المقدمة:
أيتها الرفيقات... أيها الرفاق
مرت على المؤتمر الوطني الرابع لحزبنا ثمانية أعوام،
مليئة بالأحداث الجسام، داخليا وعربيا وعالميا.
ففي هذه الأعوام العاصفة توقفت الحرب العراقية –
الإيرانية وواصل النظام سياساته الإرهابية، وجرت حملات الأنفال الهمجية ضد
الشعب الكردي وضد قوى المعارضة العراقية التي تحمل السلاح ضد النظام
الدكتاتوري، وجرى غزو الكويت وضمها قسرا للعراق، وما جره ذلك على وطننا من
حرب مدمرة، وهزيمة منكرة للنظام، فجرت – الى جانب عوامل أخرى عديدة –
انتفاضة آذار المجيدة عام 1991. التي لم تفلح في تحقيق هدفها بإسقاط
النظام، وأغرقت بالدم والمجازر الوحشية، التي تسببت في هجرة عشرات الألوف
من المشاركين فيها في الوسط والجنوب، وتشريد ما يزيد على مليوني مواطن من
كردستان الى تركيا وإيران. الأمر الذي حقق تفاعلات في القضية الكردية أدت
الى إعلان منطقة الملاذ الآمن في كردستان العراق، وطرد أجهزة القمع
الحكومية من كردستان بفضل انتفاضات الجماهير في صيف وخريف 1991، وسحب
النظام لإداراته من غالبية أجزاء كردستان وفرض الحصار عليها، وهو ما رد
عليه الشعب الكردي والجبهة الكردستانية العراقية، بإقامة سلطة الجبهة. ومن
ثم إجراء الانتخابات وقيام المجلس الوطني الكردستاني، وحكومة الإقليم
وإعلان قرار الفدرالية من قبل البرلمان الكردستاني. وتواصل نضال الشعب في
عموم الوطن، وخصوصا في الاهوار، وجرى إعلان جنوب خط العرض 32 منطقة حظر جوي
على طيران النظام.
واستمرت المواجهات والمناورات بين النظام والأمم
المتحدة وقوات التحالف حول تطبيق قرارات مجلس الأمن التي سبقت وأعقبت هزيمة
النظام في المعركة التي أصر على خوضها بعد امتناعه عن الانسحاب من الكويت.
وازداد بؤس الجماهير الكادحة من عمال وفلاحين، والغالبية الساحقة من
المواطنين بسبب الخراب والدمار الذي أحدثته مغامرات النظام الجنونية ضد
إيران والكويت، وسياسة الإنفاق العسكري الهائل وسياسة الأرض المحروقة ضد
الشعب الكردي، والحصار الذي فرضه مجلس الأمن عقابا للنظام، والتضخم النقدي
الهائل، وتدهور قيمة الدينار العراقي وتعاظمت ثروات زمرة ضئيلة ممن يرتبطون
بالنظام، من البرجوازية الطفيلية والبيروقراطية، على حساب بؤس الشعب وفقره
وجوعه.
وعلى الصعيد العربي، أجهز غزو الكويت – بشكل مؤقت قد
يطول – على الآمال بإمكانية تحقيق حد أدنى من التضامن العربي في مواجهة
المخططات الصهيونية المعادية للشعوب العربية، وأفسح المجال للولايات
المتحدة الأمريكية للسعي لفرض مشروعها لتسوية القضية الفلسطينية والصراع في
الشرق الأوسط، بما يلغي الحقوق الوطنية المشروعة للشعب العربي الفلسطيني في
إقامة دولته الوطنية المستقلة، وقرارات هيئة الأمم المتحدة بشأن الجولان
وجنوب لبنان.
كما وفر هذا الغزو الذرائع لمزيد من تعزيز المواقع
الإمبريالية في المنطقة وخصوصا في الخليج، والبحر الأحمر، وإعطاء "الشرعية"
الشكلية للوجود المكثف لقواتها وأساطيلها الحربية في المنطقة، وعقد
الاتفاقيات المخلة بالسيادة الوطنية لعدد من بلدانها. وشهدت الفترة تنامي
الحركات الأصولية الإسلامية واشتداد أزمة المشروع القومي العربي الذي مثلته
الأنظمة الوطنية والقوى والحركات القومية خلال العقود الماضية.
وعلى الصعيد العالمي، حدث انهيار المنظومة
الاشتراكية، وتفكك الاتحاد السوفيتي وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية
بالتحكم بالشؤون الدولية وسعيها لاستخدام هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن
لفرض ما تريد من حلول للقضايا الدولية.
وافتقد نضال الشعوب في سبيل الحرية وتوطيد الاستقلال
الوطني والديمقراطية وصيانة السلم العالمي – ومنها الشعوب العربية – الظهير
الذي كان يمثله الاتحاد السوفيتي و"المنظومة الاشتراكية".
في ظل هذه اللوحة غير الكاملة من المشاكل والتعقيدات
والصعوبات ينعقد مؤتمرنا الوطني الخامس، الذي يتطلب منا وقفة جادة للتمعن
في مسيرتنا النضالية وتدقيق المنار الذي نهتدي به في هذه المسيرة، وبرامجنا
وأساليب عملنا، ولنجدد حزبنا لمواصلة السير لتخليص شعبنا ووطننا من المحنة
التي يعيشانها، ولبناء عراق ديمقراطي فدرالي موحد يتمتع فيه الشعب الكردي
بحقه في تقرير مصيره والتركمان والآشوريون والكلدان بالحقوق القومية
والثقافية والإدارية. ولتتوحد طاقات أبناء الشعب كلهم من اجل أعمار الوطن
والدفاع عن مصالح كادحيه.
والنهوض بالاقتصاد الوطني لصالح الجميع، مع التمسك
بخيارنا في النضال من اجل بناء مجتمع عادل خال من كل لون من ألوان
الاستغلال الطبقي والتمييز القومي والديني، هو المجتمع الاشتراكي.
النظام يواصل سياسته
كان المؤتمر الوطني الرابع قد توقف طويلا عند تحليله
طبيعة النظام وسياسته وأزمته وبين كيف تحولت الفئة الحاكمة (قيادة الحزب
الحاكم وكوادره وموظفو الدولة الكبار) الى برجوازية كبيرة بيروقراطية
وطفيلية.
أقامت دكتاتورية من نمط فاشي يقف على رأسها صدام
حسين الذي يحكم البلاد بواسطة أجهزة الأمن والاستخبارات التي يرأسها أفراد
عائلته، وطغمة محدودة من قيادة الحزب والدولة المدنيين والعسكريين.
وبين المؤتمر النهج الشوفيني للنظام ضد الشعب الكردي
والتركمان والآشوريين والكلدان.
وفضح السياسة الاقتصادية وآثارها المدمرة على
اقتصادنا الوطني من خلال تعاظم النشاطات الطفيلية للبرجوازية وأجنحتها
المهيمنة وتعميق الاختلال والتشوه في اقتصادنا الوطني، وإحكام طرق التبعية
للسوق الرأسمالية العالمية على اقتصادنا. والتدهور الكبير في قطاع الزراعة.
والتشويه الاجتماعي والثقافي الذي أدت إليه سياسات النظام في تأطير المجتمع
والسعي لتبعيثه وتشويه العملية التربوية والتعليمية.
وتوقف المؤتمر عند تشويه التركيب الاجتماعي عن طريق
استيراد اليد العاملة العربية والأجنبية بمقاييس واسعة جدا جراء زج اليد
العاملة العراقية في الحرب والخسائر البشرية التي لحقت بالشبيبة العاملة في
المدينة والريف. والعمل على إشاعة التفسخ الاجتماعي بمختلف السبل
والتأثيرات الناجمة عن الحرب وما خلفته من كوارث جماعية جراء التجنيد
الواسع، والعدد الكبير من ضحاياها، وغير ذلك من مظاهر أزمة النظام وآثارها
الكارثية على الشعب والوطن.
ان هذا التحليل – الذي ما يزال يحتفظ بصحته – يفسر
كل سياسات النظام في النصف الثاني من الثمانينات، وإقدامه على جريمة غزو
الكويت عام 1990، وما ينتهجه حاليا من سياسات تستهدف تعزيز مواقع الطغمة
الدكتاتورية الحاكمة وتأمين مصالح الفئة البرجوازية الطفيلية والبيروقراطية
وتجار الحرب على الضد من مصالح الغالبية العظمى من أبناء الشعب.
على الصعيد السياسي:
في أعقاب انتفاضة آذار 1991 المجيدة تظاهر صدام حسين
بالاستعداد للتخفيف من سيطرته الفردية المطلقة على الحكم وإصلاح النظام
السياسي.
وبادر الى استحداث منصب رئيس الوزراء، وأعلن عن
رغبته في التوصل الى اتفاق مع القيادة الكردستانية وفتح باب المفاوضات
معها، بقصد شق وحدة المعارضة العراقية. واستدراجها للتعاون معه، في وقت كان
نظامه يعاني من ثقل أكبر حملة إدانة عالمية لوحشيته في قمع الانتفاضة
وتشريد حوالي مليوني مواطن كردستاني في ظروف غاية في القسوة.
وبعد جولات عديدة من المفاوضات التي جرت مع القيادة
الكردستانية، كشف النظام مرة أخرى عن جوهر سياسته الشوفينية المعادية
لمصالح الشعب الكردي وحقوقه القومية العادلة وسعيه لتكرار تجربة "الحكم
الذاتي" الممسوخ. وضمان عودة سيطرة أجهزة القمع الدكتاتورية، التي حطمتها
الانتفاضة، الى كردستان. الأمر الذي أدى الى فشل المفاوضات، ومبادرة الجبهة
الكردستانية العراقية الى تولي إدارة الأمور وإجراء انتخابات المجلس الوطني
الكردستاني وإقامة حكومة الإقليم بدعم واسع من جماهير الشعب الكردستاني.
وبدلا من تخفيف حدة الإرهاب وإفساح المجال للنشاط
السياسي خارج إطار الحزب الحاكم، وبعيدا عن سيطرة أجهزة أمنه واستخباراته،
اكتفى النظام بإطلاق بعض التصريحات المكررة لما كان قد أعلنه سابقا عن نيته
في إصدار دستور دائم وقوانين للصحافة والحياة الحزبية. في حين واصل في
الواقع نفس النهج السابق، وكرس جهوده لترميم أجهزة حزبه وأمنه واستخباراته،
التي وجهت لها الانتفاضة ضربات موجعة.
وعمل النظام على إحياء المؤسسة العشائرية بشكل ملفق.
وذلك عن طريق السعي لشراء بعض رؤساء العشائر، ومدهم بالمال والسلاح
لاستعادة نفوذهم، او بتنصيب "رؤساء" مزعومين للعشائر وأفخاذها، وذلك لغرض
ضمان ولائهم للدكتاتورية وتجنيدهم لخدمته. في حين شهدت علاقات رأس النظام
توترا ملموسا مع بعض العشائر ومنها عشيرتي الجبور والعبيد، وإجراءات إبعاد
عن الجيش ومساعي لتصفية عدد من رؤسائهم وتسميمهم بالثاليوم.
كما واصل النظام سياسته في إحكام قبضته على الجيش
وإجراء التنقلات المستمرة بين قياداته، لمنع أي عمل يمكن ان يصدر عنها ضده.
والبطش الدموي بمن يشك بولائه، كما حصل لدى تصفية اللواء الذي خطط للتحرك
ضد النظام في صيف 1992. وإعدام العشرات من الضباط والمراتب على إثر اكتشاف
محاولة أخرى وإحباطها في أواخر تموز 1993. كما عمد النظام الى افتعال
الأزمات المحدودة مع ممثلي الأمم المتحدة وفرقها التفتيشية ومع دول
التحالف، باسم الاختلاف في تفسير نصوص الاتفاقيات التي وقعها، والقرارات
الصادرة من مجلس الأمن وغير ذلك، هذه الأزمات التي غالبا ما كانت تبدأ
بإظهار مواقف متعنتة تستهدف الظهور بمظهر المتحدي لأمريكا ودول التحالف
وقرارات مجلس الأمن. ولكن سرعان ما يجري التراجع وإعلان القبول بما تريده
هذه الجهات، وبعد تلقي الضربات التي تلحق الأضرار المادية بممتلكات شعبنا
وبأرواح أبنائه.
ومن اجل المزيد من السيطرة على قطاع الإعلام والنشاط
الفني، سلط رأس النظام ابنه عدي نقيبا للصحفيين، ورئيسا للجنة المشرفة على
نشاطات اتحاد الأدباء والفنانين إضافة الى رئاسته للجنة الاولمبية الوطنية
التي أصبحت ذات نشاطات واسعة جندت لها العشرات من الضباط المتقاعدين الى
جانب ذوي الكفاءات من مهندسين وغيرهم.
على الصعيد الاقتصادي:
أما على الصعيد الاقتصادي فقد استمر تخبط النظام في
مواجهة الكارثة الاقتصادية التي دفع البلاد إليها جراء الحرب العراقية –
الإيرانية وحربه الشوفينية ضد الشعب الكردي وغزوه الكويت.
تقول الإحصاءات المتوفرة ان الإنتاج المحلي الإجمالي
انخفض خلال عامي 1990 و1991 بحدود 30% وبحدود 50% حتى أواسط 1992. وجرى
تواصل هذا الانخفاض في النصف الثاني من عام 1992 وفي عام 1993. وتشير
تقارير جهات اقتصادية مختصة الى ان القيمة الإجمالية للدخل الوطني للعراق
لسنتي 1992 – 1993 قدرت بـ(806) مليار دينار عراقي بالأسعار الحالية، التي
تساوي 3.3 مليار دينار بالقيمة الحقيقية لأسعار سنة 1980. أي ان المجموع
الإجمالي للدخل الوطني حاليا يوازي المستوى نفسه الذي كان عليه عام 1962.
وإذا أخذنا بنظر الاعتبار ان سكان العراق كانوا عام
1962 بحدود 7.3 مليون نسمة، وهم الآن يقاربون العشرين مليون نسمة، يظهر ان
مستوى دخل الفرد العراقي اليوم يساوي ما كان عليه في الأربعينات.
ونتيجة عجز النظام عن توفير الموارد المالية، واصل
إصدار النقود في ظل شلل القطاعات الإنتاجية للاقتصاد، دون رصيد يذكر، وهو
ما هبط بقيمة الدينار العراقي الى اقل من 1/100 مما كان عليه قبل الحرب
العراقية – الإيرانية وسبب حصول التضخم المفرط والارتفاع الجنوني في أسعار
السلع والخدمات، والتدهور الكبير في حياة الجمهرة الواسعة من أبناء الشعب،
وانتفاع طغمة صغيرة من الطفيليين والمضاربين والعاملين في السوق السوداء
وتكديسها للملايين على حساب بؤس الشعب وجوعه.
