايراني. واكثر من ذلك ومع بدء الجولة الثالثة للقتال في آب 1996 جرت الاستعانة بالقوى المعادية من خارج الاقليم لتبديل موازين القوى داخله. اذ استعان اوبك بالدعم العسكري الايراني، وساتدعى حدك قوات صدام حسين لاجتياح اربيل في 31 آب 1996، الامر الذي اعتبره حزبنا خطيئة كبرى من جانب جدك.

وفي ظل التدهور الذي شهده الوضع جراء ذلك كله، جاءت اتفاقية انقره لتوقف الاقتتال من ناحية وتكرس المرجعية الخارجية في الشأن الكردستاني وتثبت عملياً تقسيم الاقاليم الناجم عن الاقتتال، من ناحية اخرى.

وارتباطاً بذلك كله وقع الغزو التركي في 14 ايار 1997 بذريعة مطاردة مقاتلي pkk، وبالتنسيق والتعاون مع حدك وبموفقة ضمنية من اوبك.

ان كل هذه التطورات اكدت من جديد صحة تحذيرات حزبنا والقوى المخلصة الاخرى، من كردستانية وعراقية من ان رفض سبيل السلم والمصالحة الوطنية، عملياً، سيعرض اقليم كردستان لاشد المخاطر، وفي مقدمتها التدخلات العسكرية السافرة، وسيؤدي حتماً الى ارتهان القضية الكردستانية للقوى الاجنبية التي لا مصلحة لها في حل النزاع واستتباب السلم والامن في كردستان، ولا في تطوير منطقة كردستان وازدهارها. وهذا الموقف مرتبط مع وقف هذه القوى الاجنبية من الوضع في العراق والمنطقة عموماً .

وهكذا، بعد اكثر من 6 سنوات على انتفاضة اذار والمكتسبات التي حققها الشعب الكردستاني بفضل تضحياته، دخلت التجربة الديمقراطية التي سعى حزبنا لحمايتها وتطويرها، من اجل ان تصبح كردستان موقعاً امامياً متقدماً للنضال ضد الدكتاتورية مأزقاً حقيقاً.

ونجم هذا الوضع المأساوي عن عاملين رئيسيين مترابطين: الصراع على السلطة والنفوذ بين الحزبين الحاكمين وتدخلات الاطراف الاقلمية والدولية بالضد من مصالح الشعب في كردستان، بالاضافة الى المساعي التخريبية للنظام.

وقد دللت تجربة السنوات الماضية مجدداً وبقوة اكبر الترابط الوثيق بين النضال من اجل الديمقراطية وتمكين الشعب الكردي من ممارسة حقه في تقرير النضال من اجل الديمقراطية وتمكين الشعب الكردي من ممارسة حقه في تقرير المصير بأرادته الحرة، واصبح واضحاً ان الخروج من المأزق الذي تعيشه كردستان العراق وانهاء معاناة شعبنا لن يتحقق الا يتغيير جذري في بغداد، للخلاص من النظام الدكتاتوري والمباشرة في ارساء دعائم العراق الديمقراطي والفيدرالي الموحد.

ويبقى حزبنا يرى ان طريق الحل في كردستان لا يمكن ان يبدأ الا باعتماد المفاوضات السلمية وصولاً الى المصالحة الوطنية. 

 

رابعاً: الدعوة الى المصالحة مع النظام والموقف منها

لقد صدرت دعوات من بعض الاوساط، وهي ليست في الغالب بعيدة عن النظام والتنسيق معه، تدعو الى ما تسميه تجنيب البلاد حمام دم جديد، والى اجراء " مصالحة وطنية" نظراً الى استحالة انتصار طرف على آخر حسب قولها، عدم إمكانية ازاحة الدكتاتورية بالقوة.

ان حزبنا اذ يعتبر الخيار السلمي والديمقراطي السبيل الامثل للخروج من الازمة، واذ يعمل من أجله، يرى ان صدام حسين، بما يمثله من نهج إرهابي ومعاد لمصالح الشعب والوطن، وبما جسده خلال ما يزيد عن ربع قرن من الممارسات الغادرة في التعامل مع كل القوى السياسية، سواء تلك التي تحالفت معه او عارضت نهجه، وبما يمتلك وهو على رأس السلطة من وسائل الفتك ليس بمعارضيه فقط، بل وبمن لا يرضى عنهم لاي سبب كان، وبأصراره على استمرار كامل نهجه المدمير، ان هذا الدكتاتور ونظامه لا يمكن الوثوق بهما، وان الدعوة للمصالحة معهما ليس من شأنها غير اشاعة الاوهام وتخدير القوى الوطنية وعرقلة جهدها لتخليص وطننا وشعبنا من دكتاتوريته الدمويتة وطغمته المجرمة.

وارتباطاً بذلك يمكن تناول ما جرى ويجري من حديث ودعوات من جانب اوساط داخلية وخارجية، الى بعض القيادات الكردستانية، للتفاوض مع صدام حسين والحصول على بعض " المكاسب" المزعومة مادام ضعيفاً، وما صدر من دعوات من النظام للتفاوض، مستغلاً الاقتتال الداخلي في كردستان.

وبرغم ما في القضية الكردية من خصوصية، وعدم جواز رفض مبدأ التفاوض بالمطلق، فإن الواقع الملموس يؤكد خطأ التفكير بإجراء " مفاوضات" مع رأس النظام لا يستهدف هو من ورائها غير كسب الوقت واضفاء الشرعية على نظامه، واشغال القوى الكردستانية وتعميق الخلافات فيما بينها، وتمزيق المعارضة العراقية ومنع وحدة نشاطها ضد الدكتاتورية. فضلاً عن أي اتفاق معه، حتى لو كان يستجيب شكلاً لمطامح الشعب الكردي. لا يمكن ان يكون الا اتفاقاً مؤقتاً، سيخلق الذرائع لنفسه عند اول فرصة تسنح له.

واذ يستبعد حزبنا امكانية " المصالحة الوطنية" او المفاوضات مع النظام لهذا الغرض، فإن ذلك لا يعني اعتماد العنف كوسيلة وحيدة لازاحة الدكتاتورية واقامة الديمقراطية في العراق بل كذلك اللجوء الى اساليب اخرى.

ومن هذا المنطلق طالبنا ونطالب بتنفيذ قرار مجلس الامن رقم 688 الذي ينص على وقف اضطهاد الشعب، وحماية وكفالة حقوق الانسان، بما يضمن تمتع الشعب العراقي بكافة قومياته واقلياته وطوائفه بالحريات الديمقراطية، وما يمكن ان يكون منطلقاً لاجراء انتخابات حرة بادارة واشراف الامم المتحدة . وذلك بعد اجبار صدام حسين واجهزته القمعية على التخلي عن ممارسة الارهاب والعسف الدموي، وتجريدهم من إمكانية التلاعب بمجرى العملية الانتخابية ونتائجها.

ان اسلوب التغيير اللا عنفي يقلل الى حد كبير- حسب رأي حزبنا – من امكانية انفراد طرف بالسلطة مستقبلاً ويعزز مبدأ تداول السلطة سلمياً وان مسؤولية استخدام العنف، وما ينجم عنه من وقوع ضحايا وسفك للدماء، انما تقع- كما هو الحال دوماً في التأريخ – على عاتق مغتصبي السلطة ومضطهدي الشعوب وسالبي حرياتها وحقوقها الديمقراطية. 

خامساً: تداخل العوامل الداخلية والاقلمية والدولية وتأثيراتها في الشأن العراقي 

ان الارهاب الدموي الذي مارسته الدكتاتورية ضد القوى والاحزاب السياسية في العراق طيلة حوالي ربع قرن ، قضى على امكانية وجود عمل سياسي معارض مكشوف داخل الوطن، وصعب الى ابعد الحدود خوض نضالات شعبية معارضة للنظام، وتوجهها قيادات تعمل سراً في ظل سيطرة اجهزة القمع والارهاب.