وبدلا من اللجوء الى الإجراءات المدروسة للتخفيف من
الضائقة الاقتصادية والحد من التضخم وارتفاع الأسعار وتأمين الحاجات
الضرورية للشعب واصل النظام تكريس الاهتمام الأكبر للتصنيع العسكري الذي
استنزف الكثير من طاقات اقتصادنا الوطني في إنتاج أسلحة الدمار الشامل التي
تخضع الآن للتدمير، مدفوع الكلفة من مواردنا الشحيحة وفقا لما قبله النظام
في اتفاقية خيمة صفوان المذلة.
وهدر النظام الكثير من الموارد والطاقات في مشاريع
مشبوهة، زعم إنها لإنهاض الاقتصاد الزراعي، في حين إنها تستهدف تجفيف
الاهوار، وتبديل الطبيعة الجغرافية والسكانية للمنطقة والانتقام من سكانها
الذين انتفضوا ضده وتعاونوا مع الألوف من أبناء الشعب الذين لجؤوا الى
الاهوار.
وفي حملة غوغائية لصرف الأنظار عن المسبب الحقيقي
للازمة، قام النظام في صيف 1992 بإعدام عشرات التجار بشكل يتنافى مع أبسط
القيم والأعراف القانونية والإنسانية، بتهمة تخريب الاقتصاد الوطني.
وفي ربيع هذا العام أقدم على إلغاء العملة من فئة
الـ25 دينارا وذلك بقصد مصادرة بضعة مليارات من الدنانير المدخرة بهذه
الفئة والموجودة في كردستان وفي خارج العراق.
وقد أضعفت هذه الخطوة بدرجة كبيرة جدا الثقة
المهزوزة أساسا، بالعملة ا لعراقية من الفئات الأخرى خشية إقدام النظام على
خطوات مماثلة.
ان هذا التخبط الذي يميز كل تصرفات النظام على
الصعيد الاقتصادي سوف يستمر، ما دام النظام مستمرا في الوجود. وهو عاجز عن
حل المأزق الاقتصادي الذي يعانيه الوطن، ذلك انه ليس مأزقا اقتصاديا فحسب،
بل هو تعبير مكثف عن أزمة النظام السياسية، ولا يمكن ان يجري حله إلا
سياسيا، بإزاحة الطغمة المتحكمة بشؤون البلاد ورفع الحصار الاقتصادي
المفروض عليها والتوقف عن تبديد الطاقات في التصنيع العسكري والشروع
بالاستفادة من الإمكانيات المتاحة لوقف التدهور المريع في الوضع الاقتصادي،
وتكريس الطاقات لمعالجة الوضع المعيشي لجماهير الشعب، وإبعاد شبح المجاعة
عنها، وأعمار الوطن على أسس علمية ووفقا لأولويات مدروسة بعناية تراعي
بالأساس مصالح الجمهرة الواسعة من أبناء الشعب، وبناء اقتصاد يخدم الأغراض
السليمة وتأمين العيش الكريم لمنتجي خيرات وطننا والعاملين على عزه
وازدهاره.
عوامل بقاء النظام
كان من بين أهم العوامل التي ساعدت في إطالة عمر
النظام، والتي شخصها المؤتمر الرابع لحزبنا، الإمكانيات الكبيرة التي وفرها
له تصاعد عوائد النفط. مما مكنه من رشوة فئات اجتماعية واسعة، ومن تخصيص
مبالغ طائلة لبناء آلة قمعية متطورة، وقوة عسكرية ضاربة حديثة.
كما تمكن من فرض سيطرته الكاملة على أجهزة الإعلام
المحتكرة من قبل الدولة، وشراء منابر إعلامية في الخارج لتضليل الجماهير
وإثارة الفرقة بين صفوفها، والتطبيل والتزمير لسياساته، وبث الأكاذيب عن
القوى الوطنية المعارضة.
واحتكر النظام الحزبي حق التنظيم الحزبي والنقابي
والنشاط الجماهيري، ومسخ المنظمات العائدة له الى تابع ذليل لماكنة الإرهاب
والتظليل الضخمة.
وما يزال النظام حتى الآن يعتمد الى حد كبير على
التعامل بصورة وحشية قل نظيرها مع أي مظهر من مظاهر المعارضة لنظامه.
وقد استفاد النظام الى أقصى حد من الدعم الكبير
والمتنوع الذي تلقاه من مصادر مختلفة في الشرق والغرب خلال سنوات حربه مع
إيران. واستثمر، وما يزال، التناقضات الدولية والإقليمية بشأن قضايا
المنطقة والموقف منها.
وجند النظام نفسه طوعا لتنفيذ المرامي البعيدة
للإمبريالية في السيطرة على مقدرات شعوب المنطقة وثرواتها، وتدمير العراق
وترويض شعبه الأبي وبث الفرقة بين صفوفه. وكان حريصا في كل مناسبة على
تذكير أصحاب المصالح الإمبرياليين بالخدمات الجليلة التي قدمها لهم.
ومن جانبها، فقد أكدت الأوساط التابعة لهؤلاء،
والمهيمنة على صنع القرار الدولي، في أكثر من مناسبة، انها ليست متعجلة
للتخلي عن خدمات النظام وتسعى لإطالة أمد بقائه، ما دام ذلك ينهك البلاد
وشعبها وقواها الوطنية المعارضة، ويعيق إعادة العلاقات الطبيعية بين شعوب
المنطقة والاحتفاظ به، عنصر تهديد وابتزاز لدولها، ويعجز عن إخفاء هذه
الحقيقة، التضليل الإعلامي الواسع الذي يقوم به الطرفان، كل من جانه، لذر
الرماد في العيون.
وقد كشف هذه الحقيقة بجلاء، الموقف العدائي الذي
اتخذته هذه الأوساط الدولية من انتفاضة الشعب العراقي المجيدة في آذار
1991، ومنعها من الإجهاز على النظام المجرم، وإطلاق يديه لإغراقها بدماء
عشرات الألوف من أبنائها.
وقد اتيحت للنظام خلال السنتين الماضيتين العديد من
الفرص لترميم وضعه المتدهور وإعادة بناء قواته وأجهزته القمعية.
وتظل قضية عدم وحدة المعارضة العراقية وبقاء الجزء
الأكبر من نشاطها خارج الوطن، والتداخلات الدولية والإقليمية في الشؤون
العراقية، عاملا هاما في إطالة عمر الدكتاتورية وأضعاف نضال شعبنا في سبيل
الخلاص منها. وظل الاهتمام الذي يحظى به الجيش، رغم التخلخل الذي أصابه
ورغم المشاعر المعادية للنظام التي تزداد اتساعا بين صفوفه، دون المستوى
المطلوب من قبل مجموع قوى المعارضة.
لقد أكدت انتفاضة آذار 1991 بجلاء ان الإرهاب
الوحشي، والعوامل الأخرى التي يعتمد عليها بقاء النظام، لا تستطيع حمايته
من غضب الشعب عند توفر الظروف واجتماع العوامل الملائمة لتفجره.
ان جميع قوى المعارضة مدعوة لان تضع نصب أعينها هذا
الأمر الملح وان تعمل على تأمين مستلزمات استنهاض قوى الشعب للإطاحة
بالدكتاتورية. ذلك ان النظام لا يمكن ان يسقط تلقائيا مهما اشتدت أزمته.
ويؤكد تصاعد الغليان الجماهيري بسبب الضائقة
المعاشية، والصراعات داخل الطغمة الحاكمة، والمحاولات الدائبة للتخلص من
رأس النظام بالاغتيال أو التحرك العسكري. ان من غير الصحيح استبعاد مختلف
الاحتمالات، التي يجب استثمارها من قبل القوى الوطنية المعارضة لتعبئة
وقيادة حركة شعبية تقضي على النظام الدكتاتوري من أساسه، وتقيم على أنقاضه
بديلها الديمقراطي المنشود.
حول الحرب العراقية – الإيرانية
كان المؤتمر الوطني الرابع لحزبنا قد توقف عند
موضوعة الحرب العراقية – الإيرانية وأدان إشعالها من قبل النظام
الدكتاتوري، وحلل أسبابها، واستعرض تطوراتها، وخصوصا انتقال عملياتها الى
الأرض العراقية في أعقاب معركة (خرمشهر) في ربيع 1982. وأكد من جديد، رفضه
لأي خرق للحدود الدولية بين العراق إيران. وأي اجتياح للأراضي العراقية،
ومطالبته بإنهاء الحرب على أسس عادلة، وحدد هذه الأسس بـ:
أ- نفي حق أي من الطرفين في ضم أراضي أي من البلدين
الى البلد الآخر.
ب- احترام الحدود الدولية للبلدين عند اندلاع الحرب.
ج- احترام السيادة الوطنية لكلا الشعبين.
د- الإقرار بحق كل شعب في اختيار النظام السياسي
الاجتماعي الذي يريده وينسجم مع إرادته الحرة.
باعتبار هذه الأسس تعبر عن مطامح الشعبين العراقي
والإيراني لتحقيق سلم وطيد بينهما.
ولقد أثبتت الوقائع ومجريات الأحداث صحة المواقف
التي اتخذها الحزب. فقد توقف القتال بسبب الإنهاك الذي أصاب طرفي الحرب،
وبفعل الضغوط الدولية التي تمخضت عن القرار 598 الذي رفضته إيران في
البداية وقبلته في آب 1988، ولم ينفذ منه حتى الآن غير وقف إطلاق النار
وتبادل الألوف من أسرى الحرب، ولم تنته حالة الحرب بين البلدين حتى الآن،
ومازال ألوف الأسرى العراقيين والإيرانيين بعيدين عن وطنهم وعوائلهم رغم
مرور ما يزيد على العشر سنوات على اسر نسبة كبيرة منهم. ومرور أكثر من خمس
سنوات على وقف القتال. وكشفت مواقف صدام حسين زيف الادعاءات التي شن الحرب
استنادا إليها. فقد ظل يكابر انه قام بذلك من اجل استرجاع شط العرب الذي
فرط به في اتفاقية الجزائر عام 1975 و"حماية البوابة الشرقية للوطن العربي
من الفرس المجوس". ولكنه عاد بعد غزو الكويت وقبل بكل مطالب إيران، بما في
ذلك إعادة الاعتراف باتفاقية الجزائر، بقصد كسبها الى جانبه، مؤكدا بذلك
انه مستعد للتفريط بالأرض والسيادة الوطنية من اجل الحفاظ على كرسي الحكم.
لقد استمر القتال ثماني سنوات. وها هي خمس سنوات
أخرى تمر على وقف القتال دون التوصل الى إقامة السلم بين البلدين الجارين.
على الضد من إرادة الشعبين الذين يتوقان للعيش في ظل السلام وحسن الجوار
والتبادل التجاري والثقافي وزيارة العتبات المقدسة والمرافق السياحية في
كلا البلدين. ويتحمل نظام صدام حسين المسؤولية الأولى في ذلك.
ان حزبنا يكرر دعوته لإنهاء حالة الحرب كليا وإقامة
السلم العادل بين البلدين وفق الأسس التي سبق ذكرها.
ويحمل النظامين مسؤولية استمرار مأساة الأسرى في
البلدين. ويطالب بحلها على أسس إنسانية بمعزل عن أية قضايا أخرى.
غزو الكويت ونتائجه المدمرة، أكبر كارثة حلت بوطننا
وشعبنا
منذ ان بدأ النظام حملته الدبلوماسية والدعائية التي
مهد بها لغزو الكويت، تصدى حزبنا للحملة، وكشف أغراضها والأخطار الناجمة
عنها. واستنكر التدخلات الأمريكية، وطالب بسحب أساطيلها من الخليج. وأدان
الأسلوب اللا مسؤول الذي لجأت إليه الحكومة العراقية في طرح خلافاتها مع
الكويت والإمارات. ودعا الى حل الخلافات بالطرق الودية، والتخلي عن نهج
التهديد والابتزاز وتوتير الأجواء، وأهاب بالجماهير الشعبية في العراق
والبلدان العربية وقواها وأحزابها السياسية للتصدي للنزعات العدوانية
للنظام الدكتاتوري التي تهدد بإشعال نزاعات جديدة.
وفي 2 آب، أعلن حزبنا إدانته للعدوان الغاشم
باعتباره مجزرة دموية جديدة تعرض المنطقة لمزيد من التدخلات الإمبريالية
وطالب بسحب القوات العراقية المعتدية فورا. واحترام سيادة الدولة الكويتية،
وحل الخلافات بالطرق السلمية. ودعا كل القوى الخيرة في العالم للعمل على شل
أيدي الإمبرياليين عن إشعال حرب مدمرة جديدة. والى حل الأزمة في الإطار
العربي وتطبيق قرارات مجلس الأمن في رفض الغزو والإلحاق القسري، وأكد الحزب
ان الغزو كان نتيجة لازمة النظام التي بدأت تتخذ طابعا شموليا – أكثر عمقا
– إثر إيقاف القتال في الحرب ا لعراقية – الإيرانية سياسيا واقتصاديا
واجتماعيا. وفند ادعاءات النظام وذرائعه الباطلة لتبرير غزو الكويت الذي
يشكل جريمة دولية وخرقا لميثاق الأمم المتحدة والجامعة العربية وعملا لا
أخلاقيا بكل المعايير.
وإذ وقف حزبنا الى جانب الخيار السلمي لحل الأزمة
ونزع فتيل الحرب التي كان خطرها يتزايد يوما بعد يوم، شجب بقوة دعوة
الأوساط الإمبريالية والصهيونية للجوء الى الحل العسكري، وشجب في ذات الوقت
تعنت صدام حسين وإصراره على تحدي إرادة المجتمع الدولي ومواصلة العدوان على
الكويت.
وواصل حزبنا التمسك بالخيار السلمي طيلة الأشهر التي
أعقبت ذلك. وحتى عندما اتخذ مجلس الأمن قراره المرقم 678 الذي يبيح استخدام
القوة لإخراج القوات العراقية من الكويت. أعرب حزبنا عن الاعتقاد بأن هذا
القرار ينبغي ان يكون وسيلة لزيادة الضغوط الداخلية والعربية والدولية على
النظام لضمان انسحاب قواته من الكويت وليس ذريعة لاستخدام القوة حقا، لما
يشكله هذا من كارثة على العراق والكويت معا.
غير ان نضالنا ونضال قوى المعارضة وكل القوى الخيرة
من أشقاء وأصدقاء لم يفلح في درء الكارثة بسبب من تعنت رأس النظام
وتقديراته من ان دول التحالف لن تخوض الحرب، وإذا ما خاضتها فان بإمكان
قواته الصمود، وإلحاق الخسائر بها، وبسبب من تصميم ا لولايات المتحدة
الأمريكية وحلفائها الأطلسيين والصهاينة على منع حل الأزمة سلميا وعرقلة
المساعي المبذولة بشتى السبل.
ومن المؤسف حقا ان عددا من القادة والمناضلين العرب،
وخصوصا الفلسطينيين، لم يكونوا بمستوى الشعور العالي بالمسؤولية الذي يملي
عليها تحذير صدام حسين ونصحه بعدم خوض المغامرة المهلكة، وتزيين الانسحاب
له، بما يبعد شبح الدمار الهائل المتوقع اذا ما جرى استخدام القوة من قبل
الحشد الهائل للقوات الأمريكية والدولية بأحدث الأسلحة.