واضطر ذلك غالبية القيادات السياسية المعارضة في فترة ما قبل انتفاضة اذار 1991، اما الى تنظيم الكفاح المسلح في كردستان العراق او ممارسة المعارضة من الخارج.

واضعف هذا الواقع ثقة عدد من قوى المعارضة بقدرة شعبنا على منازلة الدكتاتورية، وجعلها تتطلع الى العامل الخارجي للاستعانة به على ازاحتها.

ولقد اثبتت انتفاضة اذار 91 المجيدة بشكل قاطع رفض جماهير شعبنا لنظام صدام حسين. وقدرتها على منازلته والحاق الهزيمة به، وهي التي كانت ستنتصر لولا فقدان القيادة السياسية الموحدة في ميدان المعركة، والاخطاء المرتكبة من قبل بعض الاطراف السياسية، والتدخلات الخارجية التي استهدفت اضفاء طابع ضيق على الانتفاضة. اضافة الى التواطؤ الذي تجلى في السماح للنظام بسحق الانتفاضة الشعبية وتمكينه من ذلك عملياًَ من قبل قوات التحالف الدولي، وفي مقدمتها القوات الامريكية.

وعزز هذا الواقع الجديد ميل اوساط غير قليلة في صفوف المعارضة، الى التعويل على العامل الخارجي واستصغار دور العامل الداخلي في تحقيق هدف الشعب المباشر باسقاط النظام الدكتاتوري، مهملة بذلك دروس انتفاضة اذار.

اننا لا نستهين بدور العامل الخارجي، خصوصاً وان القضية العراقية قد دولت بغزو الكويت، واصبح ممكناً التحكم بالوضع في العراق من خلال العقوبات الدولية، وقرارات التفتيش، واقامة المنطقة الامنية شمال خط العرض 36، وفرض الحظر الجوي جنوب خط العرض 33، وغير ذلك من الاجراءات، نرى ان قوى التغيير الحقيقية هي القوى الداخلية، ولا يصح التعويل على القوى الخارجية لانجاز مهمة التغيير بدلاً عنها. رغم ان هذا لا ينفي، من جانب ثان حاجة القوى الداخلية المعول عليها اساساً في التغيير الى الاسناد الخارجي، السياسي والمعنوي.

من ناحية اخرى لا يزال نظام صدام حسين يمتلك قوى قمعية ضاربة، تستطيع التعامل مع أي تحرك منفردة لقوى المعارضة. الامر الذي يحتم ضرورة تجميع هذه القوى في عمل موحد واسع، يستطيع ان يتجاوز التفوق المؤقت لقوى القمع الصدامية، وكسب اوساط من داخل مؤسسات السلطة، وتحريك الطاقات الشعبية ومخزون الغضب الهائل ضد النظام.

وينبغي اخذ مجمل هذه العوامل وتجلياتها بنظر الاعتبار عند التفكير بافاق تطور الوضع واحتمالاته، ووضع الخطط لتحقيق التغيير الذي ينشده شعبنا.

ان الولايات المتحدة الامريكية التي قادت قوات التحالف الدولي – وكذلك قوى اقلمية في مقدمتها السعودية- لم تكن تريد ان ينهار نظام صدام على ايدي ابناء الشعب الذين انتفضوا في اذار 91، وكان ممكناً ان يقيموا على انقاضه بديلاً لا ترضى عنه امريكا والسعودية.

ان هذا الواقع بدلالاته العميقة ظل يتحكم بالدور الامريكي بصفته الابرز والاهم دولياً. فبرغم التظاهر بمساعدة المعارضة العراقية، ادت التدخلات الامريكية الى ايذاء المعارضة الحقيقية للنظام واضعافها. لانها كانت تنطلق من تقدير يقول " ان صداماً ضعيفاً ومعزولاً خير من بديل غير معروف ومسيطر عليه".

هذا فضلاً عما يتيحه بقاء صدام في السلطة من امكانيات لاستخدام نزعاته العدوانية وحماقاته، لتعزيز الوجود الامريكي في المنطقة، واستنزاف دول الخليج بتحميلها نفقات هذا الوجود، وتسديد الاثمان الباهضة بمليارات الدولارات للاسلحة الامريكية والغربية الاخرى التي تفرض عليها.

وما زال هذا التقدير يتحكم في سلوك الاوساط المتنفذة في الخليج ويظهر في تصريحات مسؤولين فيها.

اما موقف تركيا فقد ظل محكوماً بمصالحها ومطامعها وعدائها للحقوق القومية للشعب الكردي داخل وخارج حدودها. وقد اتخذت من نشاطات حزب العمال الكردستاني في تركيا ذريعة مفضوحة لاجتياح الحدود العراقية اكثر من مرة.

كما ان القادة الارتاك لم يكلفوا عن ترديد التصريحات التي تكشف مطامعهم العدوانية في ارض العراق وثرواته، والمطالبة بـ" عودة" ولاية الموصل الى تركيا، ويمنحون انفسهم حق الوصاية على تركمان العراق ، كما يواصلون سياستهم التعسفية في مجال المياه ورفض الاعتراف بالرافدين: دجلة والفرات باعتبارهما نهرين دوليين، وما يترتب على ذلك من حقوق تأريخية للعراق وسوريا في مياههما، بل ويسلبون هذه الحقوق عن طريق بناء السدود وحجب ما يستحقه البلدان من المياه، وهذه سياسة عدوانية تهدد باندلاع نزاعات خطيرة على الضد من مصالح شعوب البلدان الثلاثة، وتتطلب الوقوف في وجهها بحزم.

وفي ايران استمر عدم التوازن في التعامل مع نظام صدام، ولوحظ تنامي الميول التي تدعو لـ" التفاقم" معه بذريعة ان الطرفين، ايران والعراق، هدف لسياسة الاحتواء المزدوج الامريكية، وبالتالي فإن " من المصلحة" ان يتم التقارب بينهما.

وكانت الجهود المبذولة على هذا الصعيد في فترة سابقة قد اوشكت اكثر من مرة ان تفلح في عقد لقاءات على مستوى رفيع بين المواطنين، غير انها سرعان ما كانت تنتكس جراء عمق الخلافات بينهما، وانعدام الثقة في تحقيق الالتزامات التي يأخذها كل طرف على عاتقه، وخصوصاً بشأن الاسرى، وكذلك الخلافات بشأن قضايا الحرب العراقية – الايرانية كتعويضات وغيرها.

وتواصل سوريا نهجها في عدم دعم قضية الشعب العراقي وسعيه للخلاص من الدكتاتورية، في نفس الوقت الذي تسعى فيه للاستفادة من العراق كدولة، وفي تحشيد موقف عربي عام ضد الضغوط الامريكية- الصهيونية لفرض تسوية غير عادلة للقضية الفلسطينية وصراع الشرق الاوسط وفي هذا السياق جاء فتح الحدود للتبادل التجاري بين البلدين مؤخراً.

اما الاردن فيلفت الانتباه التذبذب في موقفه. فقد تحول من عدم نظام صدام حسين الى الاعلان عن ضرورة التغيير في العراق وتخليص شعبه من المحنة.

واستقطب في ذلك تأييد بعض قوى المعارضة بعضها الاخر، وظلت غالبيتها تتعامل مع الموضوع بحذر. وقد بينت عودة الحكم في الاردن مؤخراً الى تحسين علاقاته مع النظام العراقي، والاسهام في محاولات اعادة تأهيله دولياً ان الحذر كان في مكانه. 

سادساً: احتمالات تطور الوضع

في ظل هذه الاوضاع المعقدة والمتشابكة والتي شهدت تغيرات متنوعة سلبية وايجابية، عكفت اللجنة المركزية للحزب (ل.م.) منذ المؤتمر الوطني الخامس على متابعة الوضع واحتمالات تطوره، والسعي لتأمين متطلبات كل احتمال.

واعدت ل. م. ورقة عمل حول ذلك في ضوء دراسات حزبية سابقة منذ اوائل كانون الاول 1994. وتم تعميم اهم ما فيها، وجرت الاستفادة منها في اعداد تقرير ل. م الى المجلس الحزبي الرابع في آب 1995 ويمكن تلخيص اهم ما جاء فيها بما يلي:

*تفاقم الازمة الشاملة للنظام، واستدادها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

*غياب العمل السياسي الجماهيري المنظم بسبب الارهاب الدكتاتوري الدموي، واضعاف تنظيمات قوى المعارضة في الداخل الى حد كبير.

*استمرار وتعمق الضائقة المعاشية الخانقة.

*شيوع حالة الفوضى وفقدان الامن في البلاد.

كل ذلك يجسد حالة من التوتر الاجتماعي تنذر بالانفجار، الذي يصعب التحكم به في ظل غياب ملحوظ للمعارضة المنظمة داخل البلاد ( عدا اقليم كردستان).

واستناداً الى ذلك فإن احتمالات التغيير اليوم متعددة. وهي ترتبط بدور وقوة مجموعة من العوامل الاساسية، وهي :

1-النظام الدكتاتوري وما يمتلكه من امكانات لمواصلة البقاء ومواجهة أي تحرك شعبي مضاد له.

2- قوى المعارضة ودورها وفعالياتها، استمرار تشتتها او الوصول الى نوع من وحدة نشاطها او التنسيق بين قواها الفاعلة في الداخل والخارج.

3- الحركة الجماهيرية ومدى القدرة على استنهاضها.

4- الجيش والقوات المسلحة والقوى المعارضة التي تتكون داخل مؤسسات السلطة، وإمكانيات توظيف دورها لصالح النضال المعادي للدكتاتورية.

وإمكانيات توظيف دورها لصالح النضال المعادي للدكتاتورية.

5- العامل الدولي والاقلمي وتشابك وتناقض مصالح القوى المؤثرة فيه، ومصالح هذه القوى من جهة ومصالح النظام الدكتاتوري من جهة ثانية.

ان النظام يمكن ان يستمر في السيطرة على الوضع، رغم كل العوامل الموضوعية التي تساعد على اسقاطه، اذا ما ظلت قوى المعارضة تعاني ما تعانيه الان من تشتت وابتعاد عن الساحة الحقيقة لمنازلة الدكتاتورية. فضلاص عن بقاء العاملين الدولي والاقليمي في موقفهما المتذبذب من بقاء النظام، ومن جهود المعارضة العراقية لاسقاطه.

وبرغم ذلك فإن تفاعلات الازمة في الداخل، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، يمكن ان تسفر عن انفجار الغضب الشعبي الناجم عن الارهاب والتعسف والضائقة المعيشية المتفاقمة.

كما ان السخط الجماهيري الواسع والاحتقان الاجتماعي والتذمر المتزايد داخل حزب السلطة وفي صفوف القوات المسلحة يمكن ان تؤدي الى انقلاب عسكري يحرك دعماً شعبياص يحول الانقلاب الى انتفاضة شاملة. ويمكن ايضاً في اجواء التفكك الذي يعصف بالعائلة الحاكمة ان تجري عملية لاغتيال الدكتاتور او حتى انقلاب يقوم به عدد من الضباط الكبار، لتفادي انفلات الوضع والعصف بهم وبالظام كله كما يمكن ان يأتي التغيير بفعل تدخلات خارجية تنفيذاً لمخططات تستهدف اقامة بديل ترضى عنه الجهات التي تقف وراء هذه المخططات بالاستفادة من تدهور الاوضاع واحتمالات انفلات الوضع، وللحيلولة دون قيام بديل لا يرضيها.

ان حزبنا الشيوعي العراقي الذي يناضل من اجل بديل ديمقراطي حقيقي، لا يريد هذا التغيير الذي يتناقض مع ما ناضل من اجله عشرات السنين وقدم في مصيره ورسم مستقبله واختيار النظام الذي يريده. وسيتعامل حزبنا مع أي حكم يأتي على انقاض الدكتاتورية القائمة في ضور مدى اقترابه او ابتعاده عن المشروع الوطني الديمقراطي للحزب،

وكما اكد المجلس الحزبي الرابع فـ" ان موقف حزبنا، تجاه هذه اللوحة المعقدة والمتشابكة، سيظل كما كان سابقاً، يعتمد في الاساس، على العامل الداخلي في التغيير، على قوى شعبنا الكتوية بنار الدكتاتورية، بمن فيها فئات واسعة داخل الجيش والقوات المسلحة، كذلك عناصر من صفوف الحزب الحاكم. مع السعي للاستفادة من العاملين الاقليمي والدولي بما ينسجم مع مصلحة شعبنا وسيادة وطننا".

ولا بد من التأكيد ان امكانياتنا- في الظروف الراهن – في ترجيح الاحتمالات التي تنسجم مع مصلحة الشعب والسيادة الوطنية، والتي تجسدها البديل الديمقراطي الذي ندعو اليه، ما تزال دون المستوى المطلوب في شتى المجالات، الامر الذي يجعلنا جميعاً مسؤولية تأمين المستلزمات الضرورية من اجل ان يلعب الحزب في تطور الاوضاع. 

سابعاً: الوضع في المعارضة وسياستنا التحالفية

تستأثر اوضاع النشاط المعارض للنظام الدكتاتوري بأهتمام كبير من لدن حزبنا، الذي يعمل على تطوير هذا النشاط وتحشيد قوى معارضة واسعة لانجاز مهمة الاستقلال الفكري والسياسي والتنظيمي لكل طرف من اطرافها.

وقد اسهم حزبنا بالفعل في المعارضة العراقية اليوم لا يزال بعيداً عن الحد الادنى من ما تتطلبه مهمة اسقاط الدكتاتورية واقامة نظام ديمقراطي يمثل ارادة الشعب.

بل ان السنوات الماضية شهدت انحساراص في الجهود الرامية لجمع قوى المعارضة واحزابها، وتعمقاً لحالة التمزق والتشتت التي تعيشها. هذه الحالة التي نجمت عن نزعات الاستئثار والتسلط، وتعويل بعض اطراف المعارضة على العامل الخارجي وارتهان البعض الاخر لجهات اقليمية ودولية، وهو ما دلت عليه تجربة المؤتمر الوطني العراقي الموحد، واكدته الحصيلة المؤسفة لاجتماع دمشق ( نيسان 1996).

واننا اذ نعمل من اجل وحدة نشاط قوى المعارضة ضد الدكتاتورية بالاستفادة من التجارب السابقة نسعى ايضاً الى تعزيز التيار الديمقراطي ودور القوى الديمقراطية اليسارية، التي تناضل لتحقيق الديمقراطية ببعدها السياسي والاجتماعي في مجمل عمل المعارضة تمهيداً للدور الذي ينبغي ان تنهض به هذه القوى في عراق الغد الديمقراطي.

وان ما نحرص عليه في عملنا في مجال التحالفات السياسية، هو تعزيز مواقف الحزب والحفاظ على استقلاليته في رسم سياسته، وضمان قدرته على التحرك المستقل للدعوة لمبادئه ومواقفه السياسية وتحالفاته الثنائية او متعددة الاطراف مع القوى الاخرى.