ولئن قصر البعض في أداء واجبه تجاه العراق، شعبا
وجيشا ووطنا، فقد قام العديد من القادة والشخصيات العربية الأجنبية بواجبهم
فأطلقوا تحذيراتهم المسؤولة وناشدوا صدام حسين الاستجابة لنداء العقل،
والشعور بالمسؤولية تجاه الوطن والشعب، والالتزام بقرارات مجلس الأمن بنزع
فتيل الحرب والانسحاب من الكويت. غير انه أبى إلا أن يورط وطننا الحبيب
بكارثة أخرى تفوق كارثة الحرب العراقية – الإيرانية. فكان موقفه المتعنت
الذريعة التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها لامرار مخططاتها
ومخططات إسرائيل في المنطقة والانتقام من العراق شعباً ووطنا متجاوزة بذلك
نصوص وجوهر قرارات مجلس الأمن. فقامت بعمليات القصف الوحشي المدمر على مدى
عدة أسابيع والذي قوبل بالاستنكار الشديد من جانب أوساط الرأي العام
العراقي والعربي والدولي.
وفي معرض معالجة قرار "مجلس قيادة الثورة" في 15
شباط 1991 الذي أعلن قبول مجلس الأمن المرقم 660 لسنة 1990 الذي يطالب نظام
صدام بالانسحاب من الكويت دون قيد أو شرط، قدرت اللجنة المركزية في بيانها
المؤرخ في 16 شباط 1991 ان هذا القرار مؤشر للهزيمة العسكرية ودعت الى دعم
نضال شعبنا لتحويلها الى هزيمة سياسية للنظام، ووقف الحرب فورا وأكدت
المنطلقات السابقة لحل الأزمة ودعت الى:
- عقد مؤتمر دولي لحل أزمة الشرق الأوسط بكل
جوانبها.
- عقد اتفاقيات نزع السلاح في منطقة الشرق الأوسط
تشمل جميع دولها.
- تقديم كل أشكال العون المالي والتكنولوجي لإعادة
بناء وطننا الذي خربته الحرب والقصف الجوي المدمر الذي لم يشهد له التاريخ
المعاصر، مثيلا، ومعالجة الآثار الخطيرة التي خلفتها الحرب على البيئة.
وتوجهت اللجنة المركزية بنداء عاجل لإنقاذ شعبنا من
ويلات الحرب والدكتاتورية وخاطبت الأمين العام للجامعة العربية والأمين
العام للأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن. وأكدت "ان تحرير الكويت لا يتطلب
إلحاق الدمار بالعراق".
وبرغم الجهود العربية والدولية التي بذلت لإيقاف
الحرب، وتجنب خوض المعركة البرية، فان تعنت النظام وعدم استجابته للانسحاب
غير المشروط من الكويت، وتلهف القوات الأمريكية والأطلسية والأوساط
الصهيونية في إسرائيل، وفي مراكز صنع القرار في واشنطن، الى إنزال مزيد من
الضربات المدمرة بالقوات العراقية، والى إحراز نصر سهل عليها، وتأمين شروط
التحكم اللاحق بمجرى الأحداث في العراق. كل ذلك، أدى الى مواصلة الحرب
وتعريض الأعداد الكبيرة من القوات المسلحة العراقية في الكويت ومعداتها
وأسلحتها الى الدمار الشامل والخسائر الرهيبة بالأرواح والى ذل الهزيمة،
واحتلال عشرات ألوف الكيلومترات المربعة من أرض الوطن من قبل القوات
الدولية، وأخيرا القبول باتفاقية صفوان المذلة التي أملى فيها شوارزكوف
شروطه على ممثلي النظام والتي وضعت النهاية المشينة لمغامرة صدام حسين في
الكويت، هذه المغامرة التي تسببت بأكبر كارثة حلت بوطننا وشعبنا طيلة
تاريخه المليء بالكوارث منذ احتلال هولاكو لبغداد حتى اليوم!
حصيلة الكارثة
لقد أدت الحرب التي اندلعت بسبب غزو الكويت وما
أعقبها على صعيد الخسائر البشرية الى مقتل 100 – 120 ألف عسكري و5 – 15 ألف
مدني أثناء الحرب ووفاة 4 – 6 آلاف مدني بعد الحرب.
وتراوحت تقديرات ضحايا الانتفاضة التي أغرقتها قوات
النظام بالدم بين (20 – 50) ألف ضحية.
وذكر مسؤول في الهلال الأحمر العراقي ان 6 – 7 ألف
مدني قتلوا أثناء الحرب، وتوفى (6) آلاف بسبب المياه الملوثة.
وذكر تقرير للحكومة الإيرانية ان معدل وفيات الأطفال
بين اللاجئين الأكراد الذين شردوا الى إيران في آذار 1991 الذين بلغ عددهم
مليون و300 ألف نسمة كان ألف طفل يوميا! وقدر عدد الوفيات بين اللاجئين في
إيران وتركيا بـ15 – 30 ألف وفاة. ولم يعط أي تقدير حتى الآن للوفيات التي
حصلت في أماكن أخرى كالسعودية مثلا التي بلغ عدد اللاجئين إليها أكثر من 30
ألف عراقي.
وتوقعت مصادر موثوقة وفاة 170 ألف طفل دون الخامسة
في السنة التي أعقبت الحرب.
ومن جملة الخسائر البشرية الجرحى والمعوقين الذين لا
يعرف عددهم، وما شكله تشريد مليوني مواطن الى إيران وتركيا وعشرات الألوف
الى السعودية، وكذلك المسرحون من الجيش الذين رماهم النظام الى أحضان
البطالة والفقر نتيجة الخراب والدمار الذي أصاب البلاد وانكماش الاقتصاد.
اما على صعيد الخسائر الاقتصادية فيمكن ان نورد فقرة
من تقرير السيد احتساري مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة اقتبستها مذكرة
الحكومة العراقية التي قدمت للأمم المتحدة في نيسان 1991. يقول التقرير:
"لقد أدت الحرب الأخيرة الى عواقب أشبه بالخيال في البنية الاقتصادية
التحتية... حيث بات الآن معظم وسائل الحياة العصرية خرابا أو مصابا
بالهزال. فلقد تراجع العراق، وسيبقى لبعض الوقت عند مستوى ما قبل عصر
الصناعة".
ولترجمة هذه الأسطر المختصرة يمكن إيراد الوقائع
التالية فقد شمل القصف الوحشي الكثيف الذي قامت به قوات التحالف: "جميع
الأهداف العسكرية، والبنى الارتكازية والصناعة المدنية والأبنية، وشبكتي
النقل والاتصالات السلكية ومحطات توليد الطاقة، ومعامل الأسمدة ومجمعات
الحديد والصلب، والجسور ومنشآت النفط والمصانع والمستشفيات ومنشآت الخزن.
وما لم يتعرض للقصف مثل منشآت تصفية المياه والمجاري
توقف عن العمل نتيجة قصف محطات توليد الطاقة الكهربائية".
وكانت حصيلة دمار "أم المعارك" أشد فظاعة من دمار
الحرب ضد إيران، اذ تقول المعلومات التي تكشفت في ما بعد ان المخططين
العسكريين الأمريكان شخصوا في البداية (57) هدفا عسكريا وتوسعت القائمة
لتشمل (400) هدف ومن ثم (700) هدف.
ومما يجسد بشاعة القصف ووحشيته وخروجه عن هدف (تحرير
الكويت) ان العسكريين الأمريكان توخوا مضاعفة العواقب الاقتصادية والنفسية
للحظر الدولي وان بعض الأهداف قصفت في أواخر الحرب، بقصد الهيمنة على عراق
ما بعد الحرب لا للتأثير على مسار الحرب نفسها التي كانت نتيجتها محسومة
منذ البداية.
إن حصيلة سياسة النظام الاقتصادية وحروبه العدوانية
وإرهابه الدموي وحربه الظالمة ضد الشعب الكردي والشعب العراقي عموما، هي ان
المداخيل الكبيرة التي حصل عليها من النفط في فترة زمنية قصيرة، انتهت الى
مديونية كبيرة والى تدمير البنية الارتكازية، وانكماش الاقتصاد وعزلته،
ومعاناة الغالبية من أبناء الشعب، الافقار والجوع والتوزيع مفرط التباين في
المداخيل، وعودة الاقتصاد الوطني القهقري الى مستواه في أوائل الستينات،
ومتوسط دخل السكان الى الأربعينات.
فبعد ان وصل الناتج المحلي الإجمالي عام 1980 الى
22.1 مليار دولار أي (1674) دولار للفرد الواحد، هبط عام 1990 الى (926)
وعام 1991 الى (546) والى أقل من هذا بكثير عامي 1992 و1993 بسبب من الحروب
المدمرة والحصار الدولي واستمرار توقف الكثير من المعامل عن الإنتاج، ورفض
النظام الاستفادة من تصدير النفط وفقا لشروط القرارين 706 و712 الصادرين عن
مجلس الأمن.
وهكذا دخل الاقتصاد الوطني في نفق مظلم. ذلك انه
ازداد اعتمادا على النفط أكثر من أي وقت مضى، فلا اعمار بدون النفط، وتصدير
النفط رهن بإرادة مجلس الأمن، وصار العراق عمليا "تحت الوصاية الدولية"
وانتقصت سيادته الوطنية.
لقد سببت الحرب العراقية – الإيرانية ونتائج حرب
الكويت تدهور الاقتصاد الوطني وانخفاض قيمة الدينار. وفقدان الأرصدة من
الذهب والعملات الأجنبية.
وتحول التضخم الجامح الذي شهدته سنوات الثمانينات
الى تضخم مفرط. ومنذ غزو الكويت صارت الأسعار – وخصوصا أسعار المواد
الغذائية والضرورية – تتصاعد بنسبة تقرب من 50% شهريا ولا يزال ارتفاع
الأسعار مستمرا ارتباطا بهبوط قيمة الدينار العراقي الذي كان يساوي رسميا
3.3 دولارا أمريكيا قبل الحرب العراقية – الإيرانية حتى تجاوزت قيمة
الدولار الواحد الـ(100) دينار من الطبعة التي تسمى بالمستنسخة.
ان هذا الهبوط الهائل في قيمة الدينار، مع عدم
ارتفاع الأجور والرواتب إلا بنسبة قليلة، سبب تدهور معيشة الغالبية الساحقة
من السكان، وصرف مدخراتها واضطرارها لبيع مقتنياتها وأثاثها لضمان لقمة
العيش، واضطرار آلاف المواطنين جلهم من الكفاءات العلمية الى مغادرة الوطن.
ان هذه اللوحة غير الكاملة لحصيلة الكارثة لم تتضمن
الأضرار البيئية الناجمة عن إهدار ما يقارب الأربعة ملايين برميل من النفط
يوميا عمدا في الخليج وإحراق 580 بئرا نفطيا، وما سببته هاتان الجريمتان من
أضرار بيئية بالخليج، وسحابة الدخان الكثيفة التي امتدت مسافة 15 ألف كم.
ولم تتضمن كذلك موت ملايين أخرى من النخيل ليصبح العراق ثالث بلد في العالم
من حيث عدد النخيل وإنتاج التمور، بعد ان كان البلد الأول حتى وقت قريب،
كما لم تتضمن هدم ألوف البيوت والمرافق الخدمية وغيرها.
ولابد لاستكمال اللوحة من الإشارة الى تعميق الخراب
الاجتماعي الذي نجم عن سياسات النظام والحرب العراقية – الإيرانية، والذي
ضاعفه غزو الكويت، والآثار المفجعة التي نتجت عنه. هذا الخراب الذي سيترك
أثاره الخطيرة على الجيل الحالي الذي عانى نتائج حربين عدوانيتين خلال عقد
واحد من السنين، وفقدت نسبة كبيرة من أبنائه خيرة سنوات عمرها في الخنادق
والجبهات والأسر وأصاب العوق عشرات الألوف منهم، ناهيك عمن قتلوا وما تركوه
من أحزان ومشاكل اجتماعية للزوجات والأمهات والأبناء والعوائل كلها. في ظل
الفقر والجوع والإرهاب.
انتفاضة آذار 1991
على هذه الأرضية من الكوارث الوطنية والمآسي والآلام
والدماء، والهزيمة العسكرية والسياسية للنظام، اندلعت انتفاضة آذار 1991
المجيدة لتسجل بوضوح رفض شعبنا للنظام الدكتاتوري وزيف الادعاءات التي
أطلقها على مدى سنوات طويلة، الزاعمة بتأييد شعبنا لسياساته ومغامراته،
وحربه المجنونة ضد إيران، وغزوه المجرم للكويت.
وكانت الانتفاضة، التي هي تتويج لنضالات شعبنا
البطولية، والكفاح المسلح، طيلة سنوات الحكم الدكتاتوري، بمثابة تصويت
بالدم ضد النظام شارك فيه جميع أبناء الشعب على اختلاف انتماءاتهم السياسية
والقومية والدينية.
ومما أعطى الانتفاضة طابع الشمول مشاركة أعداد ليست
بالقليلة من العسكريين والأفواج الخفيفة، وحتى من بين أنصار الحزب الحاكم
فيها مما كان له دور هام في اندلاع الانتفاضة، وفي اتساعها الكبير خلال
أيام قلائل، وجهت خلالها ضربات موجعة للنظام وأجهزة قمعه في غالبية محافظات
القطر، وكسرت حاجز الخوف الذي بناه النظام خلال ما يزيد على العشرين عاما
من الإرهاب وتصفية قوى المعارضة المنظمة وإغراق نشاطاتها بالدماء.
وبرغم الطابع الشامل للانتفاضة، وما وجهته من ضربات
للنظام فإنها فشلت في إسقاطه لعوامل عديدة في مقدمتها:
1- الطابع العفوي للانتفاضة. إذ رغم ان اندلاعها كان
بفعل العوامل المذكورة سابقا والتحريض السياسي الذي قامت به قوى المعارضة
العراقية طيلة سنوات الحكم الدكتاتوري. فقد فاجأت الى حد ما القوى السياسية
المنظمة التي لم تكن مستعدة الاستعداد الكافي لقيادتها وتطويرها.
2- غياب قيادات المعارضة السياسي والميداني، وخصوصا
في الجنوب حيث بدأت الانتفاضة.
3- عدم وجود الوحدة بين فصائل المعارضة على صعيد
البلاد، وعلى صعيد القطاعات التي حدثت فيها الانتفاضة، وانعدام التنسيق بين
قواها المتفرقة المعزولة عن بعضها البعض.
ان هذه العوامل حرمت الانتفاضة من الإمساك بزمام
المبادرة. ومواصلة الهجوم على النظام، ونقل المعركة معه الى العاصمة بغداد
حيث يتقرر مصير النظام، واضطرت الى التحول للدفاع الذي هو مقتلها، بحكم
التفوق الذي ظل يمتلكه النظام، من حيث وجود قوات قمع منظمة كافية متمثلة
بأجهزة الأمن وقوات الحرس الجمهوري المسلحة تسليحا جيدا بالدبابات
والمدفعية والطائرات السمتية وصواريخ أرض – أرض والأسلحة الكيمياوية الى
جانب مشاركة منتسبي منظمة "مجاهدي خلق" الإيرانية وبعض العناصر الفلسطينية
الموالية للسلطة في قمع الانتفاضة مقابل السلاح الخفيف الذي يقاتل به
المنتفضون.
كما حرمتها من التخطيط للاستفادة من القطعات
العسكرية المنحازة الى صف الانتفاضة، وكسب القطعات التي لم تشترك في أعمال
القمع، ومخاطبة منتسبي الحزب الحاكم، بما يؤمن انفضاض أعداد كبيرة منهم،
والانحياز الى صف الشعب.
والى جانب هذه العوامل لابد من الإشارة الى عدد من
الأخطاء السياسية التي ارتكبت في مجرى الانتفاضة وتسببت في انحسارها ومن
بينها:
- محاولة إضفاء طابع فئوي ضيق على الانتفاضة ورفع
شعارات ذات صبغة طائفية، والحديث عن إقامة "جمهورية إسلامية" على غرار
الجمهورية الإسلامية في إيران، الأمر الذي أسهم في إثارة مخاوف الرأي العام
الداخلي والعربي والدولي من الانتفاضة والتشكيك بها من قبل أوساط في حركة
التحرر الوطني العربية. وقدم الذريعة للأوساط الإمبريالية والرجعية
المعادية للقيام بتشويهاتها المغرضة التي جندت لها كل طاقاتها الإعلامية،
لطمس الطابع الشعبي العام للانتفاضة، والحديث عن "الشيعة في الجنوب"
و"الأكراد في الشمال".
ولم تقتصر عوامل فشل الانتفاضة على العوامل
الداخلية، بل تضافرت عوامل إقليمية وعربية ودولية في ذلك، وفي إبقاء صدام
حسين في الحكم. إذ أن غالبية القوى العربية والإقليمية والدولية المؤثرة في
الوضع في العراق لم تكن تريد لنظام صدام حسين ان يسقط على أيدي انتفاضة
شعبية ظافرة، وما يمكن ان ينتج عن ذلك من تداعيات. وتتحمل الولايات المتحدة
الأمريكية ودول التحالف مسؤولية السماح لصدام بسحق الانتفاضة وإغراقها
بالدماء، عبر الموافقة على استخدامه الأسلحة والوسائل التي تساعده في ذلك
ضمن بنود الاتفاقية المذلة التي وقعها ممثلو الدكتاتور في خيمة صفوان.
فقوى التحالف الدولي، وفي مقدمتها أمريكا ادعت انها
تفضل انقلابا فوقيا يزيح رأس النظام فقط.
والقوى الخليجية تزعم "التخوف من جمهورية شيعية تشكل
امتدادا لإيران". وإيران وتركيا وغيرهما ترفضان البديل الديمقراطي الذي
يعطي الشعب الكردي حقه في تقرير مصيره في إطار العراق الديمقراطي الموحد،
والتمتع بحقوقه القومية العادلة.
كما ان عددا من القوى القومية واليسارية والإسلامية
في البلدان العربية وفي المنطقة صدقت ادعاءات النظام الدكتاتوري، وواصلت
موقفها الخاطئ من غزو الكويت باتخاذ موقف مناهض للانتفاضة وكيل الاتهامات
الظالمة لها.
وهكذا تركت الانتفاضة دون أي دعم تقريبا وأطلقت أيدي
صدام حسين للتعامل مع الشعب المنتفض بالحديد والنار، ليغرق الانتفاضة بدماء
عشرات الألوف من أبنائها، وبتشريد حوالي مليوني كردي الى إيران وتركيا في
مأساة قل نظيرها في التاريخ المعاصر، هزت الضمير العالمي، وأدت تحت ضغط
الرأي العام العالمي، الى إقامة منطقة الملاذ الآمن، ومنع طيران النظام
شمال خط العرض (36)، ومن ثم جنوب خط العرض (32) وصدور قرار مجلس الأمن 688
الذي يطالب النظام باحترام حقوق الإنسان ومنع اضطهاد الشعب، هذا القرار
الذي ظل دون تنفيذه في الواقع حتى الآن في كل الأنحاء التي ما تزال تحت
سيطرة الحكم الدكتاتوري.
لقد مر حتى الآن ثلاثون شهرا على قمع الانتفاضة ومع
ذلك فان جذوتها لم تنطفئ بعد. وعلى حزبنا وقوى المعارضة جمعاء استيعاب
دروسها الغنية، وتجنب ما رافقها من أخطاء وثغرات سبق الحديث عنها. وأكبر
هذه الدروس هو ان شعبنا قادر على منازلة الدكتاتورية وأجهزة قمعها وإلحاق
الهزيمة بها، وبالتالي ينبغي التوجه الى الشعب لتنظيم قواه المناضلة،
والاعتماد عليه، قبل أية جهة أخرى، لإلحاق الهزيمة بالنظام، الذي عرته
الانتفاضة حتى الجذور، وكشفت عزلته وضيق قاعدته الاجتماعية، وأوضحت ان صدام
حسين لم يعد يستطيع الاعتماد إلا على اقرب أقربائه، وعلى أجهزة القمع التي
تمرست باضطهاد الشعب وإحصاء أنفاسه.
القرارات الدولية والموقف منها
لقد كان غزو الكويت سببا للعديد من القرارات التي
صدرت عن مجلس الأمن، والإجراءات التي رافقتها.
ووقف حزبنا موقفا ايجابيا، بشكل عام، من القرارات
التي أدانت هذا الغزو، وطالبت بسحب القوات العراقية من الكويت، وتفهم
القرارات التي فرضت الحصار والإجراءات التي تضغط على النظام لحمله على
الالتزام بما أجمع عليه المجتمع الدولي.
رغم ما شاب بعض هذه القرارات من مس بالسيادة الوطنية
وانتقاص لها، وارتهان لمصير وطننا وثروات شعبنا الى أمد غير محدود، يتحمل
مسؤوليتها بالكامل النظام الدكتاتوري، ورأس هذا النظام بالذات صدام حسين.
وأيد حزبنا قرار اعتبار المنطقة شمال خط العرض 36
منطقة ملاذ آمن حماية للشعب الكردي من بطش الإرهاب والقمع الدكتاتوري،
وأبدى تفهمه لقرار فرض الحظر الجوي على المنطقة جنوب خط العرض (32) الذي ظل
إجراءا ناقصا غير ذي جدوى، في الواقع انطلاقا من المطالبة باتخاذ الإجراءات
الكفيلة بتطبيق القرار 668 الذي يقضي بحماية الشعب العراقي كله من إجراءات
النظام التعسفية وإرهابه الدموي.
لقد مر ما يزيد على السنتين ونصف على انتهاء مغامرة
غزو الكويت وانسحاب القوات العراقية منها، تحول فيها الحصار المفروض من قبل
مجلس الأمن من عقوبة للنظام الى عقوبة للشعب بحكم استمرار النظام وتحكمه
بمصائر شعبنا، وتعنته ورفضه الاستفادة من قرار السماح بتصدير النفط، وفقا
للقرارين 706 و712.
ان المعطيات والوقائع تؤكد ان الطغمة الحاكمة التي
هي أساس كل البلايا التي حلت وتحل بشعبنا ووطننا، تستخدم استمرار الحصار،
ستاراً للتغطية على مسؤوليتها المباشرة والأساسية عن المحنة التي تسحق
الملايين، وذريعة لحرف نقمتهم بعيدا عنها. وانطلاقا من هذه الوقائع ومن
حقيقة ان الحصار الاقتصادي بات يشكل عبئا ثقيلا على جماهير شعبنا وحياة
المواطنين ومستوى معيشتهم ولم يمنع النظام من الحفاظ على مواقعه، وتدعيم
أجهزته الأمنية وترسانته القمعية، أصبح من الضروري، المطالبة برفع الحصار
الاقتصادي عن شعبنا وتأمين احتياجاته من الغذاء والدواء وإيصالها الى
المحتاجين مباشرة عن طريق المنظمات ووكالات الأمم المتحدة ذات العلاقة. وفي
الوقت نفسه تكثيف الجهود وتصعيدها لدفع المجتمع الدولي الى تشديد الخناق
على الدكتاتورية، وإلزامها بتنفيذ القرار رقم 688 الذي يمنع زمرة صدام حسين
من انتهاك حقوق الإنسان في العراق. والدعوة الى إجازة قرار مماثل في شأن
تشكيل المحكمة الدولية لمحاكمة صدام حسين وكبار المسؤولين في نظامه عن
الجرائم التي اقترفوها ويقترفونها بحق شعبنا والإنسانية والسلام، وقرار آخر
يفرض إجراء انتخابات ديمقراطية في العراق تحت إشراف الأمم المتحدة
وبإدارتها.
ان شعبنا لم يكن مسؤولا عن مغامرة صدام حسين بغزو
الكويت، ويريد العيش مع أشقائه وجيرانه في ظل السلام والأخوة والجيرة
الحسنة واحترام السيادة الوطنية والمصالح المشروعة للشعبين الشقيقين
والبلدين الجارين.
ومن هذا المنطلق يرى ان قضية ترسيم الحدود بين
البلدين ليست فقط قضية فنية، بل هي قضية سياسية وقومية تمس مصالح الشعبين
ومستقبل علاقاتهما ومن المنطلق ذاته يرى حزبنا ان قرار مجلس الأمن رقم 773
المتعلق بترسيم الحدود، قرار وحيد الجانب ومجحف، وان أي اتفاق بخصوص الحدود
لابد ان يحظى بمصادقة شعبنا في ظل أوضاع ديمقراطية وحكومة تجسد إرادته،
وبما يضمن مصالح الشعبين والسيادة الوطنية للبلدين، ولكي يحول نهائيا دون
عودة هذه القضية مصدرا للنزاع والصدام مستقبلا.
تجديد الحزب ضرورة حياتية
لقد نشأ حزبنا كضرورة موضوعية للتعبير عن مصالح
الطبقة العاملة والجماهير الشعبية. وظهر للوجود بعد ان شهدت ساحة النضال
الوطني مساهمة واضحة من جانب العمال، وبعد ان اندمجت حركة الطبقة العاملة
بالفكر الماركسي الذي حمله عدد من المثقفين الثوريين. ومنذ نشأته أنغمر
حزبنا في حركة التحرر الوطني، الهادفة للخلاص من السيطرة الإمبريالية على
مقدرات بلادنا، وناضل ببسالة من اجل الديمقراطية والتحرر الاجتماعي ونشر
مفاهيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاشتراكية والتآخي القومي بين
القوميتين الرئيسيتين في وطننا، العرب والكرد، والقوميات والأقليات الأخرى.
ورغم تبنى الحزب للاشتراكية كهدف لنضاله، شأن كل
الأحزاب الشيوعية، فقد ركز في نضاله اليومي على الأهداف الآنية الملحة:
التحرر الوطني والحريات الديمقراطية ومصالح
الكادحين. فطالب بحقوق العمال والفلاحين والطلبة والشبيبة والنساء، وكسب
ثقتهم ونظمهم وقاد نضالاتهم، وصاغ مطاليبهم تبعا لتطور الأوضاع ومستوى
الحركة الثورية في البلاد.
وساهم حزبنا بجدارة، في كل معارك شعبنا الوطنية
والقومية، وقدم التضحيات الغالية في هذه المعارك، وكانت اكبر هذه التضحيات
صمود قادته الاماجد يوسف سلمان (فهد) وزكي بسيم وحسين الشبيبي وسلام عادل
وجمال الحيدري والعديد غيرهم الذين كان مصيرهم أعواد المشانق والاستشهاد من
اجل رفع راية الحزب عاليا في ربوع وطننا.
إلا ان مسيرة حزبنا لم تخل من الأخطاء والنواقص التي
سعى للتوقف عندها وتقييمها بموضوعية وانتقادها بجرأة ثورية، مدللا بذلك على
مصداقيته وإخلاصه لقضية الشعب والوطن.
واليوم، وبرغم الجراح العميقة التي عانى منها حزبنا
بسبب الإرهاب الدكتاتوري الدموي المتواصل ضده منذ ما يزيد على الخمسة عشر
عاما، والذي تحول منذ عام 1978 الى حملة تصفية جسدية، لإخراجه من ساحة
النضال. وبرغم الأزمة التي يعانيها الحزب على مختلف الأصعدة التنظيمية
والسياسية والفكرية جراء الصعوبات التي يواجهها، وما تعانيه الحركة
الشيوعية العالمية، برغم ذلك كله ما يزال حزبنا هو المؤسسة الوطنية الوحيدة
التي تعبر عن وحدة شعبنا العراقي بجميع قومياته وأديانه وطوائفه، وترمز الى
هذه الوحدة. ويجد كل الحريصين على وحدة شعبنا ووطننا في صمود حزبنا
واستمراريته ضرورة موضوعية لهذه الوحدة.
إلا ان حزبنا لا يستطيع العيش على أمجاده النضالية
فقط. وهو مطالب، الآن، أكثر من أي وقت مضى، بأن يجدد نفسه انطلاقا من كون
التجديد حاجة موضوعية ملحة وارتباطا بما شهدته حركتنا الأممية على الصعيد
العالمي من تراجع وانحسار، وانهيار "المنظومة الاشتراكية" وتفكك الاتحاد
السوفيتي، نتيجة الجمود والتمسك بمسلمات لم تزكها الحياة، والابتعاد عن
الديالكتيك الماركسي الحي في دراسة الظواهر والتطورات في كل مناحي الحياة،
والقصور في الاستفادة من التطور العلمي والثورة التكونولوجية لأغراض
الإنتاج السلمي ورفع مستوى حياة الشعب، وإبعاد الجماهير عن تقرير مصائرها
بنفسها وإحلال بيروقراطية الحزب وقيادته محل الديمقراطية الحقيقية للشعب
التي يتطلبها التحويل الثوري للمجتمع وبناء الاشتراكية، وما استتبعه ذلك من
ابتعاد الحزب عن الجماهير، والتخلي عن قيم نضالية وظهور الفساد حتى مستويات
عليا في قيادات بعض الأحزاب الشيوعية والحاكمة.
ومنذ وقت مبكر توجهت منظمات حزبنا ورفاقه، رغم كل
الظروف الصعبة التي تحيط بالحزب، وتشتت كوادره بين الداخل الذي يعيش في ظل
أقسى دكتاتورية، والجيل المنعزل الى حد كبير، والمنافي القريبة والبعيدة،
الى بحث موضوعة التجديد في حركتنا الشيوعية العالمية والتحري عن سبل تحقيقه
في حياة حزبنا.
وفي نشرة عممها المكتب السياسي في أيلول 1989 دعت
منظمات الحزب والرفاق المعنيين الى المساهمة مع قيادة الحزب في سعيها
لإعادة صياغة الوثائق البرنامجية للحزب وتدقيق المفاهيم وتطوير استنتاجاتنا
وحصيلة تجربتنا النضالية.