وعملاً بدعوتنا للحوار الوطني الشامل لقوى المعارضة، سنسعى الى ضمان مشاركتنا في المداولات التي تجري للبحث في مستقبل العراق، مع مراعاة التوازن في تحركنا، وتعزيز صلاتنا بالاطراف الاقرب الينا سياسياً وفكرياً.

وفي هذا السياق نلحظ ظهور وتنامي اشكال جديدة للعمل المعارض للدكتاتورية في الداخل، وذلك حتى في الاوساط القريبة من النظام وبعض مؤسساته العسكرية والمدنية. وهو ما يتوجب ايلاؤه فائق الاهتمام، ومنحه كل ما يمكن من الدعم.

واننا بحاجة الى المزيد من دراسة وتقصي ليس فقط هذه الاشكال الجديدة للمعارضة الداخلية، بل كذلك مواقف القوى والتيارات القائمة المعروفة، والمظاهر المختلفة في ميدان العلاقات والتحالفات من قبيل:

*التيارات الاربعة والقوى السياسية في ساحة المعارضة.

*سبل تفعيل التيار الديمقراطي ودور القوى الديمقراطية اليسارية فيه.

*القوى والاتجاهات الليبرالية.

*البحث في اشكال التنسيق والتعاون والاطر الممكنة بين مختلف القوى والفعاليات المعارضة في الوضع المعقد الحالي.

*العمل على ابرام عقد مشترك حول تنظيم العلاقة بين قوى المعارضة، ينص على التزامها نبذ العنف والاحتراب فيما بينها ورفض نزعة الغاء الاخر. 

ثامناً: تصاعد مظاهر تحدي الدكتاتورية

ادى تدهور الاوضاع المعيشية واشتداد معاناة غالبية ابناء الشعب، الى جانب اثراء حفنة من المقربين لقمة السلطة، وتفاقم الارهاب والقمع الدموي وتفنن السلطة بأساليب التصفيات الجسدية والاعتقالات الكيفية، ادى كل ذلك الى اتساع التذمر والسخط وروح التحدي، وتصاعد مظاهر الرفض والاحتجاج وبلوغها مستوى المجابهة المسلحة في احايين كثيرة، كما حدث في الرمادي وابو غريب، وفي محاولة اغتيال عدي وفي عملية ام الغزلان.

وبفعل اتساع مظاهر المقاومة المعادية للسلطة واجهزتها القمعية، اصبحت مناطق في بعض المحافظات بعيدة عن سيطرة السلطة في ساعات الليل.

وامتد السخط والاحتجاج الى فئات وشرائح واسعة داخل المؤسسات المدنية والعسكرية ومنظمات حزب السلطة، شاملة الجنود والمراتب وصغار الضباط الذين يعبرون عن تذمرهم علناً. مديات واسعة، وفشلت محاولات الدكتاتورية سواء الارهابية منها او اعلانات العفو عن احتوائها، والتحق عدد من كبار الضباط بالمناطق المحررة في كردستان. وارتباطاً بكل هذا تزداد النفقة داخل المؤسسة العسكرية، ومعها تزداد الرغبة في الخلاص من الطغمة الحاكمة.

وتتسع عمليا المقاومة الشعبية باساليب ومسميات ووسائل مختلفة واستطاع عدد من قوى المعارضة ابتداع الاسالليب المناسبة في توزيع الصحف والمطبوعات والملصقات، كما تنتشر الشعارات المنددة بالدكتاتورية في ارجاء واسعة من مدن الوطن. وتلعب اذاعات المعارضة العراقية دورها في تعبئة فئات تتسع باستمرار، ضد السلطة وممارساتها الاستبدادية.

ان هذه المظاهر وغيرها يمكن ان تزداد وتصبح اكثر فاعلية، اذا ما اقترنت بالمزيد من العمل المنظم لقوى المعارضة، ووضعت الخطط العلمية للنضالات الشعبية المعادية للدكتاتورية، واذا ما نجحت قوى المعارضة في تحقيق الحد الادنى من التنسيق والعمل المشترك.

ان تحريك الجماهير وتفعيل نشاطها المطلبي والسياسي يعتبر احدى المهمات الاساسية لنضال الحزب، لكي تساهم (الجماهير) بدورها المنشود في عملية التغيير وتحديد ملامح المستقبل.

 

تاسعاً: الديمقراطية والتجديد

شكلت موضوعة اشاعة الديمقراطية في حياة الحزب الداخلية، والتجديد على الصعيد الفكري والسياسي والتنظيمي، هاجساً اساسياً في عمل الحزب منذ التحضير للمؤتمر الوطني الخامس.

وان ما تحقق على هذه الصعد ليس بالقليل ، غير انه يظل دون الطموح ويتطلب مواصلة العمل بجد على ترسيخ روح الديمقراطية والتجديد، والابداع في تجسيد وتطوير المنطلقات التي وضعها المؤتمر الوطني الخامس.

فقد جرى التوجه والعمل لتدقيق خطابنا السياسي، والاعتماد اكثر فأكثر على الوقائع والحقائق الموضوعية في رسم المهمات والحلول، والتخلص من الاحكام الجاهزة، واعتماد المحاججة والمنطق العلميين في التعامل مع المشاكل ووجهات النظر المختلفة والمخالفة. وتم التركيز على الديمقراطية كمفهوم، وممارسة ونظام سياسي بديل.

وقد جرى هذا كله ويجري في ظل ظروف صعبة تمثلت بضغوط عديدة للتأثير على وجهة الحزب وخطابه السياسي، وابعاده عن انتهاج سياسة مستقلة متوازية تحافظ على هويته الفكرية والسياسية.

ان مواصلة ترسيخ الديمقراطية والتجديد في كل المجالات تتطلب تفهم الواقع الذي يعيشه الحزب، وتأمين المستلزمات الضرورية لتحقيق هذه المواصلة بنجاح.

وعلى صعيد الحياة الداخلية حقق الحزب نجاحات في ميدان مشاركة القاعدة الحزبية في رسم سياسته العامة وصياغة شعاراته وتكتيكاته. اذ لم يعد ذلك حكراً على عدد محدود من قياديي الحزب وكوادره، بل صار شأناً يخص كل هيئاته ولجانه المختلفة، تمارس تطبقيه من خلال ترسيخ القيادة الجماعية والتفاعل الحي داخل الهيئات واللجان وفيما بينها ايضاً، ومن خلال الاجتماعات الموسعة.

وانتظم اطلاع المنظمات الحزبية على مجريات اجتماعات ل. م. وقراراتها.

ولتنشيط الصراع الفكري وتحسين اداراته جرى ايلاء اهتمام جدي للرأي الاخر، وافساح المجال لطرحه على مجموع الحزب سواء في صحافته العامة (طريق الشعب، ريكا كوردستان، رسالة العراق، الثقافة الجديدة) او النشر الداخلي ( مناضل الحزب، حياة الحزب). هذا فضلاً عن تحفيز دائرة واسعة من الكوادر، على ابداء آرائهم بمجمل سياسية الحزب( كما جرى في التحضير للكونفرنس الرابع والمؤتمر السادس).

وتوطدت خلال السنوات الثلاث المنصرمة الانتخابات الحزبية كأسلوب لاختيار الرفاق لجميع المراكز الحزبية، خصوصاً في منظمات حشك والخارج.