واخذ هذا السعي للتجديد، منحى أكثر ملموسية في آذار
1990، إذ طرحت اللجنة المركزية تقريرها (في سبيل استنهاض قوى الشعب لتحقيق
السلم والبديل الديمقراطي).
ومنذ البداية أكدت اللجنة المركزية في تقريرها: "ان
إقرار حزبنا بالضرورة الموضوعية التاريخية لعملية التجديد وطابعها الشمولي
الخلاق، ينطوي على وعي المخاطر التي تحيط بها وتلازمها، وتناقضاتها،
والعوامل التي تتحكم بمجراها، وتكبحها او تغير وجهة جريانها. مما يستلزم
التأكيد على قيم الاشتراكية وأفضليتها، والاسترشاد بالروح المبدعة والأسلوب
الجدلي لمؤسسي الماركسية – اللينينية، وتطويرهما واغناءهما باستمرار
بمنجزات العلم وخبرة الحياة والحركة الثورية".
وشخصت (ل.م) في اجتماعها المذكور "الضرورة الموضوعية
والحاجة الذاتية الملحة لتجديد الحزب، على أساس إشاعة الديمقراطية فيه،
وتدقيق وتصويب سياسته وتوجهاته البرنامجية والتنظيمية، والارتقاء بمستواه
الفكري وأساليبه الكفاحية".
وتواصل هذا المسعى في اجتماع (ل.م) في أيلول 1991
الذي أقر فيه مشروعا الوثيقة البرنامجية للحزب والنظام الداخلي، كما جرى
التوقف عند موضوعة التجديد أكثر من مرة عام 1992 كان أخرها في النشرة
الداخلية التي عممها (م.س) في أعقاب اجتماع (ل.م) في تشرين الأول 1992
فماذا كانت حصيلة كل ذلك؟
على الصعيد الفكري: توجه حزبنا لفحص المقولات
والمفاهيم النظرية انطلاقا من نبذ الاستنساخ والنقل الآلي للتجارب،
واستلهام المنهج الماركسي بمعاينة الواقع الموضوعي وتطوراته والواقع
الملموس لنضال شعبنا ومشاكله وتقاليده وتراثه الثوري، والاستفادة من
التجربة العالمية.
ويمكن القول اننا الآن نفهم مراحل التطور بطريقة
أكثر واقعية بعيدا عن النزعة الارادوية. فقد أظهرت التجربة العالمية ان
عملية التطور الاجتماعي اعقد مما كان يجري تصويرها به.
هذه التصورات بعمومياتها، حاولنا ان تكون في أساس
ومنطلقات إعداد مشروعي الوثيقة البرنامجية والنظام الداخلي، اذ جرى تجنب
أطلاق الأحكام المطلقة والقطعية، أملا في ان تكون أحكامنا النظرية أكثر
قربا والتصاقا بتعقيدات الواقع ومسيرته المتشابكة. كما جرى تجنب الخوض في
المسائل غير الآنية، والتنبؤات البعيدة، واكتفينا بتحديد مسار عام. وهذه
القضايا كلها بحاجة ماسة وجدية لتنشيط البحث العلمي لاغنائها، والاستفادة
من الطاقات العلمية لرفاق الحزب وأصدقائه، ولتعميق الدراسات لما يواجهه
الحزب من قضايا، مع القبول بالتعددية في الآراء واحترام الاجتهاد، وضمان
حرية الاستنتاجات النظرية وحرية الرأي التي هي مستلزمات أساسية لأي بحث
علمي. وليس من شك في اننا حتى الآن لم نفلح في تأسيس نظام متكامل للبحث
العلمي بسبب من ظروف الحزب الصعبة، وتشتت كوادره، وجو الإرهاب الذي يعيشه
وطننا، مما حال ويحول دون الوصول الى نتائج كبيرة ملموسة.
وعلى الصعيد السياسي: سعى حزبنا لتكون وجهته العامة
هي التمسك، أكثر من أي وقت مضى، بالواقعية السياسية وبالمرونة في التعامل
مع الأحداث. وتجلى ذلك في الخطاب السياسي لوثائق الحزب وتقارير اللجنة
المركزية وبياناتها وفي صحافة الحزب. والسعي لتجنب الارادوية والجملة
الثورية في صياغة الشعارات السياسية، ورسم المواقف والتكتيكات اليومية،
وانسجاما مع هذا كله يتوجه للتفاعل بشكل أعمق والتعرف بشكل أفضل على مزاج
الجماهير واستعدادها النضالي وصياغة تكتيكاتنا ارتباطا بالواقع واخذ موازين
القوى المحلية والإقليمية والدولية بنظر الاعتبار.
ونسعى من منطلق فهمنا لطبيعة المرحلة التي نمر بها
والمعركة التي نخوضها ان نصوغ علاقاتنا الوطنية وتحالفاتنا وفقا لمنظور
معاصر يتسم بالواقعية وبالمرونة السياسية التي أشارت إليها وثيقة آذار
1990.
وعلى الصعيد التنظيمي: وانطلاقا من القناعة بأن
الديمقراطية ينبغي ان تكون سمة ملازمة للشيوعيين في نمط تفكيرهم وعلاقاتهم
الداخلية، ومع القوى الأخرى، وتجسيدا لرغبتهم في سيادتها في المجتمع الذي
يناضلون من اجله، فقد سعى الحزب الى إشاعة الديمقراطية في حياته الداخلية.
وإشاعة الديمقراطية وتوسيعها في حياة الحزب الداخلية
لا يتنافى مع المركزية الديمقراطية، التي يتطلبها التنظيم الحزبي، بل ينسجم
مع قناعة الحزب بضرورة الحفاظ على هذا المبدأ واستلهام معطياته كأساس لبناء
الحياة التنظيمية. غير ان المركزية الديمقراطية التي نسعى للحفاظ عليها هي
غير المركزية البيروقراطية، والتطبيقات السيئة التي عاشتها تجربة الحركة
الشيوعية العالمية ردحا طويلا من الزمن في حياة الأحزاب الشيوعية.
ولكي تتكامل عملية إشاعة الديمقراطية التي لها أوجه
عديدة. لابد من ضمان العلنية في الحزب. علنية تتناسب وظروف حزب يعيش أوضاعا
إرهابية قاسية. تفرض عليه سرية تنظيمه لحمايته من ضربات الأجهزة القمعية
الإرهابية، فالعلنية يجب ان تأخذ بالاعتبار هذا الواقع، فتعني عمليا علنية
الفكر، وعلنية السياسة وليس علنية التنظيم.
ويجب ان نشجع الحوارات والنقاشات الفكرية داخل صفوف
الحزب وفي صحافته بدون تحفظ، فليس لدينا ما نخفيه عن الشعب. بل من مصلحة
الحزب استشارة وتحفيز كل الطاقات وكل الإمكانيات الفكرية لدى الحزبيين
وأصدقاء الحزب وجماهيره، كي يسهموا في صياغة سياسات الحزب وشعاراته. وفي
تدقيق هذه السياسات واتجاهات الحزب الفكرية.
ويتوجب على قيادة الحزب صياغة أساليب فعالة لإدارة
الصراع الفكري بما يضمن المساهمة الأوسع لقواعد الحزب في اتخاذ القرارات
وكانت البداية لتحقيق هذا، خلال السنوات الأخيرة، واعتماد الاجتماعات
الموسعة للكوادر والأعضاء في الكونفرنسات الحزبية والاجتماعات الموسعة
للهيئات القيادية.
ورغم السلبيات الموجودة في هذه التجارب، إلا انها
تؤشر الى أن الحزب متوجه نحو ترسيخ وتثبيت تقاليد في الحوار والممارسة
الديمقراطية لا رجعة عنها.
وفي هذا السياق يمكن الإشارة الى الروح الديمقراطية
والعلنية التي تتناول بها صحافة الحزب مختلف الشؤون الحزبية، دون أن تكون
منسجمة بالضرورة مع السياسات الرسمية للحزب.
ومع ذلك فان الأخطاء والثغرات في هذا الميدان يجب ان
لا تثني الحزب عن نهجه في إشاعة الديمقراطية، وانما تتطلب شحذ الفكر وبذل
جهود أكبر لتنظيم عملية الصراع الفكري، مع الحفاظ على جوهر الديمقراطية.
ومن جوانب إشاعة الديمقراطية في حياة الحزب الموقف
من الرأي الآخر، رأي الأقلية، فنحن الآن أكثر احتراما وسعة صدر في التعامل
مع الرأي المخالف، وسعينا ونسعى لضمان حقه بالتبشير بقناعاته في الصحافة
الحزبية.
وهناك ملمح آخر من ملامح إشاعة الديمقراطية في
الحياة الحزبية يتطلب تأكيده وترسيخه وهو القيادة الجماعية ونبذ الممارسات
الفردية، وما يرافقها من اوامرية وبيروقراطية في حياة الحزب.
وعلينا في هذا المجال تطوير البدايات المتواضعة
باستشارة الكادر الحزبي والسعي لصياغة آلية متطورة للاستفتاء الحزبي، قدر
الامكان، واستشارة قواعد الحزب عبر مناقشة الوثائق الأساسية للحزب، وبإعطاء
صلاحيات اكبر للمنظمات الحزبية في إدارة شؤونها، وفي تصريف قضاياها الخاصة،
في إطار الوجهة العامة للحزب وسياسته ووثائقه البرنامجية، وخلق آلية جديدة
للاستفادة من الطاقات والكفاءات في شتى ميادين العمل الحزبي بصرف النظر عن
مراكزها القيادية او مواقعها التنظيمية.
ولاشك ان الانتخابات هي مظهر أساسي من مظاهر
الديمقراطية وترجمة فعلية لها، ومنذ ثلاث سنوات، وبالرغم من عدم وجود
تقاليد راسخة لإجراء الانتخابات في كل منظمات الحزب، عمل الحزب على ترسيخ
هذا التقليد.
وعلى متابعة دراسة الشوائب التي رافقت عملية
الانتخاب كوسيلة أساسية لاختيار القيادات الحزبية، حيثما أمكن إجراء هذه
العملية التي شملت منظمات الخارج وكردستان، وذلك لانتخاب قياداتها وممثليها
لهذه الفعالية او تلك، او لدراسة شؤونها الداخلية او مؤتمراتها المحلية.
وحزبنا مصمم على مواصلة هذه المسيرة، رغم ما اعترى
ويعتري هذه العملية بفعل حداثتها، وقلة الخبرة والتجربة في إدارتها، من
ثغرات تجسدت أحيانا في غياب الموضوعية في انتخاب المسؤولين، والاعتماد في
ذلك ليس على أساس معيار الكفاءة والجهادية والمقدرة، وإنما على أساس
العلاقات الشخصية أو الإقليمية أو القومية في هذه المنظمة أو تلك.
ولاشك ان توجهات الحزب في إعادة بناء علاقته
التنظيمية مع منظمة الحزب في كردستان وتحويلها الى الحزب الشيوعي
الكردستاني – العراق. التي شرحناها تفصيلا في مكان آخر. هي منحى تجديدي في
الحياة التنظيمية للحزب، واستجابة واعية للتطورات التي شهدتها القضية
الكردية في العراق.
إن كل هذا ما هو إلا بدايات متواضعة جدا ينبغي لها
ان تترسخ وتتوطد عبر تشريعها في وثائق الحزب الأساسية. وما جرى حتى الآن لا
يمكن ان يرضي طموح الشيوعيين العراقيين، الذي هو أكبر من هذا بكثير. وهذا
الطموح يصطدم بمعوقات كبيرة، يقف في مقدمتها الانشداد للماضي وممارساته
الخاطئة، وحكم العادات المترسخة في سلوك الرفاق القياديين والكوادر
والأعضاء، والتي يشكل التخلص منها مهمة شاقة، وخصوصا في الظروف الشاذة التي
يعيشها وطننا وشعبنا وسيادة القمع الدكتاتوري وفقدان الحريات الديمقراطية.
وبرغم كل المعوقات التي تعرقل عملية تجديد ا لحزب
فاننا مطالبون بأن نجعل منها هاجسنا الأساسي، وان نربط بصورة جدلية بين
عملية التجديد على صعيد الحزب وإشاعة الديمقراطية في المجتمع. وان نجعل من
مؤتمرنا هذا محطة أساسية تشكل منعطفا هاما في عملية التجديد المطلوبة، وان
نستعين لتحقيق هذه المهمة بالتوفيق البارع بين خبرات كوادرنا القيادية
المناضلة، وشبيبة الحزب الصاعدة الواعية، المتفهمة للواقع، والمتفاعلة معه
بإبداع، وان نقدم الى الصفوف القيادية رفاقا قادرين على مواصلة الكفاح،
مؤمنين بقضية الحزب. لم تهزهم الأحداث. بعيدين عن الشعور بالإحباط واليأس
والجزع لما تعيشه حركتنا من أزمة.
ولاشك اننا مطالبون بصياغة مفهوم، او تصور متكامل
لقضية الكادر بعيدا عن افتعال المنازعات بين ا لكوادر القديمة والجديدة،
والمنافسات غير المشروعة، لكي يجد كل شيوعي مخلص مكانه الذي يخدم من خلاله
قضية الحزب، وان يكون الأكفأ والأقدر والأكثر وعيا وجهادية، والأكثر
استعدادا للعطاء في مركز صنع القرار، لنضمن بذلك نجاح عملية التجديد، إذ لا
حياة للحزب بدون التجديد فكرا وتنظيما وممارسة.
حول التحالفات الوطنية
دعا حزبنا الى وحدة القوى الوطنية لإنجاز مهمات
مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية منذ الأربعينيات. وكان هاجس الحزب في
مشاركته في جميع التحالفات السياسية التي قامت منذ ذلك الوقت توحيد قوى
المعارضة، وجمعها حول أهداف مشتركة، وبعد انتقالنا الى المعارضة عام 1979،
سعى الحزب الى إقامة جبهة عريضة يقف في مقدمة أهدافها تخليص شعبنا من
الدكتاتورية، وبناء عراق ديمقراطي، وإيجاد ظروف أفضل لعمل الحزب سواء كان
ذلك بين صفوف المعارضة أو بين جماهير الشعب.
وقد كانت جميع التحالفات التي شارك بها الحزب ميادين
صراع جراء وجود نزعات الاستئثار والسيطرة لدى أكثر من طرف من أطراف
المعارضة، هذه النزعات التي سببت انفراط عقد (جوقد) وحل (جود) بعد تشكيل
لجنة العمل المشترك في كانون أول 1990، التي تعثر عملها وتوقف منذ النصف
الثاني من عام 1991. الأمر الذي ساعد على عقد مؤتمر فينا في حزيران 1992
بمبادرة من بعض الشخصيات والأحزاب والذي قاطعته غالبية أطراف لجنة العمل
المشترك لأنها رأت فيه محورا بديلا عنها، ومن ثم قيام المؤتمر الوطني
العراقي الموحد نتيجة الجهود التوحيدية، على أسس جديدة هي غير الأسس التي
قامت عليها لجنة العمل المشترك، والتي أدت الى تراجع في دور حزبنا في هذا
التحالف الجديد.