الا انه برغم ما تحقق من نجاحات فليس من الصحيح تجاهل واقع ان الحزب لم يتخلص بعد من جميع الشوائب والعيوب في هذا المجال. وان هذه العملية تتطلب وعياً عالياً ودأباً متواصلاً وعملاً تربوياً وتثقيفياً كبيراً للتغلب على صعوبة التكيف مع الاساليب الجديدة بالنسبة لبعض الرفاق وحاجة البعض الاخر الى الوقت لهذا التكيف ونبذ الاساليب المعرقلة وتذليل الصعوبات الناجمة عن التباعد في المواقع النضالية، وما ينجم عنها من تفاوت واختلاف في فهم الظواهر والمشاكل التي تواجه الحزب.

ان بعض التجاوزات او مظاهر الخروج عما هو نظامي واصوي في مجال ابداء الرأي الاخر، يجب ان لا تدفع الحزب للتخلي عن الاتجاه الصحي السليم الذي ابعه، وعن مواصلة البحث عن افضل الصيغ لتفعل الاراء والاجتهادات وتثمير نتائجها لصالح تطوير العمل الحزبي فكرياً وسياسياً. مع الانتباه الى ان حرية النقاش يجب ان لا تضر بسرية العمل التنظيمي ولا تقدم مادة مجانية، بدون قصد، لايذاء الحزب.

ولتلافي شيء من النقص في الهمل الفكري تم تشكيل لجنة الدراسات في الخارج. وبرغم الصعوبات الناجمة عن شحة الكادر وانشغال الرفاق بمهمات كثيرة شكلت في الداخل مختصة للعمل الفكري اوائل العام 1995، ومن اجل تحريك الاجواء وتحفيز الرفاق المختصين للاقدام على خطوات ملموسة على طريق تدقيق المفاهيم النظرية بما ينسجم مع واقعنا وما شهده من تطورات.

ان حصيلة تجربتنا منذ المؤتمر الوطني الخامس حتى الان، تؤكد ان عملية النظرية المشوهة، وقوة العادة وما تركته التقاليد والممارسات السابقة من اثار يصعب تجاوزها بسهولة وبفترة زمنية قصيرة. هذا الى جانب التأثير السلبي للظروف الموضوعية في بلادنا، وعموم الاجواء المحيطة بعمل الحزب، والمتمثلة بنظام القمع والارهاب، ومستوى التطور الحضاري والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

وبحكم ارتباط العملية بحركة الواقع والظواهر الجديد التي يفرزها، فهي بحاجة الى المزيد من الوقت والجهد الجماعي. الى جانب الحاجة الى الصراع والتفاعل من اجل بلورة مفهوم متكامل متطور لعملية التجديد على صعيدي النظرية والممارسة.

ووفق هذا الفهم فهناك الكثير من الاسئلة التي تتعلق بمستقبل حركتنا، من العسير اعطاء اجابات نظرية وافية ومتكاملة بشأنها في الوقت الحاضر.

كذلك بتنا ندرك افضل من السابق طبيعة العلاقات والتأثيرات المتبادلة بين المقولات والمفاهيم المجردة وتجلياتها في التجربة العلمية، وكيف ان الاهداف المحددة لاي حركة تنبع اساساً من التناقضات والنزاعات الواقعية والامكانيات المتوفرة للتطور، وليس وفق مخطط نظري جاهز.

وبرغم ذلك لازال الجدل قائماً داخل الحزب وفي محيطه حول الموقف من عملية التجديد. ويمكن الاشارة هنا الى ثلاثة اتجاهات:

-        الاتجاه المحافظ المتسم بالركود والانشداد الى الماضي.

-        الاتجاه العدمي المتسم بالليبرالية والتحلل من الالتزامات السياسية والفكرية.

-        الاتجاه التجديدي الذي يسعى بأستمرار للاقتراب من الواقع والتعامل بموضوعية مع الظواهر.

-        وبين هذه الاتجاهات العامة الثلاثة هناك وسط لم يتبلور موقفه بعد، يظهر في حالات التأييد العفوي وفق اعتبارات آنية لهذه الوجهة او تلك. غير ان هنالك حقيقة واضحة وهي ان الرأي العام الحزبي الغالب هو مع عملية التجديد والتطوير بالمنظور الذي يسعى اليه الحزب.

-        من جانب آخر أكدت تجربتنا كم هي خطرة على عملية التجديد، المعايير الذاتية والانتقائية التي تنطلق من مواقف مخلة بموضوعية هذه العملية واظهر ذلك مدى حاجتنا الى الواقعية في رصد الظواهر في حياتنا الحزبية وعلاقاتنا، من خلال تفعيل المنهج المادي الجدلي، واخذ الظروف الملموسة ومستوى التطور الاقتصادي الاجتماعي الثقافي بنظر الاعتبار عند صياغة التجديد والديمقراطية او عند ممارستها فعلياً.

ان الميول الهادفة الى معارضة اشاعة الديمقراطية بذرائع من قبيل التقاليد السائدة في المجتمع والحزب وغياب الثقافة السياسية، وحالة التخلف الاجتماعي المستوى الحضاري المتدني والتعكز على " الخصوصيات" و" الواقع الملموس" لعرقلة ماهو ناضج وممكن بأتجاه اشاعة الديمقراطية داخل الحزب وتجديدة فكراً وممارسة وتنظيماً كذلك محاولات التوظيف المفتعل لمآل البرسترويكا المأساوي لصالح تكريس روح المحافظة والجودة، انما هي ميول خطرة ومؤذية.

ولا يقل خطراً عن هذه الميول سعي البعض لاستنساخ تجارب الاخرين ومحاولة فرضها قسراً على واقعنا، دون اخذ خصوصيات هذا الواقع بنظر الاعتبار عند الاستفادة- وهي امر ضروري – من تجارب الاخرين.

وتبقى عملية البحث قائمة للوصول الى قراءة صحيحة لما انتهت اليه التجارب السابقة لبناء الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان اوربا الشرقية، لاستخلاص نتائج سلمية ومعللة مما ادى اليه غياب الديمقراطية السياسية واعتماد آليات بعيدة عن افكارنا ومثلنا من قبيل عبادة الفرد والبيروقراطية، اضافة الى القفز على المراحل والتنكر للفعل الموضوعي للقوانين الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من الممارسات المدمرة لبناء الاشتراكية كي تتمكن احزابنا من النهوض ومعاودة المسير على هدي الاشتراكية كبديل موضوعي للرأسمالية وشرورها.

ويدخل ضمن عملية الاستقراء هذه تفحص النجاحات التي حققتها الاحزاب الشيوعية والاشتراكية واليسارية الجديدة في العديد من البلدان ، مستفيدة احياناً من تجارب الماضي واخفاقاته، ومستلهمة حقائق الواقع لصياغة برامج علمية تعبر عن مصالح الجماعير الفعلية.

لقد قطع حزبنا شوطاً لا يستهان به على طريق الديمقراطية والتجديد، مؤكداً ان ذلك هو مهمة الحزب كله وليس شأناً يخص القيادة وحدها. وبرغم ذلك يعبر البعض عن قلقه وشكوكه في قدرة الحزب على مواصلة نهجه التجديدي، وخشيته من التراجع عن هذا المسار، ويطالب بضمانات اكيدة تحول دون هذا التراجع.

ان ما يرسخ هذه العملية ويجعل من بدايتها الواعدة ظاهرة عامة وثابتة، انما هو الاستمرار المثابر في ممارسة نهج الديمقراطية والتجديد وتعميقه واثرائه.

ذلك هو الطريق الافضل لتأصيل الديمقراطية ومظاهر الجديد والتجديد، وهو انجح واكبر ضمان لديمومتها.