وهنا كان على حزبنا ان يقرر موقفه منه، فاما
المشاركة فيه، مع الاحتفاظ باستقلاليتنا التنظيمية والسياسية، وممارسة
الدور المتواضع فيه، واما عدم المشاركة، والعمل بشكل منفرد، والانضمام الى
القوى التي قاطعت المؤتمر أو تحفظت عليه من منطلقات متباينة.
وبعد دراسة متأنية قررت اللجنة المركزية مواصلة
المشاركة في تأسيس المؤتمر الوطني العراقي الموحد، رغم الدور المتواضع الذي
يسهم به حزبنا ضمن هيئاته القيادية، والذي لا يعكس مكانة ودور حزبنا في
نضال شعبنا ضد الدكتاتورية وفي حركة المعارضة العراقية، ورغم الملاحظات
والتحفظات على بعض الأطراف المشاركة في المؤتمر وطريقة إعداده. وكان قرار
المشاركة انطلاقا من التقدير بأن وجودنا في هذه المؤسسة للمعارضة العراقية،
التي تضم غالبية قوى المعارضة الفعالة – وخصوصا قوى الجبهة الكردستانية
التي نحن طرف فيها – والنضال من داخلها والسعي لتطويرها، والانتقال بالثقل
الرئيسي لعملها الى ارض الوطن، أفضل من البقاء خارجها، مع مواصلة الجهود مع
القوى التي ما تزال خارجها من اجل انضمامها الى المؤتمر أو إيجاد صيغة
للتعاون معها في الهدف المشترك الذي يجمعنا وهو إزاحة الدكتاتورية وإقامة
النظام الذي يحظى بثقة الشعب، واختياره بإرادته الحرة المعبر عنها عبر
صناديق الاقتراع.
لقد سبق وأعلنا ان هذه الصيغة ليست أفضل الصيغ لعمل
المعارضة العراقية بسبب مما ذكرناه عن طريقة إعداد المؤتمر، والغبن الذي
لحق بحزبنا في التمثيل في هيئاته القيادية، وتركيزه في النشاط على العمل في
الخارج، وعدم نجاحه حتى الآن في نقل ثقل نشاطه الى داخل الوطن، وتعويله على
العامل الخارجي، وغير ذلك.
ومن منطلق الحرص على تطوير الجهد المعارض وتفعيله،
ينبغي العمل على مفاتحة قيادة المؤتمر الوطني العراقي الموحد بشأن موقع
حزبنا داخله وعلاقته معه، وذلك بهدف تطوير عمل المؤتمر ونقل نشاطه الى داخل
الوطن وتجميع طاقات أكبر من قوى المعارضة، والاعتماد على القوى ذات
الامتداد الحقيقي بين جماهير شعبنا والتعويل بالأساس على نضالها لإسقاط
الدكتاتورية وتقرير موقف حزبنا اللاحق في ضوء ذلك.
ويعمل الشيوعيون على تقوية حزبهم تنظيميا، وتعزيز
مواقعه في الحركة الجماهيرية المناهضة للدكتاتورية وذلك من أجل إقامة تحالف
يستند الى إرادة جماهيرية واسعة وليس فقط اتفاقات فوقية مع قيادات تتفاوت
فيما تمتلكه من قدرة على تحريك الجماهير والتعبير عن مطامحها، ولذا تكون
هذه الاتفاقات عرضة للانفراط ما دامت لا تستند الى القاعدة الجماهيرية
الواسعة التي تدعمها وتتمسك بها وتسعى لتطويرها.
من جانب آخر، أصبح من الضروري العمل على تعبئة قوى
شعبنا الديمقراطية. وجمع جهودها في المعركة لإنقاذ شعبنا من الدكتاتورية
وبناء العراق الديمقراطي الفدرالي الموحد، والمباشرة في دراسة الوضع في
ساحة القوى الديمقراطية العراقية والكردستانية، وامكانات التقارب والتواصل
مع هذه القوى أو مع بعضها وصولا الى التنسيق والتعاون وإيجاد السبل لتحقيق
العمل المشترك من اجل الأهداف المشتركة.
وفي معرض تقييم أدائنا في مجمل التحالفات التي
شاركنا فيها، يمكن القول ان هذا الأداء ظل يعاني ضعفا في ممارسة النقد تجاه
حلفائنا، وفي إظهار موقفنا المستقل بشأن بعض ممارساتهم الخاطئة والاستجابة
لضغوطاتهم الى جانب ضعف الحيوية والديناميكية في التحرك أحيانا بما يخدم
تعزيز مواقعنا.
حول الموقف من الكفاح المسلح
عندما اضطر حزبنا للانتقال الى المعارضة في أجواء
الحملة الهستيرية للنظام الدكتاتوري لتصفية الحزب، بادر الى تشكيل فصائل
الأنصار منذ أواخر عام 1978، وأعلن الحزب القطيعة التامة مع النظام
الدكتاتوري والدعوة لإنهائه في أعقاب اجتماع اللجنة المركزية في تموز 1979،
وتبنى الكفاح المسلح، الذي اعتبره الحزب، الأسلوب الرئيسي للنضال ضد
الدكتاتورية، وذلك في اجتماعات اللجنة المركزية في 1980 ثم في 1981 وفي
المؤتمر الوطني الرابع للحزب عام 1985.
وقد أسهمت فصائل الأنصار بدور فعال سوية مع فصائل
البيشمركة للأحزاب الكردستانية في النضال ضد الدكتاتورية وإيجاد ظهير مسلح
لنضال الجماهير الكردستانية وقوى المعارضة في عموم الوطن، ولعبت دورا
مشهودا في تعزيز هيبة الحزب ومكانته وحماية كوادره وإنقاذ اكبر عدد ممكن
ممن تعرضوا للملاحقة على أيدي أجهزة القمع.
وقامت فصائل الأنصار التي شكلها الحزب بشكل مشرف
بإنجاز هذه المهمات وفقا للإمكانيات المتاحة وظروف النضال الصعبة، وخصوصا
تعقيدات الحرب العراقية – الإيرانية وتأثيراتها السلبية على حركة الأنصار
عندما أصبحت أجزاء واسعة من كردستان ميدانا من ميادين هذه الحرب.
فقد ضمنت تواصل العمل التنظيمي للحزب وعلاقاته
بالأحزاب الأخرى على الساحة الكردستانية، ووفرت مواقع أمينة لأجهزة الإعلام
من إذاعة وصحافة، وقامت بعمليات بطولية مشهودة ضد قوات النظام، ودعمت بشكل
فعال انتفاضات الربيع في كردستان 1982 و1984 و1987، وأمنت أمكانية انعقاد
المؤتمر الوطني الرابع للحزب على أرض الوطن، وغير ذلك من المآثر النضالية.
غير ان هذه الحركة المجيدة – التي ساهم فيها حزبنا
الى جانب الأحزاب الكردستانية – لم تستطع الصمود في مواقعها بوجه الآلة
العسكرية الضخمة للنظام التي زجها في أعقاب وقف القتال مع إيران في صيف
1988 في حملات "الأنفال" الوحشية، واستخدامها الأسلحة الكيمياوية المحرمة
دوليا ضد مواقع الأنصار. فاضطرت للانسحاب والإبقاء على قواها بعيدا عن
متناول القوات الحكومية بانتظار الفرصة الملائمة لمواصلة العمل على نطاق
واسع، وهو ما تحقق في انتفاضة آذار 1991 المجيدة إذ لعبت هذه الفصائل دورا
مشهودا في الهاب حماس الجماهير، وتطوير انتفاضتها ضد قوى القمع الحكومية
وخصوصا في صيف وخريف 1991.
ويقدر تعلق الأمر بحزبنا، فإلى جانب التقييم العالي
للدور المشرف الذي لعبته حركة الأنصار في إبراز الوجه النضالي المشرف
لحزبنا ورفع مكانته بين صفوف الجماهير، وقوى المعارضة الوطنية، وإسهامها في
ضمان مواصلة عمل الحزب التنظيمي والإعلامي داخل الوطن، لابد من الإقرار بما
جرى من مبالغة في تقدير دورها والتعويل عليها بأكثر مما يحتمله واقع الحركة
التي ظلت تفتقر الى المساهمة الجماهيرية الواسعة، بالشكل الذي يضمن استمرار
مدها بالمناضلين، وأخيرا بما جرى من خروج أعداد كبيرة من الكادر الذي تمرس
بالعمل الأنصاري، وتحمل صعوبات وتضحيات كبيرة في الوقت الذي كانت تلوح فيه
بوادر التحرك الجماهيري ضد النظام في أعقاب غزوه للكويت، وكانت الحاجة ماسة
لبقاء هذه الكوادر قريبة من ميدان النضال داخل الوطن.
ولا يمكن تحميل الحركة أو الأنصار مسؤولية كل ذلك،
بل تتحملها بالأساس القيادات السياسية والعسكرية، فقد انعكست الخلافات داخل
هذه القيادات سلبا على موضوعة الكفاح المسلح وأساليب النضال، كذلك ساهمت
الصراعات الجانبية في التأثير سلبا على حركة الأنصار وإعاقة تطورها.
ان تقييم تجربة الكفاح المسلح والحركة الأنصارية
ومآثرها بحاجة الى دراسة موضوعية للاستفادة من خبرتها ودروسها باعتبارها
واحدة من انصع الصفحات في تاريخ الحزب. كما يجب العناية بتوثيق البطولات
الفذة التي اجترحها أنصار حزبنا وجماهيره في المعارك والمواجهات التي جرت
مع قوات السلطة، وتمجيد شهداء الحزب الذين سقطوا في سوح المعارك وتخليد
ذكراهم بما يناسبها من وسائل التكريم والإشادة ببطولاتهم المجيدة.
حول القضية الكردية
الفدرالية والحزب الشيوعي الكردستاني
منذ انعقاد المؤتمر الوطني الرابع لحزبنا في نهاية
عام 1985 وحتى الآن حدثت تطورات ومستجدات غاية في الأهمية في مسار الحركة
التحررية الكردستانية عموما، وفي قضية الشعب الكردي في العراق بصورة خاصة.
وخلال هذه الفترة واصل حزبنا سياسته في دعم ومساندة
نضال الشعب الكردي وقضيته العادلة، والاعتراف بحقه في تقرير مصيره،
والمساهمة في انتفاضاته وحركته الثورية.
ومن ابرز معالم تطور الحركة في هذه الفترة انتهاء
الصراعات الدموية في صفوف الأحزاب والقوى الكردستانية التي ألحقت أضرارا
جسيمة بها وتمخضت الجهود والمباحثات التي شارك فيها حزبنا بنشاط، عن تشكيل
الجبهة الكردستانية العراقية وتوقيع ميثاقها في مقر حزبنا في (خواكورك) في
حزيران 1988.
وبإقامة الجبهة الكردستانية العراقية بدأت صفحة
جديدة من نضال القوى والأحزاب الكردستانية تركت آثارها الايجابية على
النضال اللاحق للشعب الكردي ولقوى المعارضة العراقية.
وفي نفس العام توقفت الحرب العراقية – الإيرانية
التي أنهكت طاقات البلدين وأنزلت المآسي بشعوبهما، وانفردت السلطة
الدكتاتورية بالثورة الكردستانية، وبدأت انتكاسة جديدة، بعد ان ضربت حلبجة
وغيرها بالأسلحة الكيمياوية في آذار 1988 وأزالت من الوجود حوالي 4500 قرية
كردستانية وعدة مدن وقصبات مثل (قعلة دزة وبنجوين وسيد صادق وجوارتا)
وإخلاء عشرات ألوف الكيلومترات المربعة من سكانها، وحملات "الأنفال" قبل
وبعد إيقاف الحرب العراقية – الإيرانية التي أسفرت عن اختطاف 182 ألف مواطن
كردي وأبادتهم في صحاري الوسط والجنوب.
وواصلت (جك) نضالها وبدأت تخطو نحو التضييق من آثار
الانتكاسة الجديدة للحركة الكردية في ظروف الحرب التي زج النظام الجيش
والشعب فيها بقرار ضم الكويت بعد احتلالها ثم فشله في الحرب، حتى اندلاع
الانتفاضة في آذار 1991.
وكانت الانتفاضة في كردستان بمشاركة فصائل الأنصار
لقوى الجبهة الكردستانية وقيادتها.
واضطر النظام الى رفع يده عن كردستان وسحب إدارته
وأجهزته القمعية بعد أن أنزلت الانتفاضة ضربات قوبة بها، وإقامة الملاذ
الآمن.
قررت قيادة الجبهة الكردستانية إجراء الانتخابات
البرلمانية في أيار 1992 في أجواء ديمقراطية. ورافق الانتخابات، مع الأسف
الشديد تزوير واسع، لكن حزبنا وبقية أطراف الجبهة الكردستانية قبلت
بنتائجها مؤقتا لحين إجراء انتخابات جديدة في نفس العام من منطلق الحرص
والشعور بالمسؤولية لصيانة مكتسبات انتفاضة آذار المجيدة.
وتشكل المجلس الوطني الكردستاني من ممثلي الحزبين
(حدك) و(اوك) بالمناصفة وانبثق عنه مجلس للوزراء، شارك فيه حزبنا بمقعد
وزاري واحد من منطلق الحفاظ على الوحدة.
وكان من المؤمل ان تنحصر المناصفة في حدود المجلس
الوطني الكردستاني وإقامة الحكومة الكردستانية بمشاركة القوى السياسية
الأخرى.
إلا ان سياسة المناصفة وجدت طريقها الى جميع المناصب
والوظائف الحكومية وغيرها من المجالات، مما خلق المشاكل والتوتر في
العلاقات بين الحزبين المذكورين، بالإضافة الى ما يسببه ذلك من ضعف الأداء
في إدارة الأمور التشريعية والتنفيذية وحرمانها من الكثير من الكفاءات غير
ان كردستان تعيش في ذات الوقت مصاعب جمة بفعل الحصار الدولي وحصار النظام
الدكتاتوري، ومساعيه التخريبية لإفشال هذه التجربة عن طريق عملائه، وضغطه
المستمر وإجراءاته التعسفية. وأبرز أمثلتها، حرمان المنطقة من الوقود،
ومعاملتها كدولة أجنبية عند إلغاء فئة الـ25 ديناراً، ومصادرة مدخرات
أبنائها من هذه العملة وقطع التيار الكهربائي مؤخرا عن محافظة دهوك.
ان التجربة التي تعيشها كردستان اليوم تجربة جديدة
جديرة بالدعم والمساندة من قبل جماهير شعبنا العراقي كله، ومن قبل القوى
الوطنية والديمقراطية العربية والعالمية.