عاشراً: أهدافنا الآنية

والبديل الديمقراطي الذي نناضل من أجله 

إن اعتبار طبيعة وممارسات الحكم القائم العامل الاساسي في الازمة الشاملة التي تعصف بالبلاد، يقود بالضرورة الى تشخيص مهمة اسقاط الدكتاتورية الحاكمة واقامة البديل الديمقراطي، بأعتبارها ضرورة ملحة ولابد منها لاخراج البلاد من أزماتها وانقاذ الشعب من محنه وانهاء الحصار الشامل والعقوبات الدولية المفروضة على بلادنا، وعودة العراق بثقله الاقتصادي والبشري والحضاري والسياسي، لتوء موقعه الطبيعي والنهوض بدوره الايجابي بين دول المنطقة.

وتلتقي مع هذا الهدف المركزي وتساعد على توفير عوامل وظروف مؤاتية للتعجيل بإنجازه، جملة من الاهداف والمطالب النضالية لانية الملحة.

*كسب وتنظيم وتعبئة اوسع جماهير الشعب في نضالات سياسية ومطلبية متنوعة الاشكال والاساليب ضد الدكتاتورية.

*رفع الحصار الاقتصادي عن شعبنا.

*العمل على تجميع قوى المعارضة وتوحيد نضالها ضد الدكتاتورية

*تحقيق المصالحة الوطنية في اقليم كردستان وتعبئة جماهيره للدفاع عن حقوقها وحرياتها الديمقراطية.

* فضح واحباط محاولات السلطة والاوساط الامريكية والبريطانية الرامية لعرقلة وتعطيل تطبيق القرار 986.

*الضغط والمطالبة بتفعيل وتطبيق قرار مجلس الامن الدولي رقم 688 الخاص بحقوق الانسان في العراق.

*تصعيد المطالبة بتقديم صدام حسين واركان نظامه الى محكمة دولية باعتبارهم مجرمي حرب ومجرمين بحق الانسانية.

*المطالبة باجراء انتخابات عامة في العراق بادارة واشراف الامم المتحدة وجهات دولية محايدة.

*الضغط على الهيئات الدولية لتشكيل لجان تفتيش محايدة للكشف عن مصير السجناء والمفقودين في معتقلات الدكتاتورية، وتقصي حالة حقوق الانسان في العراق، اسوة بلجان التفتيش الخاصة بأسلحة الدمار الشامل.

*النضال من اجل ضمان مشاركة ممثلي الرأي العام العراقي ، ممثلين بقوى المعارضة الوطنية، في اية مساع ومحاولات تتعلق بمستقبل العراق ومصالح شعبه.

*السعي لكسب اوساط من داخل الحزب الحاكم والمؤسسة العسكرية الى جانب القوى المناهضة للطغمة الحاكمة، لضمان التعجيل باسقاط الدكتاتورية وتجنيب البلاد مخاطر حرب اهلية داخلية واية تدخلات خارجية.

*وضع الحكومات والقوى الوطنية التقدمية العربية والاوساط الاقليمية الدولية الحريصة على أمن ومستقبل العراق عند مسؤوليتها في عدم دعم نضال شعبنا وقواه الوطنية، وتكثيف الجهود لقطع الطريق على محاولات تسويق النظام واعادة تأهيله دولياً.

ان الاوضاع المأساوية التي تعصف ببلادنا تتطلب استنهاض كافة الطاقات والتحلي باعلى درجات الشعور بالمسؤولية لاقامة اوسع تحالف اجتماعي سياسي من القوى المناهضة للدكتاتورية، لبناء العراق الديمقراطي الفيدرالي الموحد على انقاض الدكتاتورية ومؤسساتها وقوانينها، وذلك من خلال:

أولاً- تشكيل حكومة ديمقراطية ائتلافية مؤقتة من القوى والتيارات الاساسية في البلاد، تجري انتخابات حرة نزيهة وفقاً لقانون انتخاب ديمقراطي، وتحت اشراف هيئات دولية محايدة لانتخاب مجلس تأسيسي ويقوم هذا المجلس بسن دستور دائم للبلاد، يشرع لاقامة نظام ديمقراطي يؤمن الحريات والحقوق الديمقراطية للشعب، وفي مقدمتها حرية التنظيم الحزبي والنقابي والمهني والاجتماعي وحرية الصحافة والتعبير وعن الرأي وحرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية والقومية، والغاء التمييز بكل انواعه، القومي والديني والطائفي. دستور يعتبر كل المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان جزءً منه، ويقر بشكل واضح وصريح الفصل بين السلطات الثلاث، ويؤكد بحزم استقلال القضاء.

ثانياً- العمل على رفع الحصار المفروض على بلادنا، والغاء جميع العقوبات الدولية بما يضمن مصالح الشعب والسيادة الوطنية.

ثالثاً-الاعتراف بالحقو القومية العادلة للشعب الكردي وحل القضية القومية حلاً ديمقراطياً على اساس الفيدرالية لاقليم كردستان، والحقوق القومية والادارية والثقافية للتركمان والاشوريين والكلدان، وازالة كل ما يعرقل احترام التنوع القومي والديني والطائفي والمذهبي.

رابعاً- التمسك بمبدأ التداول السلمي للسلطة، ونبذ العنف، واللجوء الى الطرق الديمقراطية السلمية في معالجة الخلافات والمشاكل التي تنشأ بين القوى السياسية.

خامساً- ازالة اثار النظام الدكتاتوري في جميع المجالات والغاء جيمع القوانين والمؤسسات والاجهزة القمعية التي ترتبط به.

سادساً- اتباع كل الوسائل الكفيلة برفع معاناة الشعب وتحسين مستواه المعيشي، والدفاع عن مصالح العمل وفقراء الفلاحين والموظفين الكادحين، ومعالجة مشكلة البطالة، وتأمين الضمان الاجتماعي، وانتهاج سياسة وطنية لاعادة اعمار البلد وازالة اثار الخراب، واطلاق التنمية الاقتصادية وحماية الثروات الوطنية واستثمارها في بناء الاقتصاد الوطني ولصالح تقدم العراق وازدهاره.

سابعاً- اقامة علاقات ايجابية مع الدول العربية ودول الجوار على اسس المصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة واستقلال كل بلد وخياراته الحرة في تحديد مستقبله السياسي.

ثامناً-السعي الحثيث لاقامة افضل علاقات التكامل الاقتصادي بين البلدان العربية، وتأسيس السوق العربية المشتركة.

تاسعاً- اقامة علاقات متوازنة مع جميع دول العالم على اساس التكافؤ والمصالح المتبادلة واحترام العهود والمواثيق الدولية. 

احد عشر: الوضع العربي

تزداد الاوضاع خطورة في المنطقة العربية والشرق الاوسط نتيجة اشتداد هيمنة الامبريالية الامريكية ودعمها اللامحدود لسياسات اسرائيل العدوانية، التي ادخلت عملية التسوية السلمية للصراع العربي- الاسرائيلي في مأزق العدوانية، التي ادخلت عملية التسوية السلمية للصراع العربي- الاسرائيلي في مأزق ينذر بعواقب وخيمة، من شانها تهديد الامن والسلام في هذه المنطقة الاستراتيجية الهامة ودفعها الى دوامة صراعات جديدة، بالضد من مصالح الشعوب العربية وطموحها الى توطيد استقلالها وبناء انظمة حكم ديمقراطية وتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية ورسم سبل تطورها المستقل.

فاسرائيل المعتدية التي لا تزال تحتل الاراضي العربي في الجولان وجنوب لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة، بدعم امريكي مكشوف، تخرق حتى الالتزامات البسيطة التي تضمنتها اتفاقية اوسلو المجحفة بحقوق الشعب العربي الفلسطيني، وتستمر في سياسة ارهاب الدولة التي تجلت في عدوانها السافر على لبنان، وفي سياسة الاستيطان، وتهويد القدس.

وبدلاً من شجب النهج العدواني لحكام اسرائيل، جرى تكريس الوجهة التي تريد اسرائيل واميركا فرضها على العرب لحل الصراع العربي – الاسرائيلي، وتسعى الى محاصرة سوريا الصامدة بوجه المخططات الهادفة الى فرض ما يمس سيادتها ويمنع استيراد حقوقها المشروعة كاملة في الجولان، ويبقى الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان خلافاً لقرارات الجمعية العامة لمنظمة الامم المتحدة ومجلس الامن.

ودخلت اسرائيل من اجل تحقيق ذلك ولفرض مخططاتها المناهضة السلمية العادلة، في اتفاق عسكري ستراتيجي مع تركيا، ترعاه وتشجعه الولايات المتحدة، ويستهدف الهيمنة والتدخل في الشؤون الداخلية لدور المنطقة.

ويجري تسويق " الشرق اوسطية" على الصعيدين السياسي والاقتصادي كبديل للنظام الاقلمي العربي، في مرحلة تفكك عربية اقترنت بأشتداد النزوع نحو القطرية والتكتلات السياسية بين بعض الدول العربية، التي لا تقوم على اساس اقتصادي.

ووفر هذا الوضع المسوغات لعدد من الانظمة العربية لالغاء مقاطعة اسرائيل، والسعي لتطبيع العلاقات معها، على الضد من مصالح الشعوب العربية، ولقبول النظام الشرق اوسطي بصفقات انفرادية.

ان النظام الشرق اوسطي المطروح اليوم هو اعادة انتاج للهيمنة الامبريالية السياسية والعسكرية بالتعاون مع اسرائيل، في صورة اقتصادية. وهذا ما اكدته قمتا الدار البيضاء وعمان " للتعاون الاقتصادي".

ومن جانب اخر تسعى الدول الاوربية لايجاد نفوذ مواز، وهو ما تطلق عليه " المتوسط الجديد" الذي تجلى بوضوح في مؤتمر برشلونة الحكومي، والحديث عن الشراكة الاوربية – المتوسطية.

ان العوائل المتحكمة بالسلطة في بلدان الخليج وفئات البورجوازية الطفيلية والبيروقراطية وبعض النخب الحاكمة، التي تخاف شعوبها وتصادر حرياتها الديمقراطية، او تفننها بما لا يترك لهذه الشعوب سوى هامش هزيل من الديمقراطية، انها برغم التفاوت فيما بينها، والملامح الخاصة بهذا البلد او ذاك، صارت ترى في " تطبيع" علاقاتها مع اسرائيل والتعاون معها طريقاً لبقاء سلطتها. وهي تلتقي بهذا الشكل او ذاك مع ما تسعى اليه الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل من تعزيز هيمنتها في المنطقة عن طريق ما تسميانه " التطبيع الكامل" قبل تحقيق التسوية العادلة للصراع العربي- الاسرائيلي، التي يقف في مقدمة شروطها انسحاب اسرائيل من الاراضي العربية المحتلة والاعتراف بحث الشعب العربي الفلسطيني في اقامة دولته الوطنية المستقلة على ارض وطنه.

ان غياب الديمقراطية، واستهتار الانظمة الدكتاتورية والوراثية الشمولية، وعجزها في العقود الماضية عن حل المشكلات الاجتماعية العميقة وعن وقف تدهور الاوضاع المعيشية والحياتية لفئات واسعة من الشعب مقابل استمار الاثراء الفاحش لفئات محدودة، مع ما يرتبط بذلك دولياً واقلمياً من تهميش الاستقلال والسيادة واستفزاز الكرامة الوطنية والقومية، كل ذلك اسهم في خلق مناخ ملائم لبروز واتساع الحركات " الاسلامية" المتطرفة التي تقدم بديلاً معادياً للديمقراطية وتعتمد العنف والاهرهاب لفرض ارادتها على المجتمع باسره، وتعرقل نضال الجماهير من اجل اقامة اوضاع ديمقراطية حقيقية.

ان التعامل مع قوى الاسلام السياسي، كحركة اجتماعية قائمة، والتعاون معها في ساحات النضال المتعددة، سواء في العراق ضد الدكتاتورية، او في فلسطين ولبنان ضد الاحتلال الاسرائيلي، امر ضروري لتجميع طاقات كل القوى الفاعلة ضد الاستبداد والدكتاتورية والاعتداء الاجنبي، ومن اجل ارساء مفاهيم الحوار السلمي والاقرار بالتعددية واحترام الرأي الاخر. وهذا يتطلب التركيز على القضايا المشتركة ومن منطلقات ايجابية وخلق مناخات مواتية للحوار الديمقراطي والنقاش الفكري، والتصدي لبعض الاتجاهات داخل صفوف القوى الاسلامية التي تلجأ الى معاداة الديمقراطية والتقدم والى اثارة النعرات الدينية والطائفية، او تلك التي تتبع اسلوب العنف والارهاب لتحقيق اهدافها.

وتتواصل ظاهرة العسكرة والتسلح في البلدان العربية، والتي تتجسد في تخصيص ميزانيات ضخمة للتسلح على حساب برامج التنمية وزج المنطقة في حروب وصراعات دامية سهلت للقوى الامبريالية التلاعب بمصائر وثروات دول المنقطة وتحويل هذه الدول الى سوق دائم للسلاح، اضافة الى تعميق تبعيتها للغرب.

وتتفاقم ظاهرة المدينية الخارجية للبلدان العربية وتزداد مخاطرها على تطور الاقتصاد والمجتمع في هذه البلدان، التي رضخت للشروط المجحفة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي الخاضعين لسيطرة الامبريالية الامريكية والرأسمال الاحتكاري، بما يتناقض مع مصالح شعوبها.

الا انه برغم حالة الانكفاء التي تسود المنطقة، تواصل الشعوب في البلدان العربية نضالها من اجل الديمقراطية، وحماية اقتصادها الوطني وتطويره لصالح الجماهير الشعبية الواسعة، وحماية قطاع الدولة من نهب البيروقراطيين والطفيليين والرأسمال الاجنبي، هذا النهب الذي يجري باسم الخصخصة واقتصاد السوق.

ويجري فضح مخططات ما يسمى بـ " الشرق الجديد" و" السوق الشرق اوسطية" والتوجهات التي تكرس عدم تكافؤ بين بلدان جنوب اوربا وبقية اقطار البحر المتوسط في مشروع " المتوسط الجديد" يجري فضحها من جانب القوى الوطنية الديمقراطية والقومية والتقدمية، ومجابهتها بالدعوة للتضامن العربي والسوق العربية المشتركة والتكامل الاقتصادي العربي.

ان البلدان العربية تشهد نضالات جماهيرية، في مختلف الساحات ومن بينها ما يجري في مصر والاردن والبحرين والجزائر وفلسطين ولبنان وغيرها . وقد اصطدم التعنت الاسرائيلي المدعوم امريكياً، وخصوصاً بعد مجيء نتنياهو الى الحكم وامعانه في انكار حقوق الشعب الفلسطيني بحملة رفض واسعة من جانب الجماهير العربية وقواها الوطنية والتقدمية، ومطالبة بالتصدي له.

وانعكس ذلك في ما تخذه مجلس وزراء الجامعة العربية من توصية بتجميد التطبيع مع اسرائيل قبل تحقيق تسوية عادلة للقضية الفلسطينية وللصراع في الشرق الاوسط. وقبل ذلك في ما اتخذه مجلس وزراء الجامعة العربية من توصية بتجميد التطبيع مع اسرئيل قبلتحقيق تسوية عادلة للقضية الفلسطينية وللصراع في الشرق الاوسط. وقبل ذلك شكل انعقاد مؤتمر القمة العربي في القاهرة ظاهرة ايجابية لتفعيل العمل العربي المشترك وتنشيط التضامن العربي في مواجهة التعنت الاسرائيلي المعرقل لعملية السلام.