ان المؤتمر الوطني الخامس للحزب الشيوعي العراقي في
الوقت الذي يعلن فيه دعم الشيوعيين العراقيين لهذه التجربة يرى ان حمايتها
وتوطيدها وتطويرها يحتاج الى بذل الجهود الحثيثة من قبل جميع الإطراف
المشاركة في الجبهة الكردستانية العراقية وخارجها وكل أبناء كردستان
المخلصين لتخليصها مما يشوبها من نواقص وثغرات تتمثل في نزعة الاستئثار
وسياسة المناصفة وعدم الاستفادة من كل الطاقات والكفاءات، بسبب من التحزب
الضيق، واضطراب الأمن، والاغتيالات السياسية، وغيرها من الأمور التي تثير
قلق المواطنين، إضافة الى الضائقة المعاشية الخانقة الناجمة عن الحصار
المزدوج بالأساس، والتي تتطلب هي وغيرها من الأمور معالجة جدية يسهم فيها
الجميع بروح المسؤولية ونكران الذات ورعاية مصالح الشعب ووضعها فوق كل
اعتبار، وتأمين مستلزمات حماية التجربة بتعزيز مكتسبات الجماهير للدفاع
عنها، وعدم المبالغة في التعويل على العامل الخارجي.
لقد توقفت اللجنة المركزية لحزبنا أمام هذه المسيرة
الشاقة لقضية الشعب الكردي في العراق وأكدت منذ آذار 1990 على ضرورة تطوير
شعاراتنا بشأنها ودعت الى تطوير منظمة إقليم كردستان لحزبنا، وجعل قيادتها
لجنة مركزية تتمتع بالاستقلالية في رسم سياساتها وخططها فيما يتعلق بالشؤون
الكردستانية.
وفي ايلول 1991 وفي أعقاب انتفاضة آذار المجيدة،
وبعد إعلان منطقة كردستان شمال خط العرض 36 منطقة ملاذ آمن، من قبل مجلس
الأمن الدولي، تدارست اللجنة المركزية مستجدات القضية الكردية، عند صياغة
مشروعي برنامج الحزب ونظامه الداخلي، وقررت تبني شعار تطوير الحكم الذاتي
وصولا الى الفدرالية، كموقف للحزب، ودعت الى تحويل منظمة إقليم كردستان
لحزبنا الى حزب شيوعي كردستاني تقوده لجنة مركزية منتخبة في مؤتمر المنظمة
ويضع برنامجه ونظامه الداخلي ويرسم سياساته وخططه في الشؤون الكردستانية
ويطبقها بشكل مستقل انطلاقا من الخصوصية القومية التي تتمتع بها كردستان
والتطورات التي طرأت عليها بالاستناد الى المنطلقات العامة لوثائق الحزب
الشيوعي العراقي.
وقد نوقشت التوجهات التي أقرتها (ل.م) في أيلول 1991
في المنظمات الحزبية كافة طيلة ما يقرب من عامين وحظيت بالتأييد استجابة
للتطورات التي حصلت على القضية الكردية، وإقرار الفدرالية لكردستان في إطار
عراق ديمقراطي موحد، كإمكانية واقعية راهنة لتجسيد حق تقرير المصير للشعب
الكردي في ظل الأوضاع التي يعيشها العراق والمنطقة.
وأعار حزبنا اهتماما كبيرا للقوميات والأقليات
الأخرى مؤكدا على ضرورة تمتعهم بحقوقهم القومية والإدارية والثقافية. وفي
هذا الصدد يؤكد حزبنا دعمه الدائم لنضال الآشوريين والكلدان الذين يجمعهم
تراث وتاريخ وأرض ولغة مشتركة، ويتوجه إليهم لتوحيد نشاطهم المشترك لنيل
حقوقهم القومية المشروعة وتعزيز دورهم في المسيرة النضالية لشعبنا. كما
يؤكد على دعمه لنضال التركمان من أجل حقوقهم القومية.
وفي ظل هذه التوجهات عقدت منظمة إقليم كردستان للحزب
الشيوعي العراقي مؤتمرها الثاني في أواخر حزيران الماضي وأقرت برنامج الحزب
الشيوعي الكردستاني – العراق والنظام الداخلي.
وهكذا ينبثق هذا الحزب من منظمة الحزب الشيوعي
العراقي لإقليم كردستان ليكون له برنامجه ونظامه الداخلي المتميزان الى
جانب برنامج الحزب العام، الحزب الشيوعي العراقي، ونظامه، اللذين يشملان
بمنطلقاتهما، واحكامهما كل الشيوعيين العراقيين.
حول الوضع التنظيمي
عانى الوضع التنظيمي للحزب في أعقاب المؤتمر الوطني
الرابع صعوبات جمة شأنه شأن مجالات عمل الحزب الأخرى، وبدرجات متفاوتة من
قطاع الى آخر، داخل الوطن، في العمق أو في كردستان، وفي الخارج، بسبب من
تواتر الإرهاب وتصاعد مستوياته وما رافقه من خمول فكري، وضعف في المتابعة
لمجريات الواقع الموضوعي، وما سببه من عدم استقرار المنظمات واضطراب حياتها
التنظيمية، ان لم يكن شللها أحيانا، وهجرة الكوادر، وتناقص الإمكانيات
المالية.
كل هذا بالإضافة الى النواقص الذاتية الخطيرة في
الهيئات القيادية للحزب بدءا باللجنة المركزية ومكتبها السياسي التي تمثلت
في عجزها عن معالجة الكثير من الظواهر غير الصحيحة في حياة الحزب وما سببه
ذلك من انعكاسات سلبية على حياة المنظمات وعلى عدد ليس بالقليل من الرفاق
والكوادر الحزبية.
كما ان الكثير من الصعوبات التنظيمية تعود أسبابها
الى فترات سابقة و خصوصا فترة التحالف مع البعث في السبعينات وانتهائها
بحملة الإرهاب الدموي لتصفية الحزب ويتضح من خلال تقييم الفترة منذ المؤتمر
الوطني الرابع حتى الآن، غياب آلية فاعلة لاستفتاء القاعدة الحزبية. إذ كان
بالامكان تجنب تفاقم مصاعب الحزب بعقد كونفرنس (مجلس حزبي) عند حدوث
انعطافات في الوضع السياسي.
ومما زاد في عمق الأزمة ما شهدته الحركة الشيوعية
العالمية من بلبلة واضطراب وتراجع وخصوصا منذ أواخر الثمانينات، وصولا الى
انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفيتي وما نجم عن كل ذلك من
تداعيات، أثرت سلبا على أعداد ليست بالقليلة من رفاق الحزب وأنصاره، وألقت
بثقلها على أزمته.
لقد عملت اللجنة المركزية في السنة الأولى التي
أعقبت المؤتمر الوطني الرابع، وبتوصية منه. على إعداد صيغة جديدة للنظام
الداخلي، كان هدفها الأساس التخلص من المراتبية في التنظيم. وبرغم إقرار
هذه الصيغة وتعميمها للعمل بها، ظل الانشداد الى المراتبية يعرقل الانطلاق
في تطبيقها الى حد ليس بالقليل.
وكان التفاوت في الأوضاع بين الداخل الذي هو تحت
سيطرة الدكتاتورية. وإرهابها الدموي، وبين الوضع في الجبل، حيث حركة
الأنصار والخارج، عاملا أساسيا يمنع تطبيق قواعد موحدة في العمل التنظيمي،
ويخلق تباينات في طرائق العمل والسلوك ويسبب صعوبات كثيرة لعمل الهيئات
الحزبية المركزية المختصة.
وجاء انحسار الحركة الأنصارية في صيف 1988 في أعقاب
حملتي الأنفال الأولى والثانية، وتشديد الإرهاب في كردستان وسائر أنحاء
الوطن، واضطرار أعداد كبيرة من الرفاق والكوادر الى الابتعاد عن ساحة
النضال ليزيد من الصعوبات التي يواجهها الحزب لاستعادة تنظيمه الذي أثخن
بالجراح طيلة ما يزيد على العشر سنوات.
ورغم كل ذلك فقد واصل حزبنا عمله النضالي البطولي،
في جميع أنحاء الوطن، تقريبا، في ظل صعوبات قل نظيرها في تاريخ العراق وفي
عالم اليوم. وقدم رفاقنا الأبطال الذين واصلوا العمل في الداخل، والذين
أقدموا على تحدي الإرهاب الدكتاتوري، التضحيات الغالية ثمنا لإخلاصهم لقضية
الحزب والشعب.
ومنذ عام 1989 شرع حزبنا في البحث عن صيغ جديدة
للعمل تستهدف إشاعة الديمقراطية في حياة الحزب والسعي للتخلص من الفهم
الخاطئ والممارسات غير الصحيحة لمبدأ المركزية الديمقراطية، ومراعاة خصوصية
الوضع في كردستان وما تتطلبه من صيغ تنظيمية جديدة.
وفي الداخل – العمق استمر السعي بمختلف الوسائل
المتيسرة للارتقاء بنشاط الحزب والعمل على تأمين مستلزمات تطويره في ظل
صعوبات كبيرة ومتزايدة. وأبدى الرفاق المكلفون بإدارة العمل، من قياديين
وكوادر، قدرا كبيرا من نكران الذات والجرأة. وقد تحقق الشيء الكثير على هذا
الصعيد، حيث أعيدت صلات حزبية مقطوعة وبناء علاقات جديدة وتحسن توزيع صحافة
الحزب وأدبياته فضلا عن القيام بعدد من الفعاليات الأخرى.
ان التطورات السلبية التي تعرضت لها حركة المعارضة
بعد فشل الانتفاضة وكذلك الحصار الذي فرضه النظام على كردستان منذ خريف
1991. تسبب في مصاعب جدية للعمل الحزبي وعرقلة إيصال الأدبيات فضلا عن
استعادة النظام زمام المبادرة على صعيد ترتيب الأجهزة الأمنية.
ان حصيلة السنوات الأخيرة من النضال السري في الوطن
تتطلب إعداد الكادر المناسب وتطوير أساليب العمل وتغييرها وفق الظروف
الصعبة التي تسود البلاد وعبر الفهم الدقيق لإمكانيات وأساليب النظام
الخبيثة الخاصة بالأجهزة القمعية.
وتبقى مهمة رفع اليقظة ومكافحة الخدر والتراخي تحتل
الأولوية في مكافحة محاولات الأجهزة الأمنية لتطويق نشاطنا السري والقضاء
على منظماتنا. وعلى الحزب تسخير أكبر الإمكانيات لدعم عملنا في الداخل
وتقوية تواجدنا وتعزيز علاقاتنا بأوساط واسعة بين جماهير الشعب.
وفي الإقليم حيث توجد أكبر المنظمات الحزبية من
ناحية العدد، فانها مرت بتقلبات عديدة في عملها بسبب من المتغيرات في ظروف
كردستان. فبعد ان كانت تقود العمل الحزبي في الجبل وما رافق ذلك من صعوبات
جمة ثم الانسحاب الاضطراري الى الشريط الحدودي أعقاب حملة الأنفال الهمجية
وحتى انتفاضة الشعب في آذار 1991. وما تبعها من تطورات تركت أثرها على مجمل
عمل منظمة الإقليم والعمل الحزبي في المحافظات الكردستانية.
لقد كشفت انتفاضة آذار المجيدة خطورة ما نعانيه من
ضعف تنظيمي عموما. فبرغم ما قدمه رفاقنا ومنظماتنا من أسهام فعال نسبيا في
مجريات الانتفاضة، ظلت قوانا الحزبية، بسبب من ضيق ما تضمه من كوادر ورفاق
وضعف صلاتها بالجماهير، ظلت عاجزة عن تصدر نضال الجماهير وقيادتها. ورغم
ذلك فقد انتعشت منظماتنا في كردستان المحررة وكسبت الألوف من الشيوعيين
الجدد في البداية. ولكن ظلت الصعوبات المزمنة سببا في ضعف استثمار الزخم
الجماهيري نحو الحزب والاستفادة من أجواء الحريات الديمقراطية الموجودة في
كردستان لتحسين عمل الحزب وتطويره. فقد عانت المنظمات، ان لم يكن كلها، من
العمل المكتبي والانعزال عن الجماهير والاهتمام بمشاكلها وخصوصا الفئات
الواسعة منهم كالعمال والفلاحين والشباب والنساء والتخلي عن الانغمار في
خضم العمل الجماهيري وتنشيطه على أسس من الديمقراطية والاستقلال عن تحكم أي
جهة حزبية.
ورغم سعة المنظمات فان نسبة كبيرة من رفاقها الجدد
ما تزال تعاني ضعفا في الإلمام بتاريخ الحزب، وفي الوعي السياسي والفكري
والتنظيمي، مما يستوجب ان تولي قيادة الحزب الشيوعي الكردستاني – العراق
اهتماما جديا لمعالجة هذا النقص.
وقد انشغلت بعض منظمات الإقليم وخاصة اربيل في
صراعات فكرية بعد قرار حزبنا بتحريك شعاره حول القضية الكردية وتحويل منظمة
الإقليم الى حزب شيوعي كردستاني. ولم تخل هذه الصراعات من دوافع ذاتية
وتداخلات خارجية لتأجيجها نحو أهداف تخريبية لشق منظمة الإقليم وإضعاف
دورها. ومما يؤسف له ان قيادة الإقليم لم تستطع إدارة الصراع بالشكل الذي
يؤدي الى تعزيز التوجهات الايجابية وتطويق الاتجاهات الضارة وعزلها. وقد
نتج عن ذلك مشاكل أثناء عقد كونفرنس اربيل وما تلاه من تداعيات أدت الى
خروج عدد من أعضاء المنظمة وتشكيلهم تجمعات بمسميات عديدة رافعين راية
العداء لمنظمة حزبنا في كردستان وسياسة الحزب تجاه القضية القومية الكردية.
وتتحمل قيادة الحزب جزءا من مسؤولية هذا الوضع لعدم متابعة منظمة الإقليم
وتوجيهها لإدارة الصراع بشكل سليم واتخاذ الإجراءات الكفيلة لعدم تفاقم
المشكلة.
وعلى الرغم من ذلك فقد حققت منظمات الاقليم خطوات
ملموسة في عملية إشاعة الديمقراطية الداخلية حيث عقدت جميع منظماتها
المحلية كونفرانسات وناقشت فيها وثائق (ل.م) للمؤتمر الوطني الخامس ووثائق
الإقليم لتشكيل الحزب الشيوعي الكردستاني وانتخبت هيئاتها القيادية
وممثليها لمؤتمري الإقليم والحزب.
ان ممارسة الانتخابات في المنظمات على الرغم من
كونها خطوة ايجابية إلا انها لم تخل من مشاكل وصعوبات ناجمة عن قلة التجربة
وضعف الوعي الديمقراطي مما يستوجب ايلاء اهتمام كبير في تطويره وتوجيهه
لخدمة الحياة الحزبية الداخلية ودمقرطتها الى جانب وضع خطط خاصة تحوطا
للاحتمالات والانعطافات، وتطوير أساليب عمل الحزب الشيوعي الكردستاني –
العراق للنهوض بمهامه وتعزيز مواقعه في الساحة الكردستانية.
وتوجت نشاطات منظمة الإقليم بعقد مؤتمرها الثاني في
نهاية حزيران من هذا العام. الذي نجح في إنجاز مهامه وإعداد وثائقه وخاصة
البرنامج والنظام الداخلي للحزب الشيوعي الكردستاني – العراق.
وعلى صعيد منظمات الحزب في الخارج، شهدت هذه
المنظمات في السنوات الأخيرة اضطرابا شديدا في عملها جراء عوامل عديدة،
وخصوصا في الجانب الفكري والإحباط الناجم عن تراجعات الحركة الشيوعية
العالمية والوضع غير الطبيعي الذي عانت منه لجنة تنظيم الخارج وعدم
استقرارها والذي وصل في بعض الأحيان الى حالة قريبة من الشلل، والتأثيرات
السلبية التي حدثت بفعل التغيرات التي حصلت في الهيئة القيادية في الخارج
وتقلص عدد الرفاق العاملين فيها.
ويشار بهذا الصدد الى انه لم تجر استشارة القيادات
المنتخبة للمنظمات قبل إعادة تشكيل الهيئة القيادية في الخارج بقرار فوقي،
واقتصارها على رفاق من قيادة الحزب.
ومما أثر في منظمات الخارج هو التغير الحاصل في
تركيب هذه المنظمات واتساعها وتباعدها بعد فتح باب اللجوء أمام الرفاق
والتغيير النوعي الذي تعرضت له هذه المنظمات سواء من حيث المستويات الحزبية
أو الأصول الاجتماعية، لذا لم يعد طابعها طلابيا شبابيا، فهي ضمت مئات
الكوادر الانصارية والثقافية ومن الفئات الاجتماعية الأخرى.
وبرغم ذلك فقد تواصلت عملية إشاعة الديمقراطية وعقدت
المنظمات في الخارج كونفرنساتها السنوية وانتخبت قياداتها وانتخبت هذه
السنة مندوبيها الى المؤتمر الوطني الخامس. وبذلت الهيئة القيادية في
الخارج جهودها لتعزيز الصلة بالمنظمات بوجه صعوبات كثيرة ومعالجة بعض ما
تشكو من جراء الانقطاع أو ضعف الصلة إضافة الى الصعوبات الفكرية. وتبقى هذه
الصعوبات ماثلة وبحاجة الى معالجات جدية لتذليلها وضمان استمرارية الصلة
والانسيابية في وصول الأدبيات والبريد الحزبي في أوقاتها. كذلك يتطلب في
المستقبل إيجاد أفضل صيغة تنظيمية قيادية للنشاط الحزبي في الخارج وفقا
للظروف الملموسة الراهنة. اخذين بنظر الاعتبار ان خارطة المنظمات الحزبية
تشمل كل القارات تقريبا وابعد البلدان.
إن الحديث عن الوضع التنظيمي سيظل ناقصا نقصا كبيرا
ان لم يتناول المظاهر السلبية التي شاعت خلال السنوات الأخيرة بذرائع شتى.
وأخطر هذه المظاهر مع ضعف اليقظة والتسيب وإفشاء أسرار الحزب بشكل يعرض أمن
الرفاق للخطر ويقدم خدمة لأجهزة القمع الدكتاتورية، وتناول سياسة الحزب
وتاريخه ومواقفه بشكل غير مسؤول. وبدون شعور بالمسؤولية من قبل عدد غير
قليل من الرفاق ومن مستويات حزبية عالية بما فيها اللجنة المركزية، مع
الأسف الشديد، مما يتطلب وقفة جادة تجاه هذه المظاهر التي لم يسبق لها ان
كانت بهذه السعة فيما سبق، وشجبها ومعالجتها ووضع حد لها. اذ لا يمكن
لوضعنا التنظيمي ان يتعافى تماما، دون التخلص من هذه الظواهر المرضية
المؤذية، ودون اللجوء الى التخطيط والبرمجة والخلاص من العفوية التي تسود
قطاعات واسعة من عملنا التنظيمي. وتشديد المساءلة والمحاسبة على الانتهاكات
وفقا لأحكام النظام الداخلي، وربط علانية النشاط والعمل بالحفاظ على سرية
التنظيم في كافة الظروف، وضرورة برمجة العمل التنظيمي والفكري وتأمين إدارة
صحيحة للصراع الفكري الناجم عن تعقد الأوضاع الداخلية والخارجية والتباين
في الاجتهادات واختلاف زاوية الرؤية لأية قضية تطرحها الحياة نتيجة اختلاف
الظروف المكانية والساحة التي يوجد فيها الرفاق والتنظيمات.
إن مكافحة المظاهر المرضية في الحياة الداخلية يتطلب
أيضا تربية أعضاء الحزب وكادره بالقيم والمثل الإنسانية النبيلة.
ولن يتم ذلك دون معالجة أزمة القيادة التي تمثلت في
العديد من النواقص التي أتينا على ذكرها، والبيروقراطية وضعف المبادرة،
والتهرب من المسؤولية وخرق الانضباط الحزبي، وتغليب الآراء الشخصية على رأي
الحزب وغير ذلك من الظواهر المرضية.
مهماتنا في الظرف الراهن، العمل بين الجماهير
واستنهاضها
تعيش الجمهرة الواسعة من جماهير الشعب حياة قاسية لم
يسبق لها مثيل. فإلى جانب الحرمان من الحريات الديمقراطية، وفقدان
الاستقرار، والآفاق المظلمة للمستقبل في ظل هذا النظام، تعاني من ضائقة
معيشية خانقة، وغلاء فاحش وتردي الخدمات في جميع المجالات، من صحة ونقل
وتعليم وماء وكهرباء وغيرها.
وبسبب من ذلك يزداد سخط أبناء الشعب على النظام
وتذمرهم من سياساته. غير ان هذا السخط والتذمر ظل بدون تنظيم وتوجيه ضد
مصدر كل هذه الأوضاع المزرية ومسببها، بسبب من فقدان الأطر التنظيمية
القادرة على القيام بذلك.
فأجور العمال ورواتب الموظفين الصغار والمتوسطين وكل
ذوي الدخل المحدود وصلت الى الحضيض بسبب من تدني قيمة الدينار وارتفاع
الأسعار. وجرى حرمان فئات واسعة جدا من الطلبة من الأقسام الداخلية
والمخصصات والكثير من مكتسبات مجانية التعليم، وتعاني الأحياء الشعبية من
الإهمال وفقدان الخدمات الضرورية، وتراكم الأوساخ والمياه القذرة، وتتعرض
للأمراض والأوبئة.
إن هذه الأوضاع كلها تتيح إمكانية لتعبئة الجماهير
للدفاع عن مصالحها وحقوقها المغتصبة، من اجل زيادة الأجور والرواتب للعمال
والموظفين الذين يشكلون القسم الأعظم من الشغيلة لتجاري الارتفاع الفاحش في
الأسعار، من أجل استعادة مجانية التعليم وتخليص العملية التربوية
والتعليمية التي تضم ما يقارب الخمسة ملايين مواطن أي حوالي ربع السكان ما
بين تلميذ وطالب ومعلم وأستاذ من التدهور الذي لحق بها، ومن اجل حياة كريمة
لائقة بجماهير الشعب كلها.
إن حزبنا وسائر قوى المعارضة، مدعوة لاستقطاب
الجماهير الساخطة وتنظيمها وتوجيه حركتها بالأساليب المناسبة، والاستفادة
من أية أمكانية، بما في ذلك العمل في مؤسسات النظام ومنظماته التي لم تسلم
جمهرة منتسبيها من مساوئ تردي الأوضاع وتدهور مستوى معيشتها.
التحالفات الوطنية
إن مهمة استنهاض الجماهير للكفاح من أجل مطاليبها
البسيطة وتطوير هذا الكفاح وتوجيهه نحو المطالب السياسية، للخلاص من
الدكتاتورية ليست مهمة حزب بمفرده أو تيارا معينا، بل هي مهمة جميع قوى
المعارضة، وكل فئات الشعب المكتوية بنار الحكم الدكتاتورية. ولذا تظل مهمة
إقامة وتعزيز وتطوير التحالف الوطني بين قوى المعارضة في رأس المهمات التي
يناضل الشيوعيون من اجل إنجازها. هذا التحالف الذي نعمل من اجل ان لا يقتصر
على القيادات بل ان يكون أيضا بين جماهير الفئات الاجتماعية والعناصر التي
من مصلحتها الخلاص من النظام القائم بمن فيها أعداد غير قليلة من المحسوبين
على الحزب الحاكم ومنظماته، الذين يتوقون هم أيضا الى الخلاص من الورطة
التي أوقعهم فيها حزب النظام، ومن العار الذي ألحقه بوطننا والمآسي التي
انزلها بشعبنا.
3- صيانة التجربة الديمقراطية في كردستان وتطويرها:
يشكل الوضع في كردستان رافعة من روافع النضال الذي
يخوضه شعبنا العراقي ضد النظام الدكتاتوري. وذلك بما يمثله من بديل ملموس
للنهج الدكتاتوري الذي ينهجه نظام صدام حسين. فقد جرت انتخابات انبثق عنها
مجلس وطني وحكومة الإقليم. وتمارس الجماهير حرياتها الديمقراطية في التنظيم
الحزبي والنقابي والاجتماعي وإصدار الصحف وتنظيم الاجتماعات والمواكب،
وغيرها.
كما شكل الإقليم المتحرر من نير الدكتاتورية قاعدة
حرة لنشاط قوى المعارضة بمختلف تياراتها.
إن الحفاظ على هذه التجربة وتعميقها ومعالجة ما
تعانيه من مشاكل ونواقص وثغرات مهمة ذات اهمية بالغة في الظرف الراهن، مهمة
تخص كل القوى الكردستانية الحريصة على المكتسبات المتحققة، وكل قوى
المعارضة العراقية – التي تشكل الجبهة الكردستانية العراقية قوة هامة فيها
– حتى يتم خلاص كل الوطن من نير الدكتاتورية، وفي بناء عراق ديمقراطي
فدرالي موحد.
4- تقوية التنظيم الحزبي مهمة المهمات بالنسبة
للشيوعيين:
إن كل المهمات التي سبق ذكرها لا يمكن تحقيقها بشكل
مرضى ما لم يسهم حزبنا في تنفيذها أسهاما فعالا، وهذا لن يتحقق بدون تقوية
تنظيمنا الحزبي في جميع مواقع النضال ضد الدكتاتورية، داخل الوطن حيث القمع
الفاشي، وفي كردستان المتحررة وفي الخارج، وتعبئة طاقات كل الشيوعيين للعمل
على معافاة الحزب وتجديده فكرا وتنظيما وممارسة، وتوفير مستلزمات ذلك.
ونأمل ان يكون مؤتمرنا هذا خطوة على هذا الطريق وان يشكل إقرار وثيقته
البرنامجية ونظامه الداخلي الجديد أساسا لتعزيز وحدة الحزب، الفكرية
والتنظيمية والسياسية، وتمكينه من ان يلعب دوره بفعالية أكبر في حركة
المعارضة العراقية وفي نضال شعبنا الشاق للإجهاز على الدكتاتورية.
5- على صعيد العمل الفكري والإعلامي:
يحتل العمل الفكري أهمية استثنائية في حياة الحزب
ونضاله، خاصة في الظروف المعقدة الراهنة، لذا يجب إيلاء اهتمام خاص
بالطاقات الفكرية والإبداعية ولطريقة التعامل معها من أجل تنشيط هذا المجال
على صعيد البحوث والدراسات ومركزة نشاطها.
وينبغي أن يكون في صلب توجهاتنا في هذا الميدان هو
العمل لتأسيس تقاليد للبحث والدراسة تساعد الحزب على التعرف على الواقع
العراقي، وعلى طريقة أفضل لترجمة المفاهيم النظرية وفقا لظروفنا الملموسة،
واستشراف المستقبل.
وينهض العمل الإعلامي بدور فاعل في نشاط الحزب
الراهن، الأمر الذي يتطلب الاعتناء وتطوير صحافة الحزب وإذاعته المركزية
وتوفير إمكانيات ذلك وتعزيز قدراتنا الإعلامية وتطويرها مضمونا وخطابا،
وكذلك من الناحية الشكلية والتكنيكية.
حول الوضع العربي
شهدت السنوات التي أعقبت عقد المؤتمر الوطني الرابع
عام 1985 استمرارا للهجمة الإمبريالية التي استهدفت تركيع شعوب المنطقة
وتعميق حالة الانقسام والتشرذم في صفوف قواها وفصائلها الوطنية والقومية
والتقدمية، وتعزيز الهيمنة على مقدراتها وثرواتها وتصفية القضية
الفلسطينية.
وقد حققت الهجمة نجاحات ليست بالقليلة ولم يكن ذلك
بمعزل عن طبيعة غالبية الأنظمة العربية المتمثلة بالاستبداد والدكتاتورية،
وفي حرمان الجماهير الشعبية من حرياتها الديمقراطية وامتهان كرامتها ومنعها
من تعبئة طاقاتها النضالية الكبيرة في التصدي للمخططات المعادية لمصالحها
وتكريس سياسة الحزب الواحد وبسبب غياب وحدة العمل المشترك بين الدول
العربية الوطنية وضعف التنسيق والتضامن المتبادل بين فصائل حركة التحرر
الوطني العربية، التي تضم الأحزاب الشيوعية والديمقراطية والقومية
التقدمية.
وبالإضافة إلى هذه العوامل فعلت الحرب العراقية –
الإيرانية فعلها في تعطيل الطاقات العربية، وفي بقاء الصف العربي غير موحد.
ومن ثم جاء غزو الكويت بآثاره الكارثية على مجموع الوضع العربي وعلى القضية
الفلسطينية بالذات. وكذلك اختلال التوازن الدولي لصالح الإمبريالية
الأمريكية الحليف الستراتيجي لإسرائيل بانهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك
الاتحاد السوفيتي صديق الشعوب العربية وظهيرها في نضالها من أجل تعزيز
استقلالها الوطني وانتهاج طريق تطورها المستقل. وصيرورة الولايات المتحدة
الأمريكية القطب الأوحد الذي يتحكم بالوضع الدولي وبقرارات مجلس الأمن. لقد
تراجعت القضية الفلسطينية، برغم التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب
الفلسطيني في انتفاضته الباسلة التي توشك ان تنهي عامها السادس.
ولم يكن هذا التراجع بمعزل عما سبق ذكره من عوامل
وعن الأخطاء التي ارتكبتها منظمة التحرير الفلسطينية أثناء غزو الكويت
ووقوف قيادتها الى جانب صدام حسين أثناء احتلاله للكويت وأثناء قمعه
لانتفاضة شعبنا في آذار 1991، مما افقدها الكثير من مصداقيتها كقيادة لحركة
تحرر وطني تناضل ضد احتلال أرضها، وسبب لها الكثير من المشاكل على الأصعدة
السياسية والمالية والتنظيمية.
وتعثرت مفاوضات