وكل هذا يعكس الطاقات الكامنة للجماهير التي يمكن ان تحرز انتصارات اكبر اذا ما جرى تنظيمها بفعالية، واذا ما جرى التنسيق الفعال بين القوى ذات المصلحة في التغيير داخل كل بلد عربي وعلى نطاق البلدان العربية كلها، في جبهات وطنية وقومية معادية للامبريالية والصهيونية لتحقيق المطامح المشروعة في تحرير الاراضي العربية المحتلة واقامة حكومات وطنية وديمقراطية وترعى مصالح الجماهير وتلبي مطالبها في الحياة الحرة الكريمة، وفي تعزيز الاستقلال الوطني والديمقراطية وتحقيق التضامن العربي المنشود، وصولاً الى الوحدة العربية القائمة على اسس ديمقراطية،

ان القوى الوطنية الديمقراطية، ومن بينها الاحزاب الشيوعي والقومية التقدمية، والقوى الاسلامية المتنورة المعادية للامبريالية، وهي القوى المؤهلة لانجاز هذه المهمات اذا ما وحدت جهودها النضالية في كل بلد عربي وفي البلدان العربية ككل.

ورغم ما شهدته الحركة الشيوعية في البلدان العربية من تراجع،  فإن احزابها ومنظماتها ما تزال هي الاقرب لبعضها والاقدر على التنسيق فيما بينها. وقد شهدت السنوات المنصرمة جهوداً على هذا الطريق. وظلت دون المستوى المطلوب،الامر الذي يتوجب على حزبنا اخذه بنظر الاعتبار وبذل جهود اكبر مع اشقائه لتذليل الصعوبات التي تعترض هذا التنسيق والارتفاع به الى مستوى اعلى والعمل على توسيعه ليشمل القوى التقدمية الاخرى.  

اثنا عشر: الوضع الدولي

يعيش العالم اليوم  حالة من القلق وعدم الاستقرار تجسدت بشكل واضح بعد نهاية مرحلة الحرب الباردة، التي اقترنت بتفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار النظم الاشتراكية في اوربا الشرقية.

ويتجلى احد ابرز مظاهر حالة العالم الراهن في استمرار الصراع من اجل الهمينة على العالم، والمرتبط بطبيعة النظام الرأسمالي وقوانين تطوره وطبيعة العلاقات المتناقضة بين مراكزه الرئيسية. ويتخذ هذا الصراع اوجهاً متعددة ومتشابكة منها: الوجه العسكري – السياسي والصراع من اجل الهيمنة الاقتصادية.

وان العولمة كأحد المفاهيم الاساسية لفهم العالم المعاصر تعبر عن العملية الاقتصادية والسياسية والاحداث والانشطة ذات البعد العالمي المتزايد بما تحويه من منافسة وتطور تقني هائل. وتؤكد على الترابط بين اجزاء العالم، والذي تعمل الاحتكارات الرأسمالية الكبرى على توظيفه لخدمة مصالحها.

لقد تزايدت اتجاهات العولمة، في سائر المجالات، وبخاصة الاقتصادية والمادية والاعلامية والاتصال والمعلوماتية، حيث يتحول عالمنا الى قرية كبيرة مترابطة . ويزداد تهميش اطراف هذه القرية العالمية وتزداد تبعيتها للمركز وتتوسع الهوة بين المركز والاطراف.

ان هذا التحليل العام لتفسير التحولات الجارية في البلدان المختلفة من زاوية عالمية، يرتبط بذات الوقت بالخصائص القومية والمحلية المتفاعلة والمتحركة حيث تجتاح عالم اليوم قوى وعمليات تنشط في اتجاهات متعارضة متناقضة. فثمة اتجاه الى التحالف والاندماج والاتحاد في بعض مناطق العالم من اجل تعزيز القدرة على الاستمار والنمو في شروط العولمة الجارية، ويتم ذلك في مجالات شتى، اقتصادية وعلمية وتكنولوجية وسياسية وعسكرية وثقافية وغيرها. ويحدث هذا مثلاُ في القارة الاوربية حيث تسرع المجموعة الاوربية الخطى نحو الاندماج، كذلك الشركات الكبرى، لتحتل موقعاً في السوق العالمية.

وفي المقابل يشهد العالم اتجاهاً اخر نحو التفكك والتشرذم، ناتجاص عن انهيار توازن العرب السابق وانفتاح الباب امام انفلات بعض النزعات الانفصالية التي كان يلجمها ويكتبها فثمة قوى عديدة هدفت الى تأكيد هويتها الخاصة مما اثار حروباً اهليه، محلية، واقليمية (مثال يوغسلافيا) كما اندلع العديد من الحروب القومية والدينية في مناطق مختلفة من العالم.

ورغم ان عملية العوملة، وبفضل التقنات المعلوماتية، يمكن ان تحقق تقدماص كبيراً للحضارة وتوفر اساساً موضوعياً لتطور البشرية، فإن التحكم بها من قبل قوى الرأسمال وتوظيفها لاغراض الهيمنة وزيادة الربحية المالية جعل منها مصدر مصاعب هائلة للشعوب وتهديد لمكاسبها الاجتماعية بدل ان تعمل لمصلحتها. واذ تقترن عولمة العمليات الانتاجية بتشديد الاستغلال بوتائر متسارعة وتعميق التفاوت الاجتماعي وتدمير البيئة، فإنها تولد الحاجة والامكانية للنضال من اجل صون مكتسبات الشغلية وحقوقها الديمقراطية وتطوير سبل جديدة لتحقيق تضامن الاممي، والسعي لاخضاع العولمة وكل ما جاءت به الثورة والتكنولوجيا لمنطق ينطق من مصلحة الشعوب.

لقد عززت مجريات السنوات الاربع المنصرمة الاستنتاجات القائلة بأن الانتصار الذي حققته الرأسمالية بأنهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفيتي ما هو الا انتصار مؤقت. وان الرأسمالية كنظام لا تمثل مستقبل البشرية، وليس بمقدورها القضاء على تناقضاتها المستعصية، وفي مقدمتها التناقض بين العمل ورأس المال، وما ينشأ عنه من توترات وصراعات اجتماعية.

وتبرز في هذه السياق جملة من الاسئلة الهامة تتطلب البحث الجاد، وهي المتعلقة بتجربة الاشتراكية وسلبياتها وايجابياتها.

فالسنوات التي اعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي وتجارب الاشتراكية في اوربا الشرقية ، كشفت مأزق الخيار الرأسمالي كونه مصدر آلام ومعاناة الشعوب، وفندت الادعاءات حول خلود الرأسمالية وكونها " نهاية التأريخ" وان الاشتراكية القائمة على العدالة والديمقراطية والتقدم ستبقى مطمح الشعوب، ويمكن تحقيقها عن طريق الربط السليم بين الديمقراطية السياسية والتنمية الاجتماعية، والمعالجة المسؤولة والعميقة لكل السلبيات التي رافقت التجارب الماضية.

وبرغم الطابع العالمي لرأس المال والشركات متعددة الجنسيات وبرغم الاجتماعات الدورية المتواصلة لرؤساء الدول الصناعية الكبرى السبع، فإن التناقض بين الدول الرأسمالية المتطورة سيبقى قائماً.

فأوربا، التي تعزز وحدتها بقيادة المانيا ومعها فرنسا، تشكل منافسا حقيقياً للولايات المتحدة الامريكية التي تصدت لقيادة العالم، باعتبارها القطب الاوحد بعد زوال الاتحاد السوفيتي، واكبر قوة ا